ذهاب للمحتوى


صورة

الرواية الجديدة : " زمن نجوى وهدان " لمجدي جعفر أنموذجا / كت


  • Please log in to reply
11 replies to this topic

#1 مجدى محمود جعفر

مجدى محمود جعفر

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 423 المشاركات:

تاريخ المشاركة 10 February 2008 - 07:32 PM


الرواية الجـديـدة
" رواية زمن نجوى وهدان للروائي مجدي جعفر
دراسة تحليلية نقدية "
"
دكتور
نادر أحمد عبد الخالق أحمد













شكر وتقدير

إلى أساتذتي الأفاضل
أ.د إبراهيم محمد إسماعيل عوضين
أ.د صابر عبد الدايم يونس
أ.د سيد حامد النساج



















إهداء
إلى زوجتي
وأولادي : دينا ، هدير ، أحمد
متمنيا لهم السعادة والتوفيق





















كتاب الأجيال

أحمد ، نادر أحمد عبد الخالق .
الرواية الجديدة " زمن نجوى وهدان للروائي مجدي جعفر دراسة تحليلية نقدية / تأليف د . نادر أحمد عبد الخالق .
– ط 1 - الزقازيق
جريدة الأجيال المصرية 2008.
...ص ، 19سم – ( كتاب الأجيال 16)
1- القصص العربية – تاريخ ونقد
أ - العنوان .
ب - السلسلة
009/ 813
رقم الإيداع بدار الكتب 2119/ 2008










المقدمة


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الكريم وعلى أله وصحبه وسلم آمين
وبعد .
تواصل الرواية مسيرتها نحو التألق والتميز . فمنذ زمن ليس بالبعيد قالوا إن العصر والأوان هو عصر الرواية وزمن الرواية . وذلك لكثرة انتشارها وسهولة قراءتها .. واشتمالها على عناصر التصوير والتشويق والإثارة .. ولأنها على المستوى الفنى استوعبت الشعر – فن العربية الأول واستفادت منه كثيرا فى جانب الشخصية والموضوع ، وفهم السمات والمواقف البنائية واللغوية والواقعية .

والآن تعدت الرواية الجديدة إلى أبعد من ذلك . فاستوعبت واستلهمت العناصر التركيبية لفن المسرحية . وقد يكون ذلك لقرب الشبه بينهما ابتداء ، وأيا كان الأمر فى هذه المسألة فإن الرواية والمسرحية من فنون القول المتميز ، لكل منهما خصائصه التي تميزه عن الآخر ، وسماته الخاصة . ولم تكن هذه الدراسة لإثبات ذلك أو نفيه أو الفصل بينهما ، وإنما الهدف الرئيسي يكمن في رصد الظواهر الموضوعية والفنية المتداخلة والمتشابكة في الفن عموما والفن الروائي خصوصاً . ومهما يكن من قول فيه أخذ ورد أو اتفاق واختلاف . فإن الجانب المسيطر على هذه الدراسة . هو الجانب التحليلي النقدي . المتتبع لأهمية الرواية واستلهماها الواقع ، والتعبير عنه – ومحاولة إصلاحه – استنادا على الصلة الوثيقة بين الفن والواقع – وبين الكاتب الأديب وبيئته ومجتمعه . لذا كان إطلاق الرواية الجديدة ليس من باب التقليد الكلاسيكي النمطي وإنما كان ذلك من دوافع الشكل الفني ، ومدى المواءمة بين الفن الحواري والقصصي وارتباط كل منهما بالواقع الحياتي المعاصر ، وقربهما فنيا وموضوعيا على مستوى الخلق والابتكار ، والتقديم والمعالجة لإشكاليات الواقع ومن ثم التسجيل والوقوف عند أهم ملابساته .



وجاءت الدراسة فيما يلي :
أولا : المقدمة
ثانيا :ما قبل الكلام .
1- الرواية في الأدب العربي .
2- الرواية ووظيفتها الإنسانية والاجتماعية .
3- أهمية الرواية بالنسبة للمجتمع .
ثالثا :الكلام .
- تمهيد
– التعريف بالكاتب
رواية زمن نجوى وهدان دراسة فى البناء الفني .
1- الحدث
2- الشخصية
أ‌- الشخصية المحورية
ب‌- شخصيات جانبية مرموقة .
جـ - دلالة الأسماء وتوظيف الرمز
3- الحوار ودلالته الفنية .
4- اللغة الروائية .
أ‌- لغة الحوار
ب‌- الأسلوب الفصيح والظواهر الأسلوبية
جـ - الظواهر الأسلوبية :
1- التكرار أو الإعادة 2- ظاهرة التراكيب الشعبية
3-الأسلوب الخطابي 4- الكتابة المقطعة
5- المصطلحات الأجنبية 6- التصوير والتجسيد
5- الزمان وأثره في البناء الفني
6- المكان وعلاقته بعناصر البناء

وتحدد الكلام

في رواية " زمن نجوى وهدان " للأديب مجدي جعفر دراسة في البناء الفني – وتناولت فيه الحدث والشخصية والحوار واللغة – والزمان والمكان – واعتمدت على المنهج التحليلي النقدي القائم على رصد الظواهر الموضوعية والفنية والأسلوبية داخل العمل واكتشفت الدراسة قرب المادة الروائية من الواقع . وأن الفن عموما والروائي خاصة . له وظيفة إنسانية واجتماعية مبعثها الإصلاح والتنبيه على السلبيات – وكيفية علاجها – من خلال تقديم النموذج الفني المتكامل على مستوى الحدث – والشخصية – وبقية العناصر الأخرى . مع الحفاظ على قيمة التذوق الفنى ، والتأثير على المتلقى وجذبه وتشويقه بواسطة المتعة الأسلوبية والفنية .
رابعا : ما بعد الكلام
1- عودة إلى الكاتب
2- مسرواية
وتمثلت هذه العودة فى المناقشة العامة لكافة عناصر الموضوع – من الناحية الفنية والموضوعية – وكيفية الاستفادة من المسرحية كفن له ، روابط وثيقة بفن الرواية . ولم أحاول الإثبات أو النفي – وإنما عرضت وجهات النظر النقدية من خلال كاتبين " ناقدين " – يشار إليهما بالبنان فى علم المسرحية . ثم استعرضت جهود مجدي جعفر وكيف استفاد ؟ أو كيف تمت له عملية التوظيف – على المستوى الموضوعي والفني ؟
خامسا : الخاتمة
سادسا : المصادر والمراجع


























ما قبل الكلام
1- الرواية في الأدب العربي
2- الرواية ووظيفتها الإنسانية والاجتماعية
3- أهمية الرواية بالنسبة للمجتمع

































1- الرواية في الأدب العربي .
عرف الأدب العربي منذ القدم ، القص بمعناه المتعارف عليه ، ولا يستطيع أحد أن ينكر وجود القصص والأساطير والخرافات ، التى كانت شائعة قديما ، بل إن العربي ارتبط فى واقعه الاجتماعي والتاريخي ، بما يؤيد هذا الاتجاه ، فضلا عن أن الأمم فى أطوارها المختلفة لا تنسى أيامها ووقائعها المعروفة بينها ، فهى جزء منها ومن تاريخها .
وبالعودة إلى تاريخ العرب يلاحظ أن العربي القديم . كان يهتم بحفظ وقائعه ، ومآثره وحروبه ومفاخره ، ويردد ذلك في الأندية والمحافل المختلفة ، فكانت تنسج القصص بمختلف موضوعاتها واتجاهاتها ، فهناك الخرافة والأسطورة والموعظة ، والقصص الحربية التى يمتدح فيها الأبطال المنتصرين ، ويُذم فيها المنهزمين .
من ذلك يتضح أن للعرب القدامى " قصص واقعي ، يتمثل فى أيام العرب ، ويدور حول وقائعهم الحربية .. وكان لهم قصص عاطفي ، كالذي ذكروا بين المُنخّل اليشكري والمتجردة زوج النعمان بن المنذر ، أو كالذي كان بين المرّقش الأكبر وصاحبته أسماء بنت عوف
( )
وهناك قصص آخر أخذه العرب عن غيرهم ، وصاغوه فى أسلوب يتفق مع أذواقهم ، " وكان النضر بن الحارث في مكة ، وهو طبيب ومثقف ورحالة ، وكثير الذهاب إلى بلاد فارس والحيرة ، يعارض النبي صلي الله عليه وسلم ، وينصب له العداوة ، إذا جلس الرسول مجلسا فذكّر بالله ، وحذر قومه مما أصاب غيرهم من الأمم ، خلفه بمجلسه وقال : أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه فهلموا إلىّ ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ، وقصة رستم واسقنديار ، وكان على النضر أن يدفع ثمن ذلك يوم موقعة بدر ، بعد انتصار المسلمين ، فكان أحد اثنين أمر النبي عليه السلام بقتلهما ، لم يعف عنهما ، ولم يقبل فيهما فداء "( )
ثم جاء الإسلام ، ونزل القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم ، وجاءت القصة التى تخبر عن أحوال الأمم السابقة ، وتهدف إلى توحيد الله عز وجل ، وأخذ العظة والعبرة من السابقين ، والإيمان بالقضاء والقدر ، والجدير بالذكر ، أن القصة القرآنية ، اشتملت على جميع العناصر الفنية ، فهناك الأشخاص بمختلف مستوياتها البطولية ، والمحورية ، والثانوية ، والهامشية ، وهناك الأحداث الأساسية والجزئية ، وما يتفرع عنهما ، وهناك عنصري الزمان والمكان . وهناك عناصر أخرى فى القصة القرآنية ، لجأت إليها القصة الحديثة ، مثل الحلم ، وتوظيفه توظيفا دراميا ، يكشف عن تطور الحدث والصراع ، ووجد ذلك فى قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ، حينما رأى في المنام أنه يذبح ولده ، وأيضا رؤيا يوسف عليه السلام " إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " ( سورة يوسف – آية 4 )
فضلا عن الوعاء الذى جاءت فيه القصة القرآنية ، متمثلا في اللغة المشرقة ، فى ذروتها العالية ، حيث تعلو وتتعدد مستوياتها العالية ، بالإضافة إلى الحوار الأمثل ، الذى يكشف عن اتجاهات الشخصية ، وأبعادها المختلفة ، ومن ذلك قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقصة سيدنا محمد مع قومه ، وقصة امرأة فرعون ، وأخبار الأمم السابقة مثل عاد وثمود ومدين وغيرهم .
ومن المؤكد أن القصة المعروفة لنا بكل عناصرها الفنية الحديثة ووسائلها المختلفة ، قد وجدت فى القرآن ، ولو أن العرب اهتموا بها وانشغلوا بدراستها ، لكان لهم فضل السبق فى إيجاد القصص الفنى المتكامل ، لكنهم صبوا اهتمامهم بالشعر والقريض ، فبلغوا فيه مبلغا عظيما .
وجاء العصر العباسي ، ومعه تحولات كبيرة على الصعيدين الفكري والعلمى ، حيث اتسعت رقعة الدولة ، وبسطت سلطانها على معظم أرجاء الأرض ، فكان الإطلاع على الثقافات الأخرى والاستفادة منها ، ثم النقل والترجمة . ومن الكتب المترجمة التى تقترب من القصة بشكل عام . كتاب كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة .
وكليلة ودمنة من جنس القصص على لسان الحيوان أو الخرافة ، ويمكن أن يقال إجمالا ، إنها كانت ، إما فطرية أسطورية ، تشرح ما سار بين الناس من أمثال ، وإما مأخوذة من كتب العهد القديم ، وما عدا هذين فمتأخر عن كليلة ودمنة ومتأثر به ، كما فى بعض قصص الجاحظ في الحيوان ، ولكن كتاب كليلة ودمنة ، ذو طابع خُلقي وفني انفرد به ، ولذا كان سببا فى خلق جنس أدبي جديد ، فى اللغة العربية ، قصد فيه إلى تعليم الملوك كيف يحكمون ، والرعية كيف يطيعون " ( )
ولا يخفى ما لهذا الأثر الكبير ، من تأثير واضح على الأدب العربي .
وكذلك قصص ألف ليلة وليلة :
وهى تشبه فى أصلها كتاب " كليلة ودمنة " ، لأنها ترجع إلى أصل فارسي يسمى هزارفسانه ، وهذا الأخير متأثر فى أصلة ، وقالبه العام ، بالقصص الهندي ، كما تدل على ذلك طريقة التقديم لكثير من القصص بالتساؤل على نحو ما فى كليلة ودمنة ، ثم تداخل القصص فى كلا الكتابين ، إذ أن كل قصة رئيسية تحوى قصصا عديدة ، وكل قصة من هذه القصص الفرعية قد تحتوي على قصة أو أكثر متفرعة منها كذلك ، ويتبع ذلك دخول شخصيات جديدة ، إذا كانت القصة لأشخاص من الناس ، أو دخول حيوانات كذلك ، بدون انقطاع ولأدنى مناسبة " ( )
يأتي بعد ذلك ، من القصص العربية القديمة التى تؤكد وجود فن القصة فى التراث العربي " المقامات " وغيرها مثل " رسالة الغفران " لأبي العلاء المعري ، " وحى بن يقظان " لابن طفيل .( )
والمقامات : قصص قصيرة تصور مغامرات أديب متسول يخلب سامعيه بحضور بديهته وبلاغة عباراته ، وفي الحق أن بديع الزمان ، مخترعها ومن جاءوا بعده مثل الحريري لم يفكروا فى صنع قصة حقيقية أو أقصوصة ، إنما فكروا في غرض تعليمي ، هو جمع طوائف من الأساليب المنمقة الموشاة بزخرف السجع والبديع ". ( )
ويعلق أحد النقاد على مقامات بديع الزمان ، وموقعها من مراحل تطور القصة الفنية ، وارتباطها بالمجتمع ، يقول : بدأت بذور القصة الفنية التي تدرس المجتمع ، وتحلل الشخصية وتهتم بالتصميم الفني ، والفكرة الموحدة ، فشخصية " أبي الفتح الاسكندراني " ، تعني من مراحل تطور القصة العربية نفس المرحلة – شخصية " سيروردجر يكفري " من تطور القصة الإنجليزية " ( )
ومهما يكن من توسلات نقدية ، وجهت إلى التراث العربي القصصي ، فإن ألف ليلة وليلة ، ومقامات بديع الزمان ، وغيرهما من القصص والحكايات التى وصلت إلينا ، حاول فيها أصحابها تصوير الواقع العربي ، فى شتى صوره المختلفة ، وحاولوا تصوير حالة الإنسان العربي واتجاهاته الأدبية والاجتماعية والأخلاقية وموقفه تجاه عصره ، ولا يخفى أن هذا التراث الثقافي القصصي قد ساهم بشكل أو بآخر مباشر أو غير مباشر ، في دعم التيار القصصي الروائي .عند أدباء كثيرين منذ مطلع فجر النهضة – أمثال المويلحي وحافظ إبراهيم – والشدياق واليازجى ، ولا يخفى أيضا أن المقامات ، كان لها الأثر المباشر وراء دفع القصة القصيرة فى مصر والعالم العربي خطوات إلى الأمام ، لما بينهما من تشابه كبير فنيا وموضوعيا ، وفي العصور الوسطى كان هناك ، " قصصا شعبيا ، ولكن لم يكن لنا قصص فصيح ، ولما اتصلنا بأوروبا ، وأخذنا نتأثر بآدابها اتجه أدباؤنا إلى القصص الغربي ، وحاولوا أن يترجموه ، وكان رفاعة الطهطاوي هو الرائد لهذه الحركة ، فترجم مغامرات تليماك " لفنلون " ، وسماها مواقع الأفلاك في وقائع تليماك " ( )
وفي مرحلة أخرى من مراحل التطور الاجتماعي على مستوى الفن الروائي ، كانت محاولات رفاعة الطهطاوي في كتابيه " تلخيص الإبريز " و " وقائع تليماك " بداية مرحلة جديدة في الرواية العربية يقول د / عبد المحسن طه بدر : " يعتبر رفاعة رافع الطهطاوي أول من وضع البذور الأولى لنشأة الرواية التعليمية ، في كتابه المؤلف " تلخيص الإبريز " وفي روايته المترجمة " مغامرات تليماك " – ويعطي الناقد الأهمية الأولى لوقائع تليماك . كعلامة واضحة كان لها الأثر المباشر في نشأة الرواية التعليمية ، يقول :
نحن مدينون لرفاعة فيما يتصل بنشأة الرواية التعليمية ، بروايته المترجمة – وقائع تليماك – أكثر مما ندين له ، فى كتاب تلخيص الإبريز ، وتعد وقائع تليماك أول مظهر من مظاهر النشاط الروائي ، في مصر في القرن التاسع عشر ، والهدف التعليمي واضح من المقدمة التى كتبها رفاعة للرواية المترجمة ، وسماها ديباجة الكاتب " ( )
وقد أمتد هذا التيار التعليمي ، في هذه الفترة ، عند على مبارك ، فى روايته علم الدين ، وأخذ فى التطور على يد محمد المويلحى ، وحافظ إبراهيم ، وغيرهم من الكتاب ، الذين عنوا بمثل هذا النوع الروائي ، وجاء هذا التطور ، متضمنا الهدف من وراء الجنس الروائي ، في مجال الإصلاح والتهذيب والتعليم ، وبذلك اختلفت طبيعة الرواية التعليمية في القرن العشرين عنها في القرن التاسع عشر ، وبعد أن كانت الرواية التعليمية تتجه إلى تعليم علوم الغرب ، أصبحت وظيفتها منصبة على الإصلاح الاجتماعي ، بتوجيه النقد إلى بعض المظاهر الاجتماعية الغربية التى انتقلت إلى مجتمعنا " ( )
وقد ظهر ذلك في حديث عيسي بن هشام ، وليالي سطيح ، وغيرها من الأعمال ، وهى لا تبعد عن التراث كثيرا ، فحينما كتب محمد المويلحي ، حديث عيسى بن هشام ، كان يهدف إلى نقد المجتمع ، وتصوير ما فيه من سلبيات ، فآثر " أن تكون على نمط مقامات بديع الزمان الهمذاني ، والحريري ، ينقد فيها ما رأى في زمنه ، وما حوله من ضعف أو خلل أو فساد ، فكانت صوره عن الشرطة والنيابة والمحامى الأهلي ، والمحامي الشرعي ، والطب والأطباء ، والمحاكم ، والأعيان ، والتجار ، وأرباب الوظائف ، والعمدة ، والمدنية الغربية وغيرها " ( )
وكما أن المجتمع المصري الحديث واضحا في حديث عيسي بن هشام ، فإن الصلة بالتراث واضحة ، من حيث الأحداث ، والشكل الفني التى وردت فيه " فهو في تسميته يقترب من الشكل الاصلاحى للمقامة ، التى كانت قريبة في معناها من كلمة حديث ، ثم إنه اختار أن يكون الحديث لعيسي بن هشام وهو بطل مقامات بديع الزمان الهمذاني " ( )
وتستمر مسيرة العمل الروائي ، مارة بدروب واتجاهات متعددة ، ما بين جمود وتطور ، وإطلاع على الفكر الغربي ، ومحاولة تقليده ، أو محاولة النقل عنه ، والتأثر به ، فظهرت رواية التسلية ، ورواية التاريخ ، أي الرواية التاريخية ، التى تعتمد في اقتباس أحداثها وأشخاصها من كتب التاريخ ، ومن ذلك رواية زينوبيا ، لسليم البستاني ، وحضارة الإسلام في دار السلام ، لجميل نخلة المدور ، ثم ظهور الاتجاه التاريخي الواضح في روايات جرجي زيدان ، وإن كان مقرونا بنوع من التسلية ، التى حرص عليها ، خاصة وأنه يريد جذب القراء ، إلى مجلته الهلال ، فعمد إلى ،" أن يعلمهم التاريخ بالوسيلة التى تروقهم ، وذلك بأن يقدم لهم التاريخ من ناحية والقصة الغرامية ، التى تسليهم ، وتجذبهم إلى قراءة التاريخ من ناحية أخرى ، وبذلك حاول جرجي زيدان أن يجمع بين التسلية وبين التعليم ، فهو لم يتجه إلى التعليم الخالص ، كما اتجه أصحاب التيار الأول ، الذين تحدثنا عنهم ، ولم يتجه إلى التسلية ، كما اتجه كثير من الكتاب ، بل وقف في مركز متوسط بين الفريقين " ( )
واستمر هذا التيار ، وتأثر به من جاء بعده ، ويظهر ذلك في روايات عشق المرحوم مصطفي كامل وأسماء عشيقاته ، ورواية الدمع المدرار في المصائب والمضار " ( ) ورواية سعاد لعبد الحليم العسكري ، ( )
وتنتقل الرواية ، في العقد الثاني من القرن الماضي ، إلى مرحلة متقدمة ، من الناحية الفنية والموضوعية حيث اكتملت فيها ، عناصر البناء الفني للرواية ، أسلوبا ، وأشخاصا ، وأحداثا ، وموضوعا وغدت الرواية فنا ، يقبل عليه الخاصة والعامة ، فقد تنوعت اتجاهاته ، فأصبحت هناك ، الرواية الاجتماعية ، والتاريخية ، والدينية ، إلى غير ذلك من الأنواع الروائية .
واتفق مؤرخو الأدب ، على أن الرواية الأولى ، التي تحمل ملامح فنية وموضوعية واضحة ، هي رواية " زينب " للدكتور / محمد حسين هيكل ، حيث كانت محاكاة للواقع الاجتماعي وتصويره ونقده ، وبرزت فيها العناصر الفنية واضحة ، ( الأشخاص – اللغة – الحوار – الأحداث – الزمان والمكان ) .
وعن مظاهر نمو الرواية وتطورها يقول د . أحمد هيكل :
وقد تمثل نمو الرواية الفنية ، خلال هذه الفترة ، في وفرة الأعمال الروائية ، وتعدد ألوانها ، حتى كانت كالشجرة ، ذات الفروع العديدة ، والأزهار المختلفة الألوان ، كما تمثل نضج الرواية الفنية ، خلال هذه الفترة ، في مراعاة الأصول الفنية المقررة ، وتحقيق العناصر الروائية الصحيحة ، ثم تمثلت قوة الرواية الفنية ، في مؤازرة بعض الكتاب الكبار ، وتقديمهم محاولات ناجحة ، في ميدانها " ( )
ولم يقتصر النمو التدريجي للفن الروائي ، على الحبكة الفنية ، بل تعداه إلى ما هو أبعد من ذلك ، فعلى الصعيد الموضوعي ، نلحظ التعدد الواضح ، من حيث الاعتماد على البطل ، أو مجموعة الأبطال ، وتحليل الدوافع الخارجية والداخلية ، وما يعتمل في نفوس هؤلاء ، الأشخاص على صفحات الرواية ، ووجدت الموضوعات ، التى تتمثل فيها التجارب الذاتية لكتابها ، مثل الأيام ، لطه حسين ، كذلك وجد اللون الروائي الذي يعتمد على الفلسفة العقلية ، كما في رواية توفيق الحكيم عودة الروح ، إلى آخر ذلك من الأنماط الاجتماعية ، والتاريخية ، والدينية .
ومما لا شك فيه أن الرواية ببلوغها هذه المرحلة ، قد استطاعت أن تستلهم الواقع الاجتماعي . وتعبر عن أمانيه وتطلعاته ، وتعالج مشكلاته المتعددة ، وتنقد الظواهر والعادات السلبية .
ومن الناحية النقدية فقد صنفت روايات هذه المرحلة ، من بداية العقد الثاني من القرن
الماضي إلى :
1- الرواية التحليلية :
" وهي التي يبرز فيها جانب التحليل النفسي ، حتى يكاد يطغى على بقية عناصر الرواية ، كالأحداث والشخصيات والحوار ، وغير ذلك من المقومات الفنية ، التي تأتي في المكان الثاني أو ما دون الثاني ، حيث يتصور جانب التحليل النفسي للبطل ، وحشد كل ما يمكن من هذا التحليل ويعين عليه من معرفة ماضي هذا البطل وبيئته ، وما تكون لديه من عُقد ، أو ما ضج به عالمه النفسي من صراعات ، ( ) ويمثل هذا اللون باتفاق النقاد والباحثين رواية " ثريا " لعيسي عبيد ورجب أفندي لمحمود تيمور ، وأديب لطه حسين .
2- رواية التجربة الذاتية أو الترجمة الذاتية :
وفي هذا النوع يتخذ الأديب من حياته ؛ وما صادفه مادة أدبية ، يصيغها في قالب روائي معتمدا على العناصر الأساسية للفن الروائي ، ويكون فيها الفرق واضحا ، بين الترجمة الذاتية والتجربة الشخصية من حيث " اختيار الأحداث ، اختيارا فنيا صالحا للتأليف الروائي ، وعدم حشد تلك الأحداث كأنها تاريخ يُدون ، بل عرضها كعناصر روائية تنمو وتتطور ، لكي تصل إلى نهاية معينة ، وذلك بتدخل المؤلف في ترتيبها ترتيبا ، يحقق الفنية القصصية ، وعدم الاكتفاء بإيرادها حسب وقوعها الزمني "( )
ويمثل هذا النوع إبراهيم الكاتب – للمازني ، وسارة للعقاد ، وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم ، ونداء المجهول لمحمود تيمور .
3 - رواية الطبقة الاجتماعية :
ويعني بها الرواية الاجتماعية ، التي تهتم بقضايا المجتمع ، من فقر وعادات سلبية ، يحاول الكاتب علاجها ، وتقديم الحلول الناجعة لها ، ويعتمد في ذلك على جعل الأحداث والشخصيات محل اهتمامه ، والتغلغل داخل الطبقات المختلفة المتعددة ، وتصوير كل التناقضات وتقديمها ، واقتراح الحلول لعلاجها ، أو إظهارها في صورتها الحقيقية مقرونة بالنقيض دون أن يشعر القارئ بأنه يقدم الحلول السهلة في هذا الشأن ، ويمثل هذا النوع حواء بلا آدم . لمحمود طاهر لاشين ، ودعاء الكروان لطه حسين ." ( )
4- الرواية الذهنية : ( )
ويقصد بها الرواية التي يقدم بها المؤلف فكرة ذهنية ، يؤمن بها ، ويريد أن يؤمن بها الآخرون ، فيعبر عنها في قالب روائي ، تكون هذه الفكرة الذهنية هي مغزاه ومضمونه أو الهدف الرئيسي الذي تشير إليه .
وهذه الفكرة الذهنية ، قد تكون فلسفية وجودية ، أو فكرة دينية ، أو واقعية ، اجتماعية ، وقد تكون نفسية اجتماعية ، وأيضا قد تكون مذهبا اعتنقه الأديب ، ويحاول إرساء قواعده ، أو توصيله للآخرين عن طريق الرواية ، ويمثلها رواية ، عودة الروح لتوفيق الحكيم ، رغم اختلاف النقاد في تصنيف هذه الرواية – إلا أنها تمثل الاتجاه الذهني يقول د. أحمد هيكل : يبرز الخيط الذهني الذي يطغى علي بقية الخيوط حتى يكاد يخفيها ، ولذا كان طابعها الواضح هو الطابع الذهني ، الذي يوشك أن يخفي كل ما سواه . ( )
ومن الذين صنفوها ، ضمن رواية الترجمة الذاتية ، د. عبد المحسن طه بدر يقول : في عودة الروح لتوفيق الحكيم تلتقي بأنجح المحاولات ، التي استغلت الترجمة الذاتية ، لتقدم لنا رواية فنية حققت قدرا كبيرا من النجاح " ( )
وقد أكد الناقد على ذلك حينما اعتبر عودة الروح ، وعصفور من الشرق ، ويوميات نائب في الأرياف ، سلسلة متصلة ، يستعرض فيها مراحل حياته المختلفة ( )
5- الرواية التاريخية :
وهي التي تستلهم أحداثها من كتب التاريخ . وإما أن تقصد إلى تعليمه ، ويكون صبه في القالب الروائي ، لإساغته ، وتحسين عرضه ، وهذه هي الرواية التاريخية التعليمية ، وإما أن تقصد إلى إحياء الماضي وتمجيده ، ويكون عرض التاريخ في قالب روائي ، خدمة لهدف قومي ، أو تعبيرا عن إحساس وطني ، وهذه هي الرواية التاريخية القومية ( ) .


































2- الرواية ووظيفتها الإنسانية والاجتماعية :
الرواية فن أدبي مستقل ، له خصوصيته ، وذاتيته ، إذ هو فن يتسع لدراسة العلاقات المتشابكة ، والمتشابهة داخل المجتمع ، فيفرز لنا النماذج البشرية ، في شكل نقبله ، إذا تمثلت فيه ، ملامح الخير ، والبطولة ، والدعوة إلى الإصلاح ، وشكل نحاول أن نتجنبه ، إذا بدا وكأنه رمز للتخلف والفساد ، والدعوة إلى الرذيلة ، على ذلك فالفن الروائي يجنح غالبا إلى التهذيب ، والإصلاح ، ويقدم العلاج الأمثل ، ويساعد في حل المشاكل الإنسانية والاجتماعية ، والأمراض الناتجة عن التردي ، في هوة التخلف والتقهقر الاجتماعي والأخلاقي .
والرواية ، علي الرغم من قربها ، واهتمام المفكرين ، والأدباء بها ، لم تحظ ، بتعريف محدد لها ، بل تعددت التعريفات وتباينت ، نتيجة لاختلاف الدارسين ، والنقاد في الزاوية التي ينظرون إليها عند تعريفها ، فكان منها ، ما ينطبق على اتجاهاتها الموضوعية ، ومنها ما ينطبق ، على الشكل الفني ، ومنها ما هو نتيجة تجارب ، خاضها الأديب أو الناقد ، لمحاولة التغلغل داخل أعماق النص الروائي .
يقول أرنست بيكر :" إن الرواية تفسير للحياة الإنسانية ، من خلال سرد قصصي نثري "( ) ويقول دوبريه : " هي ذلك الشكل الأدبي ، الذي يقوم مقام المرآة للمجتمع ، مادتها إنسان في المجتمع ، أحداثها نتيجة لصراع الفرد ، ضد الآخرين ، للملاءمة بينه وبين مجتمعه ، وينتج عن هذا الصراع ، خروج القارئ ، بفلسفة ما ، ورؤيا عن الإنسانية ." ( )
من خلال التعريفين السابقين ، نرى أن الرواية ، فن أدبي له شكل مغاير للأشكال الأدبية الأخرى ، كذلك نجد الصلة ، وثيقة بينه وبين المجتمع ، هذه الصلة تبدو واضحة في النماذج والأشخاص ، التي تحرك الأحداث ، وتقودها إلى الأمام ، ويكون بذلك مرآة المجتمع ، يهتم بصراع الفرد ، والجماعات ، ويكشف الأنماط الوجدانية المختلفة ، الكامنة داخل الشخصية ، ويقول د. محمد غنيمي هلال : عن تعريف القصة وقد جعلها أكثر اتساعا ، وشمولية ، إذ تتضمن جوانب عديدة ، من الحياة والتجارب الإنسانية : " القصة كالحياة معقدة ، متعددة الجوانب ، ممتدة ، حية المعالم ، وقصد المؤلف فيها إلى حكاية الفشل أو النجاح ، أقل من قصده إلى عرض مناظر ، وتحليل شخصيات ، ترمي إلى هدف واحد ، يتصل بحال الإنسان ، في موقف خاص ، وما يحيط به من بؤس ، وبما منح من إرادة ، ويتكشف هذا كله ، عن فكرة كبيرة ، هي بيان موقف إنساني يكون فيه جهد الإنسان ذا معنى " ( )
وبالنظر إلى هذا التعريف الشامل ، نجد أنه أولاً : لا يفرق بين القصة والرواية ، فيصف القصة بوصف الرواية ، وأنه ثانياً : يحدد ماهية الرواية ، بشكل أوضح وأعم ، فالقصة كالحياة معقدة ، أي أنها مرتبطة بمشاكل الحياة وأمورها ، فلا تستطيع أن تنعزل عن حياة الفرد والجماعة ، وكلمة معقدة يرمي بها إلى الشكل الفني المتعارف عليه في الرواية ، إذ هي لا تبدو رواية ، فنية متكاملة الجوانب ، إذا فقدت أحد عناصرها الفنية المعروفة والمتشابكة ، لذلك يشير الناقد إلى الصعوبات الكبيرة التي ؛ تواجه الأديب الروائي ، " عرض مناظر وتحليل شخصيات " فالكاتب يجنح أحيانا ، إلى التصوير الفني ، الذي يبرز روعة في توظيف الأسلوب ، وجذب القارئ وجعله مهتما بما يقول ، ويحتوي التعريف على ميزة كبيرة ، وهي أهمية الرواية ، وإظهار المواقف الإنسانية ، التي لها قيمة ومعنى ، فالحق أن الرواية يجب ، أن تحتوي على قيمة اجتماعية ، أو فضيلة يحاول الكاتب إرساءها .
ويقول أ. م فورستر " في تعريف الرواية " الرواية هى الرواية ، لا أعرف ما الرواية ، لكنني أفترض أنها نوع من سرد الحكايات ، ويقول في إجابة أخرى ، إنها سرد قصصي طبعا ، ويقول الرواية تروي قصة " ( )
ويقول الدكتور عبد الفتاح عثمان : في تعريف الرواية . الرواية ما هي إلا حكاية تروى عن الناس ، من حيث الأحداث التي تقع لهم ، وموقفهم من هذه الأحداث ، وتفسيرهم لها في صياغة فنية ، تقدم فيها المشاهد بطريقة متماسكة ، بحيث تنمو وتتآزر بمنطق السببية للوصول إلى الخاتمة " ( )
ويقول الدكتور محمد زغلول سلام : في تعريف الرواية :
الرواية يعالج فيها المؤلف موضوعا كاملاً ، أو أكثر زاخرا بحياة تامة واحدة ، أو أكثر ، فلا يفرغ القارئ منها إلا وقد ألم بحياة البطل ، أو الأبطال ، في مراحلهم المختلفة ، وميدان الرواية فسيح أمام القاص ، يستطيع فيه أن يكشف الستار ، عن حياة أبطاله ، ويجلو الحوادث مهما تستغرق من الوقت " ( )
ويقول الدكتور محمد يوسف نجم في تعريفه للقصة بوجه عام :
القصة مجموعة من الأحدث يرويها الكاتب ، وهي تتناول حادثة واحدة ، أو حوادث عدة ، تتعلق بشخصيات إنسانية مختلفة ، تتباين أساليبها وتصرفها في الحياة ، على غرار ما تتباين حياة الناس على وجه الأرض ، ويكون نصيبها في القصة متفاوتا من حيث التأثر والتأثير " ( )
ويقول محمود تيمور : في تعريف القصة :
" القصة مرآة عصرها ، لفظا ومعنى ، شكلا وموضوعا ، أو شكلا ومضمونا ، كذلك كانت ؛ وكذلك تكون ، فإن لم تكن كذلك ، فهي تزوير على الأدب عامة ، وعلى الفن خاصة ، بل هى كذلك تزوير على المجتمع ، الذي تتناوله ، إن سلمت أن تكون تزويرا على الإنسان بإطلاق " ( )
ويقول في موضع آخر : " والقصة لا تتوفر لها إنسانيتها ، بما فيها من روعة الأحداث ، وجمال الصور ، ولطف المحاورات ، ولكن لا تتوافر لها الإنسانية ، بأن يكون ذلك كله صادقاً على الطبع البشري ، دقيقا في تصوير النزعات ، حين تتأثر بما يجري ، وتؤثر فيما يكون " ( )
وبالنظر في التعريفات السابقة ، نجد أن الفن القصصي ، هو محاكاة الواقع وتفسيره ، عن طريق تقديم النماذج الاجتماعية ، في شكل أشخاص ، ومواقف وقضايا ، يبدو فيها التباين أو الاتفاق حسب الطبيعة البشرية ، مع الاعتماد على الأسلوب الملائم ، والصور الرقيقة ، والتشبيهات الجميلة ، التي تبرز الخير وجماله ، وتنفر من الشر وقبحه ، بالإضافة إلى ما نبه إليه الأديب محمود تيمور ، من ضرورة توفر عنصر الصدق ، وموافقة ذلك للطبع البشري ، وينبه إلى أن الفن الحقيقي هو الذي ، يهدف إلى تزكية الخير ، والتأكيد عليه ، يقول : والفن يرمي إلى الخير ، ولا يكون الفن فنا ، إلا إذا كان الخير وجهته ، والفنان لا يكون فنانا ، إلا إذا كان الخير وحي فنه وغايته " ( )
ويلاحظ أن هؤلاء يمثلون أولئك الدارسين ، الذين أداروا ، تعريفاتهم حول المضمون أو المحتوى ، وهناك جماعة آخرون ، أداروا نظرهم حول الحجم ، فجعلوا منها الرواية ، والقصة الطويلة ، والقصة القصيرة ، والأقصوصة ، واصطنعوا لكل تعريفا مميزا ، وهناك من قصروا الرواية على القصة التاريخية ، وأطلقوا القصة بأنواعها على غير التاريخية ، وهناك من أطلقوا الرواية على القصة الخيالية الأسطورية " ( )






3- أهمية الرواية بالنسبة للمجتمع :
للرواية مهمة كبيرة في توجيه المجتمع ، بل إن بعض الأنواع الروائية ، نشأت في عصر اقتضى ضرورة وجوده ، من ذلك القصص التاريخي ، كما أشار إلى ذلك جملة كبيرة من النقاد ، الذين عزوا ظهور الجنس ، إلى حس قومي ووطني ، تطلبته أحوال البلاد يقول د . مراد عبد الرحمن مبروك :
" يعد العامل القومي أو الوطني ، من أهم العوامل ، التي دفعت الكُتّاب للعودة إلى تراثهم " ( ) ويذهب إلى أبعد من ذلك ، حيث يرى أن نشأة الرواية الفنية في مصر استدعته ملابسات وطنية بالدرجة الأولى ، فيقول : إن نشأة الرواية الفنية في مصر ارتبطت بالوعي القومي المصري ." ( )
وعلى ذلك فإن النشأة الروائية لم تكن ، على سبيل التسلية والترفيه ، على قدر ما كانت مقدرات الحياة والعصر في حاجة إلى زرع لبنات الوعي ، والتطلع إلى آفاق الحرية المطلقة ، وقد قامت الرواية على اختلاف اتجاهاتها الموضوعية ، بتحريك الضمير القومي وهي في سبيل ذلك ، قفزت على المستوى الفني ، إلى درجات مقبولة من الإشادة والتطوير .
ويذهب د. سيد حامد النساج ، إلى أن الرواية تقوم بدور تثقيفي وتعليمي فيقول :
إن الرواية تقدم للأذهان الوضعية ، الدراسات الاجتماعية ، التى يغذيها اليوم ، الاهتمام بما تقدمه البلدان النامية ، وتقدم للنفوس الحساسة ، ألعاب التحليل النفسي المرهفة والمخيفة ، كما تقدم للإنسان الباحث عن مصيره تساؤلا ، دائما عن الوضع البشري ، كما تقدم للجميع المتع الطفولية ، التى يثيرها عنصر القص والتشويق ، والحكاية المؤثرة والمغامرة ، وما شابه ذلك " ( )
ويتفق البعض على أن مهمة الرواية ، تتركز في أمور ، من أهمها أنها تدرس الإنسان وحياته ، بجانب عدم تخليها عن الناحية التعليمية والتهذيبية . يقول عيسى عبيد عن الهدف الأسمى للرواية " يجب أن يكون التحري عن الحياة وتصويرها بأمانة وإخلاص كما تبدو لنا ، وجمع كمية كبيرة من الملاحظات والمستندات الإنسانية ، بحيث تكون الرواية عبارة عن " دوسيه " يطلع فيه القارئ على تاريخ حياة إنسان ، أو صفحة من حياته ، ويجمل بالكاتب ، أن يدرس فيها أسرار ، الطبيعة البشرية وخفايا القلب الإنساني الغامض ، وذلك مع بعض التحفظ ، في إبداء حكمه وآرائه الشخصية ( ) ويستمر الكاتب ، في سرد الأهمية الروائية ، مؤكدا على ضرورة التغلغل في أعماق النفس البشرية ، وكشف ما بها من غموض ، في صورة فنية راقية .
وعند سيد قطب : " القصة هي التعبير عن الحياة " ( ) وهنا تأكيد على معان ، ومضامين ووظائف قصصية وروائية ، متسعة الاتجاهات ، فإذا كانت القصة تعبير عن الحياة ، فهي إذن أعم الفنون وأكثرها شمولية ، لملابسات وإشكاليات الحياة ، بكل أنواعها المتعددة والمعقدة ، وكاتبها يستطيع أن يستوعب أكبر الأحداث والشخصيات والأماكن والأزمنة ، ليقدمها لنا في صورة تعبيرية تهذيبية أخلاقية ، بقصد الإصلاح الاجتماعي ، ودفع المجتمع من خلال الفن الصادق .
وعند جماعة الديوان " العقاد ، شكري ، المازني " نجد أن المهمة الوظيفية للرواية عندهم ، قد ارتبطت بمقاييس مذهبهم الجديد في الشعر والفن على حد سواء ، إذ هي مهمة ترتبط بتصوير جوهر النفس البشرية ، كما جاء في مقدمة الديوان " وأقرب ما تميز به مذهبنا أنه مذهب إنساني مصري ، عربي إنساني ، لأنه من ناحية يترجم عن طبع الإنسان ، خالصا من تقاليد الصناعة المشوهة ، ولأنه من ناحية أخرى ثمرة لقاح القرائح الإنسانية عامة ، ومظهر الوجدان المشترك بين النفوس قاطبة "( ) وفي نظر إبراهيم المازني ، أن الرواية تصور جانبا أو جوانب من الحياة ، بخلقها عوالم ، تصور فيها النفوس البشرية ، فهي تعالج أو تصور النفوس البشرية ، وتلتمس ما وراء الأحاسيس والنبضات من معان وقيم ، تتضح للذهن المتيقظ ، وتتكشف للعين البصيرة النفاذة ."( )
ويرمي المازني بالمسؤولية الكبرى على الروائي ، في قدرته على التصوير ، فيقول : وما الحياة إلا رواية كبرى ، ومهمة الروائي أن يجعلنا نطالع منها كلمات أو سطورا ، من فصولها الضخمة فليست مهمة الرواية محض حادثة تروى ، بل تصوير الحياة ، في ناحية أو أكثر من نواحيها . وهذا يتطلب خبرة بها وفهما لها ، أو فطنة تغني عن التجربة ، والمعاناة ، والخبرة وحدها لا تكفي ، بل لابد إلى جانبها من القدرة على الأداء ، وتلك ملكة أخرى مستقلة "( )
ونستطيع أن نتوصل إلى نتيجة هامة من خلال ما سبق ، وهي أن مهمة الرواية ، ووظيفتها بالنسبة للمجتمع ، عند جماعة الديوان ، لا تختلف عن مهمة الشعر عندهم كثيرا ، وهو في نظرهم تعبير عن الوجدان في أسمى معانيه ، والرواية كذلك عندهم تعبير عن الإنسان والحياة ، إذ يجب أن يضع الروائي نصب عينيه ، الإنسان ومعاناته ، ومكابداته في معترك الحياة ، شقاؤه ، وسروره ، حزنه وفرحه .
وعند يحيي حقي ، ترتبط الوظيفة الروائية بالإنسان ووجوده ، وتهتم به وبعلاقاته ، ومشاكله في الحياة بشكل عام . يقول : لم تعد الرواية تقصد التسلية ، بل معالجة ، قضايا وجود الإنسان غير ناظرة إليه مفتتا كما تفعل العلوم ، بل تتناوله كلا متكاملا ، الإنسان في الرواية ليس بطاقة ، أو رقما ، أو ملفا ، أو رسما بيانيا ، أو نبتا منتزعا من جذوره ، بل كائن ينبض بالحياة ، مندس في نسيج معقد ، من علاقات متبادلة تجمع بين النقيضين ، فهو فذ ومتشابه متفرد وملتحم ، من خلال تلفيق الرواية ، تصل إلى الصدق " ( )
ويتضح مما سبق الاهتمام بالإنسان داخل المجتمع ، والتأكيد على ضرورة الاهتمام بالمشاعر والأحاسيس ، والصدق وتقديم المساعدات والحلول المباشرة لمشاكل الإنسان الخارجية والداخلية .

















الهوامش

- القصة القصيرة دراسات ومختارات – د/ الطاهر مكى
2- سورة يوسف الآية 4
3- النقد الأدبي الحديث – د / محمد غنيمي هلال
4- الأدب العربي المعاصر . د/ شوقى ضيف
5- مجلة الرسالة عدد نيسان أبريل 1937
6- تطور الرواية العربية الحديثة د / عبد المحسن طه بدر
7- الأدب القصصي والمسرحي في مصر د. أحمد هيكل
8- بانو راما الرواية العربية الحديثة د . سيد حامد النساج
9- أركان الرواية – ا. م فورستر ترجمة موسي عاصي
10- بناء الرواية – دراسة في الرواية المصرية – د . عبد الفتاح عثمان
11- - دراسات في القصة العربية الحديثة – أصولها – اتجاهاتها – أعلامها – د. محمد زغلول سلام
12- - فن القصة – د . محمد يوسف نجم
13- القصة في الأدب العربي وبحوث أخري – محمود تيمور
14- الأدب الهادف – محمود تيمور
15- دراسات في القصة والمسرح – محمود تيمور
16 - في الأدب العربي المعاصر – د. إبراهيم عوضين . وانظر كذلك دراسات في القصة العربية الحديثة صـ56 وما بعدها ، والقصة القصيرة في مصر منذ نشأتها حتى 1920 صـ73 وما بعدها . تطور فن القصة القصيرة في مصر 1910- 1930 صـ21 وما بعدها ، والقصة في الأدب العربي – د . متولى البساطي صـ 79 وما بعدها .
17- العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر – دراسة نقدية (1914-1986) مراد عبد الرحمن مبروك
18- مقدمة إحسان هانم – عيسي عبيد
19- النقد الأدبي الحديث أصوله ومناهجه – سيد قطب
20- الديوان في الأدب والنقد – العقاد – المازني
21- نقد الرواية في الأدب العربي الحديث في مصر – د . أحمد إبراهيم الهواري














الكلام



- رواية " زمن نجوى وهدان "
دراسة في البناء الفني









































- تمهيد ( تعريف بالكاتب )
1- الحدث
2- الشخصية
3- الحوار
4- اللغة
5- الزمان
6- المكان









تمهيد :
تحدد الكلام في رواية " زمن نجوى وهدان " للكاتب "مجدي محمود جعفر " تحديدا مطلقا لأسباب منها :
أولاً: لما اشتملت عليه الرواية من ظواهر فنية وأسلوبية مستحدثة في الفن الروائي والقصصي ، اقتضت أن تكون المحاولة جديدة أو لم تكن مطروقة من قبل .
ثانياً : الوقوف على تجربة الكاتب من الناحية الموضوعية والفنية ومدى صدقها وقُربها من الواقع الفني والاجتماعي .
ثالثاً : عملية التمييز والتوفيق بين الواقع الفني – والواقع الإنساني – ومدى جهود الكاتب في هذه العملية ، التي تُعد اختبارا حقيقيا للفن القولي من جهة ، وموهبة الكاتب من جهة أخرى . من هنا كان لابد من التحليل والاستقصاء النقدي . لكل عناصر الحبكة الفنية المتمثلة ، في الأحداث – والشخصية على اختلاف مستوياتها الفنية والموضوعية – ثم الحوار واللغة والزمان والمكان .
وقبل الخوض في هذه الإشكاليات الفنية – يجدر بنا – أن نتعرف على الكاتب ونقدمه من خلال مشواره الأدبي والفني :
= مجدي محمود جعفر : روائي من مواليد مدينة ديرب نجم بمحافظة الشرقية سنة 1963م ، تلقى تعليمه المرحلي في المدينة نفسها حتى التحق بالجامعة فتخرج في كلية التربية قسم الرياضيات عام 1985م ، ويعمل الآن في حقل التربية والتعليم ، ويتمتع بعضوية اتحاد الكتاب ونادي القصة وغيرها من المؤسسات الثقافية المصرية ، ونال العديد من الجوائز الأدبية في القصة القصيرة .
ملامح تكوينيه :
يتمتع مجدي محمود جعفر بثقافة أدبية واسعة اكتسبها من اطلاعاته ونشاطه الدؤوب فى الالتحام بالحركة الثقافية فى مصر وخارجها بالإضافة إلى تكوينه الأخلاقي في بيئته الأولى . التي استقى منها مبادئه وحرصه على المشاركة الوجدانية والدينية ومن ثّم الانفعال بقضايا وطنه وأمته . فلا يخلو عمل من أعماله إلا وتجد فيه صورة صادقة لبيئته الأولى وصورة عامة لواقعه ومجتمعه الكبير .
وفي رأيه : " أن الأديب لا يعمل بمعزل عن الواقع الذي يتأثر به ويؤثر فيه ويرى أن هناك متغيرات داخلية وخارجية يجب أن يتبعها تغير في المفاهيم الثقافية والنقدية " .
فيقول : " وثمة تغير وتحول اقتصادي وسياسي يتبعه بالضرورة تغير في المفاهيم ، ومنظومة القيم التى كانت سائدة فى الخمسينيات والستينيات اختلت ، وبداية التحول ، بدأ مع عصر الانفتاح ، وظهور طبقة جديدة امتلكت المال ولا تملك العلم والثقافة ، وكان على هذه الطبقة أن تفرض بالمال والنفوذ ثقافتها.. ، واتسع هامش الحرية فى التلفاز والمسرح لما قد يخدش الثوابت تحت شعار الحرية ، والدش ، والستالايت ، والخوف من الطوفان المقبل مع السماوات المفتوحة والجات والعولمة ، والأدب شعرا وقصة ورواية ونقدا يتأثر بكل هذا ـ فالشعر مثلا انتهى بقصيدة النثر ، و"الرواية " انتهت بالروايات الثلاثة " الأزمة " ومن قبلها وليمة حيدر ، وهذا نتاج طبيعى لما آل إليه الحال مثل الموسيقى والمسرح والسينما والأغنية ، حتى العمارة تشوهت وأصبحت نموذجا سيئا وقذرا ـ وإذا كانت الفنون تتكامل وتتداخل ـ فمن المؤكد ـ أن الأدب يتأثر بكل هذه الفنون " .
ويحتل الملمح الوطني مكانة هامة في حياة مجدي جعفر من حيث الالتفاف حول قضية وطنية عامة بعيدا عن الانسلاخ ومن ثم تبني أفكار وأوهام ليست من صميم الوطنية والقومية ، يقول :
" نحتاج إلى إحياء القضايا الوطنية والالتفاف حول القضية العامة ، بدلا من ذلك التشرذم والانعكاف على الذات ، فالأدباء يعملون فى تجمعات صغيرة كجزر منعزلة ، وللأسف هناك ، من يحاول أن يساعد على تشرذم الأمة وفصم عرى وحدتها بقصد أو بدون قصد ، فمن ينادى بالعودة إلى مصر الفرعونية لاغيا ببساطة كل الإنجازات والإضافات التى تلت مصر الفرعونية ومن يعلن تبجحا أن العرب جاءوا إلى مصر غزاة ويحاول أن يجتث التراث العربى والإسلامي ، وعشرات الدعوات الخبيثة ما بين فرعونية ، شرق أوسطية .. الخ . ، وزاد التفسخ واتسع الخرق بالأدب النسائي والأدب الرجالى وأدباء العاصمة وأدباء الأقاليم ، والأدب السكندرى ، والأدب النوبى ، وأدب الفصحى وأدب العامية ، المهم أن ثمة محاولات تتم بمكر ودهاء منذ عشرات السنين وزادت فى الآونة الأخيرة لتفتيت الأمة وطمس هويتها " .
وعن النقد والنقاد يقول مجدى جعفر :
" … مشكلة النقاد أنهم يأتون بنظريات جاهزة من الدول الغربية بالتحديد والدول الغربية تختلف عنا جغرافيا وتاريخيا وعلميا واقتصاديا ونفسيا ووجدانيا ، والنظريات المأخوذة من الأدب الغربى من المؤكد أنها لا تصلح للأدب العربى واستيراد هذه النظريات وتطبيقها على الأدب العربى كمن يأتى بشتلات من المناخ البارد ويزرعها فى المناخ الحار .. وأتمنى أن توجد نظرية نقدية عربية مأخوذة من الأدب العربى " .
** طعم خاص :
ويقول : " وبشكل خاص أحترم جدا ـ أدب أمريكا اللاتينية ـ فقد استطاع هؤلاء المصنفون ضمن دول العالم الثالث ـ أن يفرضوا أدبهم ويجبروا العالم كله على احترامه ، والتعامل معه كأدب له خصوصيته وسحره ، وهذا الأدب أثر فى العالم الأول ـ أما نحن فللأسف ـ ولنكن ـ صرحاء ـ نحاول أن نكون مسخا مشوها للغرب ـ أما النقاد عندنا فيؤثرون الراحة ولا يجهدون أنفسهم ـ فيكتفون بالنقل ـ كما أنهم لا يسعون إلى شباب الأدباء ، يأخذوا بأيديهم ولكنهم يريدون الأديب الجاهز والمتحقق ـ رغم أن الأديب الناشئ حاجته إلى النقد تفوق حاجة الأديب المتحقق إليه " .
" انظر صـ180 وما بعدها في : مجدي محمود جعفر أديب على مشارف الوصول " أصوات جديدة – عدد 5 السنة الثانية 2002"
ومن أعماله :
أصداء رحلة شاب على مشارف الوصول " قصص " ، أميرة البدو " رواية " أم دغش " قصص " الزيارة وتحولات الرؤى " نصوص قصصية " ، زمن نجوى وهدان " مسرواية " وغيرها من الأعمال .





1- الحدث :
الحدث جملة من المواقف والانكسارات والانتصارات المتعاقبة التي تتكون منها القصة أو هو تلك السلسلة من الوقائع المسرودة سردا فنيا ، والتي يضمها إطار خارجي "( )
وترتبط الشخصية بالحدث ، إذ هي المؤدية والفاعلة له ، وهي التي تحدد مساره واتجاهاته فلا توجد شخصية بدون حدث ، أو حدث بدون شخصية ، ومما يؤكد أن العلاقة بينهما وطيدة ، تمتد بامتداد كل منهما ، ولا يستطيع كاتب القصة أن يفصل بين الشخصية وأحداث قصته ، أو يجعل مسار الشخصية الرئيسية منحرفا عن الحدث العام .( )
كذلك يرتبط دور الحدث بالشخصية ، حيث تكون الشخصية متصلة به مشدودة إليه ، فاعلة إياه ، أو فيه ، ليس هناك تابع أو متبوع ، سابق ولاحق ، أيهما أسبق في التواجد ، الحدث أم الشخصية ، أيهما يتبع الآخر الشخصية أم الحدث ؟ هناك فقط فعل وفاعل ، الفاعل – الشخصية – يؤدي الفعل – الحدث الآن أمامنا ، كما لو كنا نراه يحدث في الشارع ، أو في المنزل ، أو في حديقة عامة ، أو في مدرسة ، أو في حقل ، أو في مصنع ، بل إن شئت قلت ، كما لو كان يمثل أمام ناظرينا على خشبة المسرح " ( )
والمتأمل في رواية " زمن نجوي وهدان " للأديب مجدي محمود جعفر – يتأكد له أن الحدث ذو أثر واضح على بقية عناصر العمل – بل إن شئت قلت إن الحدث هو البطل وأن قوته وعنفوانيته جاثمة على الشخصية ، فهي محصورة بين حدث مضى ، وحدث حاضر أو هي أسيرة لمجموعة من المواقف و الانكسارات التي صاحبت نشأتها ، وحددت مصيرها النفسي المتأزم ، وليس ذلك للتقليل من أهمية الشخصية ، أو بقية العناصر الأخرى .
وإنما للتنبيه على أن الحدث هو بداية الأزمة في الرواية ، هو بداية التحول ، هو مواجهة بين زمنين أو بين تركيبات وتراكمات اجتماعية متخلفة ، وبين براءة منشودة وأمل جديد .
وهنا عكف الكاتب على خلق هذا الصدام غير المتوازن نسبيا ، أو قل منطقيا ، بل وجعله محورا وفلكا تدور حوله ، وتنبعث منه كل الإشكاليات الحدثية الأخرى ، وتعود إليه في النهاية لتستمد منه الزاد الانكساري وكأن السقوط موهبة وأمل يجب الحفاظ عليهما . وهو في سبيل ذلك كله وببساطة شديدة ، حاول استئصال تلك النكسات الاجتماعية ونبه عليها – وكأن لسان حاله يقول : احذروا من عودة التقاليد البالية ، احذروا أن يفقد الإنسان معناه مرة أخرى ، احذروا أن تفقد هند كرامتها العربية الموروثة .
أو أن تُمتهن بنت الترابي ، أو يُحوّل الطفل البرئ إلى مسخ مشوه ، فتتحول الوداعة والأنوثة والشرعية ، إلى أمراض اجتماعية ، يصعب التعايش معها ، فتتبدل القيم والعادات ، ويتغلغل الجهل والاستبداد في عقولنا وضمائرنا ويصبح التخلف سمة والرذيلة كرامة .
وتأتي أهمية الحدث وتداعيه إلى إشكاليات اجتماعية لا تنتهي إلى الكاتب ذاته ، حيث حدد قلمه الروائي وفكرته العامة في منطقة لها من الدلالات الكثير والكثير ، فهي حسب ما أتصور الفترة التي سبقت الثورة البيضاء بنحو عقدين أو ثلاثة ، ليس تحديدا وإنما ظنا ، كما أوحت بذلك الدلالات الزمنية للأحداث والشخصيات ، ومع أن الكاتب حاول جاهدا أن يخفي ذلك ولا يبينه عن طريق نوعية الحدث والأسماء والأمكنة ووسائل أخرى ، لكن كل ذلك اتضح منذ البداية وهذه الفترة هي فترة المد القومي ، والغليان الاجتماعي ، والبطولات الفردية والجماعية ، فها هي ثورة 1919 ، وما أحدثته في النسيج المصري ، من التحام والتفاف حول زعيم طال انتظاره ، ومن قبل كانت ثورة عرابي وأثارها النفسية ، على التيار الوطني والقومي ، كل هذا المد والتحول السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي كان وراءه دوافع كثيرة ومتعددة ، أصبحت علامة فارقة في تاريخ الأمة ، حيث بداية التلاشي والانهيار للأنظمة المستبدة مع بزوغ نجم الاستقلال والحرية .
ولعل الربط المباشر الذي أحدثته تداعيات الحدث بين الماضي والحاضر ، عن طريق المواءمة الموضوعية ، التي رسمها الكاتب بعناية فائقة تنقل هذه التراكمات إلى واقعنا المعاصر ، فالخصاء والامتهان والاغتصاب ، والتميز الطبقي والنوعي ، وكبت الحريات وغير ذلك ، لهم صور كثيرة ومتعددة ، دلت عليها ظاهرة التداعي وميزة التفتيت التى لجأ إليها الكاتب ، تأمل معي الحوار الذي دار بين الناقد والسكرتير في بداية الرواية .
" الناقد متنهدا :
= لعنة الله على نوادي الأدب ، إنها هدر للمال العام !
السكرتير " ساحبا مظروفا أبيض كبيرا" :
- هذا الخطاب جاءت به صاحبته ، وانتظرتك ما يزيد على الساعتين ، وانصرفت لقضاء بعض حوائجها، وستعود فى الخامسة مساء .
الناقد :
= وماذا تريد ؟
السكرتير :
- تريد أن تكتشف موهبتها .
الناقد :
= كم عمرها ؟
السكرتير :
- تتجاوز الأربعين .
الناقد :
= أربعون عاما .. ولم تُكتشف بعد !
السكرتير " ماطا شفتيه ، ولم ينبس "
الناقد :
= وماذا تراها ؟
السكرتير :
- امرأة ، نصف جميلة ، نصف موهوبة ، نصف مثقفة ، نصف متعلمة ، وثرية !
الناقد :
= أثرية حقا؟!
السكرتير :
- نعم .. ويبدو عليها الثراء الفاحش .
الناقد :
= إذن . لا تقل نصف جميلة ، نصف موهوبة ، نصف مثقفة ، نصف متعلمة .
ولكن قل :
جميلة ، وموهوبة ، ومثقفة ، ومتعلمة .
السكرتير " ضاحكا ":
- وهي كذلك يا سيدي .
الناقد " يفض المظروف " :
= إذن . امض مسرعا ، واصنع لى فنجان قهوة .
" يخرج السكرتير ، ويترك الناقد ، يقلب فى أوراقها ، التى أودعتها المظروف بعناية فائقة "
الناقد لنفسه :
= ثرية .. ! وخطها جميل . أوه .. قاصة .. !
" يقرأ سطوراً .. ويبتسم .. "
= كم من الآثام تُرتكب باسمك أيها الفن المخاتل ، أيها الفن المراوغ الجميل ، ولكن لا بأس ، إنها ثرية !
يدخل السكرتير مبتسما .. يضع القهوة.. " :
- ماذا تراها يا سيدي ؟!
الناقد :
= بالتأكيد تعانى من عثرات البدايات ، ولكن لا بأس مادامت ثرية
" يرشف من فنجان القهوة ، ويشير للسكرتير بالجلوس "
الناقد :
= قل لى : ماذا عرفت عنها وهى تثرثر معك أثناء انتظاري ؟
السكرتير :
-عرفت أنها كانت زوجة لرجل أعمال .
الناقد :
= كانت .. !
" وعابثاً بشاربه " :
= إذن هى مطلقة .
السكرتير :
- بل أرملة
الناقد " مبتسما " :
= الله يرحمه .
" وناظرا إلى ساعته ، وإلى السكرتير "
" وقبل أن يغلق السكرتير الباب خلفه ، يلتفت إلى الناقد . غامزا له بإحدى عينيه ، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة ".( )
وانظر الحوار صـ75-76-77 الذي دار بين الناقد ونجوى وسامي – هذه المقاطع الحوارية التي كشفت ومهدت للحدث وتداعياته ، وساعدت أيضا في كشف وتقديم الشخصيات
قدمت التداعيات الأولى للحدث بشكل منطقي يتناسب مع الملامح العامة للأفراد والسمات المجتمعية على المستوى الثقافي والفني – كذلك تؤكد هذه المقاطع الحوارية حقيقة هامة ثابتة في مجال الفن ، بشكل عام ، والفن الروائي والمسرحى على وجه الخصوص ، وهي أن
" الحقيقة التى يصورها العمل الفنى أوسع وأرحب ، من الحقيقة التى يمثلها الواقع " ( )
على اعتبار أن تلك المساوامات والترهلات الإدارية ما هي إلا تداعيات ، ومظاهر تفتيتية للحدث الأول ، الذي انبعثت منه كل أحداث الرواية ، وعلى ذلك فإن الحدث الرئيسي هو بمثابة النقطة التى انطلقت منها الشخصية ، نحو غايتها ومصيرها .
والمدهش أن التوحد هو السمة أو هو العلامة التى ارتبطت بالأحداث الهامة منذ البداية ؛ فمثلا عملية الخصاء الرمزية ، التى اعتمد عليها الكاتب ، في تبرير أفعال ومصير الناقد ، كانت نتيجة حتمية لسبب قهري خارج عن إرادة البطل الرمز ، إذ كان انتقاما منه وخوفا من تكرار هذا الحق الذى كان من المفروض أن يطالب به . أو أن يتخذه الكلاّف ذريعة ، لاسترداد بعضا من حقوقه الاجتماعية الواجبة له ، هذا السبب القهري أو الحق المغتصب أو الحدث المباشر الأول – يكمن في هروب أحد فتيان القبيلة ، وأحد أبناء الشيخ الفاضل ، مع ابنة الكلاّف هند ، بعد أن تمكن الحب والغرام من قلبيهما . تأمل معي هذه المقاطع الحدثية المباشرة .
يقول الكاتب :
" ـ الولد ابن الشيخ ـ شيخ القبيلة ، وقع في هوى هند ، وهند بنت فلاحة . بنت الكلاف أسرت عقله ، واستعمرت قلبه ، انشغل بها عن بنت العم ، بنت الحسب والنسب .
" لحظة صمت "
ـ جيء بأبي ، علقوه من قدميه في سقف الغرفة ، وظلوا يضربونه بالخيزران بقسوة ، حتى شخب جسده بالدم ، وكووه بالنار . فالولد ـ ابن الحسب والنسب ، حزم أمتعته وبرح مع البنت هند القرية ، فأرض الله واسعة .
الويل لكم كل الويل يا أهل هند الفقراء ، قالها الشيخ ـ لساكني العشش وألأكواخ الحقيرة التي أشعلوا فيها النيران .
" لا تدرى إن كان يضحك أو يبكي ، اختلط الضحك بالبكاء ، صبت له كأسا ، دفعه في جوفه مرة واحدة .."
ـ شق صراخ النساء ، وبكاء الصبية الليل ، ولم يرحم الرجل ، شيخ القبيلة يتيما ولا أرملة ، عجوزا أو طفلا !
" ينكمش على السرير ، وينكمش ، ويضع يديه بين فخديه .. "
وقال الرجل الشيخ ـ قد تصير سُنة عند الفلاحات الحقيرات ، يغوين الواحدة تلو أخرى شباب القبيلة .
" وأضاف مطوحا بعصاه الأبنوس في الهواء " :
ـ ومن يدرى .. قد يتجرأ فلاح في قادم الأيام على إغواء فتاة من فتياتنا !
ونظر إلىّ .. وقال : هاتوا هذا الولد ، وأخذوني ، وضعوا على عيني عصابة ..و..
"يضع يده بين فخديه ، ويصرخ :
ـ لا..، لا.. "( )
ويقول أيضا :
احتضننى الخوف ،
تحلقوا حولى ، وتكاثروا علىّ ،
جرونى إليه
أحكم قبضته القوية حول معصمى ، لم أُبدِ مقاومة .
سحبنى إلى إسطبل الغنم والجداء ..
دفعنى إلى الإسطبل وأغلق خلفه الباب .
مكثت يوما أو بعض يوم
حتى كان مساء اليوم التالى
جاء الرجل الأسود ، عبداً حبشياً ، أعرفه ، يأتي مرة كل عام ، يجز صوف الغنمات وشعر الحمير ، كان صديقا لأبي ، وكان أبى يساعده ، ويسامره وهو يعد له الشاي والغذاء ، والنارجيلة ، وينقده أجره قبل أن يجف عرقه ، نيابة عن الشيخ ..
يعرفنى ، بالتأكيد يعرفنى ، آنست به ، حاولت أن أساعده كما كان يفعل أبى ، ولكنه نهرنى ، كنت أريد أن أبوح له وأحكى له ما جرى لأبي ، وكنت أتمنى أن يسألني عن أبى ؟! ، لكنه لم يفعل ، كان هذه المرة ، متجهما ، عابس الوجه .
فيما مضى ، كان يداعبني ، وكان حينما يدس أبى فى جيبه الأجرة يبتسم ، ويمنحنى قرشا ، لماذا يتحاشى النظر الىّ ؟!
لا أريد قرشا يا عم ، ولكن أريد أن تبتسم فى وجهى ، وتأخذني فى حضنك ، وتهدهدنى ..
وفور أن فرغ من جز الصوف وقص الشعر والوبر ، جاء من يساعده فى فصل الجداء والخراف عن المعزات والغنمات ، وسحبها إلى " الجرن " ، ولا أدرى لماذا سحبوني معها ؟!
وبدأت المراسم السنوية ، فى هذا الوقت من كل عام ، يتحلق حوله جمهرة من الناس ، يتابعون عملية الخِصاء ، جدى وراء جدى ، وخروف بعد خروف ، تمزق أصواتها السكون وتشرخ القلب .
قال الشيخ وهو يدفع بعصاته فى صدرى :
ـ خذ هذا التيس !
قبل أن يجردونى من ملابسي ، كان البلل قد غطاها ، قيدوا قدمي ويدى ، خرس لسانى ، وجحظت عيناى ، و .. ، ..
[ يضع يداه بين فخذيه ، وتحس به ، ينكمش ، ويتكور على نفسه ، ويصرخ ، تصب له كأسا ، يتجرعه دفعة واحدة ]
ـ تارة أراني جديا ، وتارة أراني خروفا ، أحيانا أمأمأ ، وأحيانا أسير على أربع ، أجرش الفول بين أسناني ، وأخطف العلف ، والبرسيم من أمام البهائم ، انكسرت عيناى ، وتدلت أذناي ، إذا ما رأيت امرأة جميلة ، سال لعابي ، وإذا ما أُغلق علينا الباب ، أرغو ، وأزبد ، وأصير مثل الجدى أو الخروف المخصى ..
إذا وطئ الجدى المخصي معزة أو الخروف المخصى غنمة ، جزعت ، ووجلت ، وطرحته أرضا ، وتروح تتفحص مكان أل ( ... ) بعينها ، وتتشممه بأنفها ، ترفسه برجليها الأماميتين ، وتفر ، وإذا ما نهض وعدا خلفها محاولا ، ترفسه بخلفيتيها .. وكان هذا حالى ، ولكن الجداء والخراف كانت أحسن حالا منى ، فأنقذتها السكاكين ..
[ ويبكي .. تهدهده ، تصب له كأسا .. يتجرعه ، وينظر إليها ]
= ما كنت أريد أن أتورط معك ، حتى لا تفرى منى ، مثل اللائى فررن ، لماذا أصررت ؟ ولماذا انسقت وراءك ؟
فى كل مرة ، مع كل امرأة ، كان يحدونى الأمل !
أمل كاذب .
هل كانت المعجزة ستتحقق معك ؟!
[ ويضحك .. ]
= ولى زمن المعجزات ، وزمن الأنبياء ، وصرنا فى زمن ..
هى " مقاطعة " :
ـ رغم كل شئ ما زال الزمن زماننا
هو " ضاحكا " :
= زمن بنت الترابي !
هى " ضاحكة " :
ـ وابن الكلاف !
[ تصب له كأسا ، ولها كأسا ..]
ـ فى صحتك
[ يطرق كأسه بكأسها ]
= فى صحتك
[ عيناه فى عينيها .. وكفه فى كفيها ... ]
هى :
ـ ما رأيك ؟!
هو :
= فى ماذا ؟
هى :
ـ أنت تملك القلم
هو :
= وأنت تملكين الفلوس " ( )
وإذا أردنا التحقق من الحبكة الروائية ، فبوسعنا التأمل في هذه السلسلة من الأحداث فيلاحظ أن هناك سبب ( حدث ) ، ورد فعل ، ونتيجة ، فالسبب هو هروب هند مع من تحب من أبناء شيخ القبيلة ، والنتيجة المستمدة من رد الفعل ، هى الانتقام من أهل هند الحقراء ، وتتحدد صيغة الانتقام وصفته في استئصال هذا السبب ، كي لا يتكرر في المستقبل – والخصاء – هو العلاج أو الدواء المضمون في نظر شيخ القبيلة ، ليس خوفا من التكرار فقط ، وإنما حفاظا على نوعية التميز الطبقي والاجتماعي .
وفي رأيي أن هذه حبكة جيدة نفذها مجدي جعفر ببراعة وبدقة ، وإن تباعدت خيوطها الروائية ، لكن الترتيبات الفنية الدرامية للحدث ، جعلت الأشخاص يتحدثون عن أنفسهم ، ومن ثم الوصول إلى منطقة اللاشعور البعيدة الفردية والجماعية ، جعلتنا لا نشعر بقيمة هذا التباعد ، وهذا كله خرج بالحدث وأسبابه وتداعياته من كونه روائيا فقط يعتمد على التشويق والإثارة . إلى كونه عملية مسرحية حقيقية تُمارس أمام النظارة دون لبس أو إبهام . وتأمل هذا الجدول بعناية يتضح لك الأمر :
(الحدث ) - السبب رد الفعل النتيجة المدلول الإيحائي
1- هروب هند
2- استئصال النوع الانتقام
تشرذم نفسي استئصال النوع ( الخصاء )
إنسان حيواني الصفات رمزي
رمزي
إذن فالحدث – الفعل – السبب ورد الفعل والنتيجة ، أعطى مدلولا إيحائيا رمزيا ، لهذه العملية ونقدا واقعيا مباشرا لتصرفات الزمن الماضي برمته ، وحلولا مباشرا أيضا ممتد إلى الزمن الحاضر ، وعدم الخروج من هذه الدائرة يجعل هذه التصرفات ممتدة بامتداد المستقبل .
كذلك الحدث الرئيسي الآخر ، الذي كان له الأثر المباشر ، في تحول وتبدل الشخصية الرئيسية الثابتة ، هنومة ، وتغيير اسمها إلى نجوى ، ومن ثم البحث عن زمن مناسب غير هذا الزمن – هو امتهان بنت الترابي ، وتجرؤ الصبية عليها ، انتهاء بالاغتصاب ، ومرورا بالنظرة المتدنية من مدرس اللغة العربية ، وارتباط توافر المأكل والملبس في ذهنها بالأموات ، والحكايات والأساطير التى اتخذت منها ، وسيلة وتكأة تستدر بها عطف الزميلات حتى ينفقن عليها بسخاء .
يقول الكاتب مستنطقا الشخصية :
" كنا نعيش في المقابر ، بعيدا عن القرية ، أظنك تعرف .. أليس كذلك ؟!.
المهم لما نمت أثدائي ، ونعم صوتي ، وكبرت أردافي ، التفت لي بعض شباب القرية ، كانوا يطاردونني بالكلام المعسول ، كنت أفرح به ويطير النوم من عيني ، وطوال الليل أسترجع كلماتهم ، الهامسة أحيانا والصريحة أحيانا أخرى ، في جسدي ، وعيني ، وشفتي ، وصدري .. كانوا يحومون حول المقابر بالنهار ، ويمطرونني بعبارات الغزل وجُمل الهيام .
كان لكل بنت في المدرسة حبيب ، يداعب أنوثتها ، وأحلامها .
كنت أحلم بفارس ، يأتي على جواد أبيض ، يأخذني خلفه ، ويطير بي فوق السحاب ، يسكنني على سطح القمر ، أو في أي كوكب آخر ، ينتشلني من الفقر ، والمقابر ، والأموات ، وشباب القرية التي تحولت كلماتهم إلى رصاصات ، فتجرأت أياديهم على صدري ، وعلى خصري . في الطريق ، يتحلقون حولي ، وأشعر بعشرات الأيدي تمتد لتستبيح جسدي ، أصرخ ، والطريق إلى المقابر ، غالبا ما يكون خال من المارة .
أحفن بيدي التراب ، وألقيه في أعينهم ، وأقبض على الطوب والأحجار ، وأحدفهم وأنا أجري ، وأصرخ ، ويتناهى إلى مسامعي سبابهم ومعايرتهم لي بأبي وأمي .
كنت أدعو عليهم بالموت ، ليأتوا لنا في المقابر، فأنتقم منهم ، كنت أشكو لآبائهم أو أمهاتهم أو أعمامهم أو أخوالهم – الذين ماتوا !! .. كنت أتمنى أن يأتوا ويدفنوا ، فأنبش عنهم المقابر ، فأفقأ عيونهم النهمة ، وأقطع ألسنتهم التي ترجمني ، وأبتر أرجلهم التي تركلني ، وأياديهم التي تمتد إلى صدري وخصري و ..
ولا أنسى أبدا ذلك الولد العفي ، الذي باغتني وأنا عائدة ، وخرج من غيطان الأذرة ، وكتم فمي بيده ، ولوى ذراعي ، وحملني ، ودخل بي متدثرا بعيدان الأذرة الفارعة ، وطرحني أرضا ، وبرك فوقي ، أحسست به كجبل ، مزق قميصي ، وجذب سروالي ، و " سلت " بنطاله ، وبكل ما أوتيت من قوة رحت أقاومه ، لم أستطع أن " أتعتعه " . كان مثل الثور الهائج ، لا يحس بنبش أظفاري ولا بأسناني المغروسة في لحمه "( )
هذا في رأيي هو الحدث المحرك أو السبب والنتيجة الحتمية ، أو قل الواقعية ، التى تحركت الشخوص في إطارها بعناية ودقة ، مع ملاحظة أن الكاتب ، اهتم بتصوير التفاصيل الجزئية للحدث خاصة التى تزامنت مع النشأة الأولى للشخصية ، مما أضفى عليها حرية واسعة ورغبة ممكنة في التعامل مع كافة الأحداث ، والقدرة على التغلب على كافة المفاجآت ، مما جعل البُعد النفسي للحدث أكثر سيطرة من كافة الأبعاد الأخرى .
والجدير أننا هنا أمام حبكة فنية أخرى تقابل الحبكة السابقة وتحاكيها على مستوى الفعل والنوع فإذا كان السبب ( الحدث ) هو الامتهان والاحتقار ، فإن الاغتصاب هو النتيجة ، ورد الفعل يتركز في البحث عن عالم وزمن آخر غير الزمن الماضي ، والمدلول رمزي بصبغة نفسية .
هذا المدلول الرمزي الذي يُعد ملاحظة حدثية ، قائم على المشابهة بين الفعلين والحدثين ، وأن فك طلاسمه مرتبطة بالتميز الطبقي ، وانقسام المجتمع إلى وجهاء وحقراء . ومن ثم فإن هذه الرمزية التى أمدت الوقائع والأحداث بالتشويق المهم ، الذي لازم عملية الخلق والإبداع منذ الوهلة الأولى ، كانت دافعا للكاتب ، أن يجعل من بقية الأشخاص والأحداث مجرد وسطاء ثانويين ، يؤدون جوانب خفية ، ويقومون بتحريك الحدث ، ودفعه وإنمائه ، دون حضور حقيقي ، والسبب في ذلك ، أننا أمام مفاجأة ضخمة تتوارى خلفها كل المفاجآت الحدثية الاجتماعية منها والفكرية والنفسية .
فمثلا عملية نقل الموظف الذي أدعى الشرف ، والتعامل مع مدير المصلحة ، مدير البنك الجديد ، ثم العملية المخابراتية ، التى يقوم بها فريق العمل في شركة مدام نجوى ، ومن قبل بهاء ، كذلك الإيماءات والإشارات الرمزية ، التى حفل بها الحوار ، الذى دار بين السكرتير والناقد في البداية كل هذه الجزئيات الحدثية ، ورغم ما فيها من مفاجأة . إلا أنها ليست في أهمية الحدث الأول ، أو قل هى نتائج حتمية ممكنة ومتوقعة ، في هذا الزمن ، زمن نجوى وهدان .
كذلك تماهى الحدث ، وتداعيه إلى إشكاليات سيكولوجية ، مسيطرة في نفس الشخصية ومتغلغلة في أعماقها المتدنية ، جعلت عملية النمو والتطور الفنى ، تسير بالحدث الفردي النفسي ، إلى مرحلة البداية ، وليس إلى ارتياد أفاق أخرى ، أو محاولة التخلص من هذه المركبات النفسية العميقة الأثر ، في نفس كل منهما ، من ذلك العلاقة الحميمة بين نجوى والمقابر ، وبين الدكتور الناقد وغرفة عم سعيد البستاني ، وتقمص هذا الدور – والحرص على الاستمرار وعدم الخروج من هذه الدائرة النفسية المنسحقة .
من هنا فإن الحدث وأبعاده الفنية والأيدلوجية ، في زمن نجوى وهدان ، حدث ميلودرامي مرتبط بالعلاقة الزمنية ، بين الشخصية وتطورها النفسي الذاتي الفردي ، الذي يتكأ منذ البداية على نقد الواقع ، وكشف سوءاته الاجتماعية الطبقية ، وغياب التوازن الحضاري للأنماط البشرية ، في مرحلة ما قبل الثورة ، وقد ظل متماديا في سلبياته وخلله وفوضويته ، إلى مراحل أخرى ، مستفيدا من النمط الاشتراكي ، والنمط الشيوعي والعلماني ، حتى ما بعد عصر الانفتاح وانتهاء بالديمقراطية .
وحتى بعد أن اتضحت معالم الحدث بكل أبعاده الاجتماعية والنفسية ، وانكشفت صوره ، كان تصرف الكاتب الفني والموضوعي ، مهتما بقضية الإصلاح ، ومنصبا على تقديم الوصفة العلاجية لمثل هذه الأوضاع ، فلم يلجأ في النهاية إلى فض هذا الاشتباك الحدثي ، لأن الأحداث ممتدة بامتداد القضية والزمن ، فزمن الترابي وهنومة وشيتا وشرخبيل ، والكلاف والناقد وهند ، هو نفس زمن نجوى وسامي وبهاء ، والدكتور والسكرتير ، مع تبدل المواقع والأنماط ، واختلاف الوسائل ، وكان يمكن للكاتب أن يتخطى هذه المرحلة إلى مراحل أخرى ، ولكن حسنا ما فعل ، أن اقتصد وجعل القارئ مشاركا له في تخيله وتصوراته .
ولم يكن الوجه السياسي للحدث مختلفا ، فالنظرة واحدة والاشخاص جميعا في حالة اتفاق دائم ، الاتفاق على الاستفادة والتحول مع الزمن والسباحة مع التيار أيا كانت وجهته
يقول الكاتب في حوار دار بين بهاء ونجوى :
" قال لى : لا اشتراكية ، ولا شيوعية ، ولا ناصرية بعد اليوم .
قلت : كيف ؟
قال : الرئيس سيفتح المنافذ .
قلت : إمبريالية أم رأسمالية ؟
قال : إمبريالية ، رأسمالية ، لا يهم !.. المهم أن الرياح ستأتى من الغرب ، وهذه فرصتنا !
قلت : كيف ؟
قال : دائما – تكون هناك قرارات مصيرية فى حياة كل مجتمع ، قرارات – تحول المجتمع مائة وثمانون درجة ، المهم من يكون مؤهلا لاستقبال هذه القرارات ، واحتضانها ، والاستفادة منها .
" وأضاف " :
منذ عام 1952م والمجتمع المصرى مُعبأ بشعارات ، وأحلام ، وحدة عربية ، قومية عربية ، ثوار يا عرب ثوار ، أمجاد يا عرب أمجاد ..
من الصعب أن يتقبل الشعب المصرى هذه القرارات ، أو يتحول بين عشية وضحاها ، قد تحتاج معظم شرائح المجتمع إلى وقت أطول ، كل حسب قناعته وإيمانه بمبادئه ، والتخلص من ناصر صعب ويحتاج إلى وقت ، فتحول المبادئ وإحلال القناعات ، مبدأ بمبدأ وقناعة بقناعة يحتاج إلى زمن ، ونحن مقبلون على قرار ، سيتحول فيه المجتمع من الضد إلى الضد ، وحتى يستقر النظام الجديد ، سيحتاج إلى وقت ، وقد تكون هناك حالات ارتباك ، وهنا فرصتنا !
قلت وأنا مبهورة بتطلعاته وتحليلاته :
ولكن ما هى بشائر هذا الانفتاح ، وكيف نتعامل معه ، وما الأدوات التى سنستخدمها ، كنت أقصد الآليات التى نتعامل بها مع النظام الجديد .
قال : أنا لا أكف عن المتابعة ، والقراءة ، والبحث . فى الدول التى تحولت من النظام الاشتراكي إلى النظام الرأسمالى إلى النظام الديمقراطى ، إلى الاقتصاد الحر ..
قلت : إذن سنجعل النموذج الغربى نبراسا لنا .
قال : أمامنا وقت طويل حتى نصل إلى النموذج الغربى ، فالنموذج الغربى نضج واكتمل واستقر . أما هنا فالأمر يختلف .
قلت : ولماذا لا تكون المسألة كلها لا تعدو أن تكون مناورة سياسية .
قال : لا أظن ، فالمسألة تبدو لي عند الرئيس ، مسألة قناعة ، ومنذ أن طرد الخبراء الروس وقام على الناصريين فى مايو ، وأنا أرى فى أفق خياله وفى مرامى كلماته البعيدة بذرة التحول ، وعندما وافق على وقف إطلاق النار فى 1973 م ، وزار إسرائيل ، وعقد الصلح ، خرج الأمر من حيز الظن إلى حيز اليقين ، وها هو الأمر يتحقق بقرار الانفتاح السعيد ، السعيد علينا ،
" ونظر إلىّ مبتسما "( )
وهذا الحوار يؤكد أن الحدث بكل أبعاده واتجاهاته يسير في خط مستقيم متوازي مع اتجاهات الأشخاص في مراحلها المختلفة .
وفي النهاية فإن الازدواج ظاهرة فنية ، سيطرت على الحدث وتركيبته وتوزعها ، بين أجيال متقلبة في المشارب والاتجاهات ، متوحدة في النتائج وأسبابها ، وهذه الظاهرة هى التى مهدت لعملية الاقتصاد ، وهي التي تفسر وتوضح اجتماع الأضداد ، وتعايش وتناسق المتفرقات [ الحياة – الموت ] [ المرموق – المتدني ] ، القوي والضعيف ، المباشر وغير المباشر ، الحق والضلال .
هذه الظاهرة الفنية التى تعد من أبرز أيدلوجيات الحدث الفني ، في زمن نجوى وهدان ، جعلت المشاهد القصصية والحدثية تتوالى ، بصورة منطقية متناسقة ، لا تخلو من الجو المسرحي الخطابي الانتهازي ، أكثر من هذا فقد جعلت الأضداد تتفق ، مما يوحي بأن هناك تحذير فني من الكاتب من تفاقم هذا الزمن وتداعياته ، فيصبح واقعا لامناص عنه.
هذا التحذير الفني ، كان أحد الحوافز والدوافع ، وراء الاقتصاد في الحدث طيلة الرواية . وجعله مقصورا ، على تطور الشخصية ولم يتعداها ، إلا في مواقف معينة تختص بالموضوع وبالزمن الروائي والفني ، من الناحية الاجتماعية والسياسية ، - إذن فالحدث بدايته كارثة وانحطاط اجتماعي ، ونهايتة استسلام ورضوخ وتمادي لا حد له ، وتلك فلسفة مجدي جعفر في كشف الأزمات الاجتماعية ، وملابساتها ، والظروف المحيطة بها ، لكن هل يستطيع أن يتخطاها ويحلم بالأمل ؟ .. أعتقد أن الإجابة على هذا التساؤل ، وغيره من التساؤلات ، من خلال هذا العمل ، زمن نجوى وهدان – فيه إجحاف للأديب – لأن أعماله الأخرى ، التي قيد الدراسة الآن . وإن كانت محملة ببعض الإجابات – لن تكون أفكارها وإجاباتها كافية ، لأنها تمثل البدايات أو المراحل التكوينية الفكرية الأولى ، وليس هذا بدعا في تكوين مجدي جعفر ، فقد مر نجيب محفوظ ، ويوسف إدريس ، وتوفيق الحكيم ، بمثل هذه المرحلة ، الفكرية الهامة ، في حياتهم الفنية ، التى ينشغل فيها الأديب بالنقد الواقعي والاجتماعي .
وخير دليل على ذلك أن روايات : القاهرة الجديدة ، وبداية ونهاية ، وخان الخليلي ، وزقاق المدق والسراب ، واللص والكلاب ، تمثل مرحلة فنية في حياة الكاتب ، وبداية مشواره نحو النضوج والتميز ، - فمثلا رواية القاهرة الجديدة – أولى مراحل الواقعية الأولى – والتى انطلق منها – إلى عالم بداية ونهاية ، وخان الخليلي ، ويؤكد ذلك ، أن القاسم المشترك بينهما ، هو الجوع والتشرذم الأخلاقي والاجتماعي – وفقدان الصلة بين الإنسان وواقعه .
وكذلك الحال عند يوسف إدريس كما ذهب أحد النقاد عندما قام بعملية رصد على المستوى الفنى والموضوعي لأدب يوسف إدريس ، يقول : " يجب ملاحظة أن فن يوسف إدريس ينحدر – في بعض القصص – بصورة غير محسوسة ليصبح تخطيطات صحفية من نمط اليوميات فرغم أن قصتي ( ع الهامش ) 1954م وأم الدنيا 1954م تضمهما مجموعة قصصية ، فإن تفاهة الحدث ، وابتذال التصور ، وتسيب البناء – فيهما – يجعل من المشكوك فيه ما إذا كانا ينتميان إلى فن القصة " ( )
أضف إلى ذلك قصة " قصة مصرية جدا " التى كتبها في بداية الأمر مقالة صحفية في باب اليوميات في جريدة الشعب عام 1959م . وأعاد نشرها مرات مختلفة بأسماء مختلفة مثل حكاية مصرية جدا ومثلها قصة منسية .( ) المنشورة في مجلة الهلال .
ولا أريد أن أطيل في هذا الباب فالأمثلة كثيرة ، ما يهمنا هنا هو الوقوف على البداية الفنية الحقيقية للأديب مجدي جعفر . ومدى تطوره الفني والموضوعي . والتزامه الواقعي والاجتماعي على مستوى الحدث والشخصية ، والزمن ، وتمثل رواية زمن نجوى وهدان الممسرحة هذه البداية وذلك الالتزام .

فبالنظر إلى الواقعية الزمنية للحدث والشخصية عند مجدي جعفر يلاحظ أنه مواز في تطوراته لغيره من الكبار ، فله مراحله التأثيرية المتدرجة والمتباينة ، والمتفاوتة . من عمل إلى آخر وفي زمن نجوى وهدان نرى الحدث وقوته الزمنية والواقعية يبتلع جميع العناصر الفنية الأخرى ويسيطر عليها ، حتى ما اختفى منها ، يلاحظ تأثير الحدث عليه واضح – وبالمقارنة بالحدث في القاهرة الجديدة يمكن استنتاج الآتي : أن الحدث لا يؤثر إلا في الشخصيات الرئيسية ، ويترك بقية الشخوص الثانوية وغيرها ، يقفون مجرد ظل للبطل فقط ، ثم يتطور هذا التعامل في " بداية ونهاية " التى تُعد نهاية مرحلة فنية في حياة نجيب محفوظ ، انطلق بعدها إلى آفاق ، أرحب وأشمل ، على المستوى الفني والحدثي ، فالحدث يبدأ في بداية ونهاية بالموت وينتهي بالموت ، موت الأب وأثر ذلك على التكوين الاجتماعي للأسرة ، ثم عملية الانتحار المأسوية في نهاية الرواية ، وكأن الشقاء والهلاك ، ظلان استظل بهما الحدث بداية ونهاية .

كذلك الحال عند مجدي جعفر – الحدث الفاعل والمحرك والمؤثر ، الذي يمثل السبب ، هو هروب هند أو زواجها من ابن شيخ القبيلة ، والذي كان من نتيجته عملية الخصاء النفسي والرمزي للبطل – الدكتور – ولا يختلف هذا عن الحدث وتأثيره في الشخصية الأخرى هنومة – نجوى – الذي بدأ بالامتهان والتدني ، والفقر والشقاء والهلاك ، كل ذلك كما أشرت من قبل أدى إلى نتائج لا تختلف عن البدايات ، وإن اختلف الشكل ، فالمضمون النفسي والاجتماعي للحدث واحد ، والتدرج الفني عملية يؤديها مجدي جعفر بعقلانية ووعي ، انطلاقا من دوره الفني المهم – وفي النهاية فإن الحدث في زمن نجوي وهدان حدث زمني واقعي استطاع أن يرتاد عوالم وأمكنة مختلفة ومتنوعة ، واستطاع أن يقدم أسماء وأشخاص ، وصور وحكايات اجتماعية وسياسية وفكرية ونفسية لمرحلة هامة من مراحلنا الحديثة والمعاصرة .

































2 – الشخصية
أ – الشخصية المحورية
ب – شخصيات جانبية مرموقة
ج – دلالة الأسماء وتوظيف الرمز


















أ - الشخصية ( المحورية )
" يقصد بالشخصية المحورية تلك الشخصية ، التى يتحرك بها ومنها الكاتب ، ليبرز غايته من العمل الأدبي ، روائيا كان أو حواريا ، أما الشخصيات التي تبدو على السطح ، في ثنايا تحرك الشخصيات المحورية ، فهي شخصيات ثانوية ، يوظفها الكاتب في مرحلة من مراحل التطور الروائي ، ثم يتخلى عنها بعد أداء دورها ، لتظهر شخصية أخرى " ( )
وثمة اتفاق بين غاية الكاتب الفنية ، وبين أدواته الإنسانية ، التي يشكل منها عالم شخوصه ونماذجه البشرية هذا الاتفاق وأسبابه ونتائجه هي التي تقوم بالعبء الكامن خلف بشرية هذه النماذج ، على المستوى الاجتماعي والنفسي والفلسفي والتاريخي ، مما يساعد في تكوين وتقديم القضية ، وأبعادها الإنسانية المختلفة ، ومن هنا يمكن للعمل الأدبي الروائي والمسرحي ، أن يؤدي دورا هاما في حياة الشعوب ، ليس بغية الإصلاح فقط أو التوجيه ، وإنما تتحدد بغيته من كونه يحتوي على نقطة محورية ( شخصية ) وموضوع رئيسي ، تدور حوله كل الوقائع والظواهر والمعلومات الحياتية ، وتقوم في ضوئها وبالإشارة إليها صورة متكاملة عن المجتمع ، في الفترة التي يوجه إليها ناظرية .
ومجدي جعفر – في روايته الممسرحة ، قدم شخصية محورية هامة ، على المستوى السيكولوجي والأنثربولوجي ، وأقصد بهذين المصطلحين . الأول : العمق النفسي للتركيبة الاجتماعية الزمنية والإنسانية ، في مرحلة قسر الشخصية المصرية .
والثاني : الدراسة العميقة المتكاملة للأنساق والنظم الاجتماعية والثقافية في المجتمع الإنساني ، بشكل عام ، والمجتمعات التقليدية والنامية ، التى تؤلف العالم الثالث بشكل خاص "( ) أي علم الإنسان والبشرية ويقصد الكاتب من ذلك التصوير الدقيق للمجتمع والأشخاص المتفاوتين ، ومدى القدرة على التلاحم والاندماج أو العكس وأن تبدو لنا الملامح العامة واضحة داخليا وخارجيا ، إنسانيا وفكريا واجتماعيا .
هذه الشخصية التي تحمل كل هذا العبء الفني ، ذات وجوه عدة ، وأحوال مختلفة ، يضمها إطار واحد وقناع واحد ، فهي في القمة والقاع ، في آن واحد ، وفي الحياة وخارجها أيضا ، [ الوجه الأول لهذه الشخصية ] وتقوم بأدوار خطيرة ، فى شتى مناحي الحياة ، رغم عزلتها وفقرها ، النفسي والاجتماعي ، وهي حزينة منطوية ، مقهورة لا تملك من أمرها شئ ، وهي ذات مكانة مرموقة ثقافيا وعلميا .
وعلى المستوى الفني ليست مكلفة بعبء تقني كبير ، هذا الاتفاق والاختلاف ، الذي عمد إليه الكاتب ، ما هو إلا إسقاطا مباشرا على الواقع ، بشتى جوانبه ، ونقدا اجتماعيا وفكريا للآمال والطموحات المزعومة ، والتى تلاشت وانمحت ، وحل محلها زمن نجوى وهدان .
هذه الرؤى وغيرها جعلت الكاتب يقترب في أطروحته ، من علم الطبيعة وأسراره الكامنة ، وخصوصا علم الأنثربولوجي ، [ علم الإنسان والبشرية ] الذي يهتم بدقائق الأمور من خلال تتبع الأشخاص والنماذج ، والآثار المترتبة على نفوسهم ، عند القهر والامتهان وعند الجهل والمرض ، وهو في سبيل ذلك كله ، كان حريصا على النقد ، أكثر من حرصه على الانحياز للشخصية ، أو وضعها في إطار قالب فني متعدد المستويات ، فوجدنا الحدث وتداعياته ، والزمان وبشريته ، والمكان وإنسانيه ، والقهر والامتهان ، شخوصا تتحرك ، وأنماطا محملة ، بأفكار ومضامين اجتماعية ، انبثقت منها الشخصية ( نجوى ) متكاملة الأبعاد والتفاصيل ، الحياتية والأخلاقية .
وأولى هذه الشخصيات : هنومة ( نجوى ) ، وهنومة كما أطلق عليها الكاتب ، تمثل مرحلة الطفولة والنمو في الشخصية و( نجوى ) تمثل مرحلة التطور والبلوغ الاجتماعي في أقصى درجاته ، وهن وجهان لنموذج

#2 مجدى محمود جعفر

مجدى محمود جعفر

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 423 المشاركات:

تاريخ المشاركة 11 February 2008 - 07:08 PM

تابع دراسة الدكتور نادر عبدالخالق
أ - الشخصية ( المحورية )
" يقصد بالشخصية المحورية تلك الشخصية ، التى يتحرك بها ومنها الكاتب ، ليبرز غايته من العمل الأدبي ، روائيا كان أو حواريا ، أما الشخصيات التي تبدو على السطح ، في ثنايا تحرك الشخصيات المحورية ، فهي شخصيات ثانوية ، يوظفها الكاتب في مرحلة من مراحل التطور الروائي ، ثم يتخلى عنها بعد أداء دورها ، لتظهر شخصية أخرى " ( )
وثمة اتفاق بين غاية الكاتب الفنية ، وبين أدواته الإنسانية ، التي يشكل منها عالم شخوصه ونماذجه البشرية هذا الاتفاق وأسبابه ونتائجه هي التي تقوم بالعبء الكامن خلف بشرية هذه النماذج ، على المستوى الاجتماعي والنفسي والفلسفي والتاريخي ، مما يساعد في تكوين وتقديم القضية ، وأبعادها الإنسانية المختلفة ، ومن هنا يمكن للعمل الأدبي الروائي والمسرحي ، أن يؤدي دورا هاما في حياة الشعوب ، ليس بغية الإصلاح فقط أو التوجيه ، وإنما تتحدد بغيته من كونه يحتوي على نقطة محورية ( شخصية ) وموضوع رئيسي ، تدور حوله كل الوقائع والظواهر والمعلومات الحياتية ، وتقوم في ضوئها وبالإشارة إليها صورة متكاملة عن المجتمع ، في الفترة التي يوجه إليها ناظرية .
ومجدي جعفر – في روايته الممسرحة ، قدم شخصية محورية هامة ، على المستوى السيكولوجي والأنثربولوجي ، وأقصد بهذين المصطلحين . الأول : العمق النفسي للتركيبة الاجتماعية الزمنية والإنسانية ، في مرحلة قسر الشخصية المصرية .
والثاني : الدراسة العميقة المتكاملة للأنساق والنظم الاجتماعية والثقافية في المجتمع الإنساني ، بشكل عام ، والمجتمعات التقليدية والنامية ، التى تؤلف العالم الثالث بشكل خاص "( ) أي علم الإنسان والبشرية ويقصد الكاتب من ذلك التصوير الدقيق للمجتمع والأشخاص المتفاوتين ، ومدى القدرة على التلاحم والاندماج أو العكس وأن تبدو لنا الملامح العامة واضحة داخليا وخارجيا ، إنسانيا وفكريا واجتماعيا .
هذه الشخصية التي تحمل كل هذا العبء الفني ، ذات وجوه عدة ، وأحوال مختلفة ، يضمها إطار واحد وقناع واحد ، فهي في القمة والقاع ، في آن واحد ، وفي الحياة وخارجها أيضا ، [ الوجه الأول لهذه الشخصية ] وتقوم بأدوار خطيرة ، فى شتى مناحي الحياة ، رغم عزلتها وفقرها ، النفسي والاجتماعي ، وهي حزينة منطوية ، مقهورة لا تملك من أمرها شئ ، وهي ذات مكانة مرموقة ثقافيا وعلميا .
وعلى المستوى الفني ليست مكلفة بعبء تقني كبير ، هذا الاتفاق والاختلاف ، الذي عمد إليه الكاتب ، ما هو إلا إسقاطا مباشرا على الواقع ، بشتى جوانبه ، ونقدا اجتماعيا وفكريا للآمال والطموحات المزعومة ، والتى تلاشت وانمحت ، وحل محلها زمن نجوى وهدان .
هذه الرؤى وغيرها جعلت الكاتب يقترب في أطروحته ، من علم الطبيعة وأسراره الكامنة ، وخصوصا علم الأنثربولوجي ، [ علم الإنسان والبشرية ] الذي يهتم بدقائق الأمور من خلال تتبع الأشخاص والنماذج ، والآثار المترتبة على نفوسهم ، عند القهر والامتهان وعند الجهل والمرض ، وهو في سبيل ذلك كله ، كان حريصا على النقد ، أكثر من حرصه على الانحياز للشخصية ، أو وضعها في إطار قالب فني متعدد المستويات ، فوجدنا الحدث وتداعياته ، والزمان وبشريته ، والمكان وإنسانيه ، والقهر والامتهان ، شخوصا تتحرك ، وأنماطا محملة ، بأفكار ومضامين اجتماعية ، انبثقت منها الشخصية ( نجوى ) متكاملة الأبعاد والتفاصيل ، الحياتية والأخلاقية .
وأولى هذه الشخصيات : هنومة ( نجوى ) ، وهنومة كما أطلق عليها الكاتب ، تمثل مرحلة الطفولة والنمو في الشخصية و( نجوى ) تمثل مرحلة التطور والبلوغ الاجتماعي في أقصى درجاته ، وهن وجهان لنموذج شخصاني واحد ، الأول : قناعه الفقر والامتهان ، والثاني قناعه النمو الاجتماعي المزيف ، وتعتبر شخصية نجوى وهدان في قمة العمل الروائي ، إذ هي الشخصية التى سُميت بها الرواية ، وهي الشخصية التي تنطلق منها المواقف والصراعات الفنية المختلقة ، ومع سيطرة الحدث والزمن والمكان ، على هذه الشخصية ، فإنها تحمل في طياتها عدة أبعاد رئيسية من ذلك :
البُعد الاجتماعي : لمرحلة من مراحل فقدان الهوية في الزمن الماضي ، وهي كذلك صورة متكاملة لمرحلة ما بعد الانفتاح ، في الزمن الحاضر أو المعاصر ، كذلك من الأبعاد التي حرص الكاتب على تأكيدها في نجوى وهدان ، البُعد النفسي ، بكل آثاره وانعكاساته ، انطلاقا من النشأة الأولى ، وبؤسها وحقارتها ، حتى مرحلة الاستواء الاجتماعي ، وهذين البُعدين : الاجتماعي والنفسي ، البارزين في الشخصية ، كانا من الروافد الأساسية ، في تحديد الهوية المذهبية للشخصية ، فالواقعية سمة تميز هذه الشخصية ، وتحيلها إلى جملة الأنماط المألوفة فنيا ، والمتداولة دائما ، بل والمكررة أحيانا .
وإن كان هناك وجه اختلاف أو تمايز ، فهو متعلق بتصرف الكاتب ، ووعيه بالهدف الروائي والفني ، فهو لا يقدم الأشخاص ، حتى نتعاطف أو نتفق أونختلف ، وإنما يقدم لقطة فوتوغرافية ، لتركيبة حياتيه معاصرة ، وترك الشخصية والحادثة في حالة صراع دائم ، وتنافس فني مستمر ، ومع ذلك لم ينتصر أحدهما على الآخر ، ولم تكن الغلبة سمة تميز أحد العنصرين .
ولعل التصرف الزمني القائم على المواءمة النسبية ، خفف من حدة المواقف ، وكان عاملا مهما في عملية التحكم ، التي قام بها الكاتب ، فهناك فترات من حياة الشخصية مجهولة غير معلومة ، أو لا توجد أحداث تدل عليها ، فهناك فترة الماضي – المتعلقة بالنشأة وأسباب التحول والتكوين ، وهناك فترة الحاضر المتكأة على الماضي وأحداثه ، وهناك مراحل انتقالية فنية دلت عليها الأحاسيس والتقلبات النفسية ، كل ذلك جعل التركيبة الفوتوغرافية للشخصية الواحدة لها عدة وجوه ، وأشكال ، وأنماط ، حسب مقتضيات الحدث والانتقالات الزمنية ، المرسومة بدقة وعناية .
ما سبق يؤكد ما ذهب إليه النقاد وعلماء النفس ، في تحديد العلاقة الأبدية بين الشخصية والحادثة ، وبين الحالة الاجتماعية وأثارها النفسية ، فالشخصية : " هي التي تحدد نوع الحادثة ، والحادثة هي التي توضح لنا طبيعة الشخصية " ( )
وانطلاقا من ذلك ، وانطلاقا من المفهوم النفسي للشخصية القائل " إن الفرد ليس شخصية واحدة ، بل عدد من الشخصيات " ( )
فإن الحادثة الأولى ، التى هي الوجه الأول للشخصية أو – العكس – يتركز في
" هنومة " الفتاة التي نشأت في أحضان المقابر لأب كفيف يعمل ترابيا يقوم بتجهيز الموتى والصلاة عليها ودفنها ، يقتات من فضلات الموسرين يقول الكاتب على لسان نجوى " هنومة " :
" وكان أبى كفيفا ، حفظ فى طفولته بعض سور القرآن ، كانت كفيلة بأن يوكل إليه الرجل الثرى الذى بنى المسجد – بإقامة الصلاة على وقتها ، وبالصلاة على الميت ، والقراءة عليه ، نظير أجر ، وحراسة المقابر .
" يبدل شريط الموسيقى ، بشريط آخر، تنبعث منه موسيقى أكثر شجنا .
ـ أذكر أن أبى كثيرا ما كان يقيم الصلاة ، ويصلى بمفرده ، فلم يكن للمسجد من رواد ، إلا عابر سبيل ، ونادرا ما يطرق هذا الطريق عابر .
ـ أول حب فى حياتى ، كان لواحد ميت . تصور !
اقتحمنى من خلال حكايات أمه وأخته وابنة عمه عنه . اللائى رحن يعددن محاسنه ومآثره ، وينعين جماله وشبابه ، ومن الصدف – كان اسمه يوسف ، واقترن فى ذهنى بيوسف الصديق ، وظللت لأيام أراوده فى نومى عن نفسه !
" وتضحك ، فيناولها كأسا "
ـ فى المدرسة . كنت أجتذب البنات بحكاياتى ، وخيالاتى ، وشطحاتى ، كنت أجذبهن لى ، بل كن يسعين إلىّ ويخطبن ودى ، ويتمنين لو أظل أحكي لهن طوال العمر ، وكم تكون سعادتهن عندما يتغيب مدرس أو يعتذر عن الحصة ! يتحلقن حولى ، وأنا كل يوم أصنع حكاية جديدة ، فالمدد عندى لا ينفد ، شهرزاد حكت ألف حكاية وأنا حكيت ألف ألف حكاية . حكايات الأموات ، والأحياء .
الأموات الذين يتعاركون ويتصايحون فى الليل ! الذين يخرجون من مقابرهم ، ويحكون لى عن حياتهم الخاصة ، فهم لا يظهرون إلا لى ، ثقة منهم فى ..
" هئ هئ هئ هئ " ..
هل فعلا يتصايحون ويتعاركون ؟! ..
هل فعلاً يخرجون ؟! ..
هل حقا يثقون بي ؟!..
هئ هئ .. هئ ....
من تطلب مني أن أحكي لها عن أبيها ، ومن تطلب منى أن أحكي لها عن أمها أو أخيها ، هذه تسألنى عن عمتها أو خالتها ، وتلك تسألنى عن حبيبها الذى اختطفه الموت ..!
كيف يعيشون ، وماذا يأكلون ؟ وماذا يلبسون ؟ .. عشرات الأسئلة تحتاج إلى إجابات .. عرفت كيف أستقطبهن ، وكيف أستثمرهن . أحكي لهذه همسا بأن أبيها فى الجنة ، وأن أبا البنت التى لا تحبها فى النار ، ..
ورحت أوثق صلتى بالأموات ، أجلس أمام مقابرهم – فى أوقات متفرقة من الليل والنهار ، أتصنت على قبورهم ، أرهف السمع وأدقق النظر ، أعيش بالكلية معهم ، ومع حكاياتهم التى تتناثر من أفواه المشيعين والزوّار ، صرت أسمع نحيبهم وضحكهم ، أنينهم ونجواهم ، يخرجون .. نعم .. أراهم يخرجون ، ويمرقون بسرعة تفوق سرعة الريح ، وبعضهم يومض كالبرق الخاطف ، كالشهب ، دربت أذني على سماع دبة النملة ، وعيني على رؤية كف يدي فى الظلام ، وأنقى على الشم دون أخذ الشهيق ، خففت جسدى بالامتناع عن الأكل والصوم لفترات طويلة ، حتى دق ، ورق ، وشف ، وصرت من النحافة ، بحيث تذرونى الرياح .
فى الليل تستطيل أذناى وأشعر بها وأنا أستعيد صورتي في ذلك الزمان ـ كأنهما طبقان هوائيان مثل تلك الأطباق التي تملأ الآن أسطح عمارات القاهرة ، ويتمدد أنفي ويصبح بطول ذراع ، وتستدير العينان ، وتتسع الحدقتان ، وانشغلت بالأموات لفترات طويلة عن كل ما حولي ، عالم غريب وعجيب ولجته ، وعشته ، كل قبر دخلته ، أتحول إلى عينين كبيرتين أو أتحول إلى أذنين ، أتعذب بما أرى وبما أسمع ، قصص مثيرة وحكايات عجيبة ، تجاوزت حدود العقل ، وفاقت الخيال .
[ كانت تتحدث ، وجسدها كله ينتفض ]" ( )
المقاطع السابقة تصور وتكشف الأبعاد البيئية الأولى للشخصية ، فالأب الكفيف نفقاته مرتبطة بالأموات ، والأم ابتلعها الشقاء في منازل الموسرين ، إذن فالنشأة متدنية جلبت للشخصية الازدراء والإهمال ، وكان ذلك عاملا من عوامل التكوين الأولى.
كذلك من الملامح التأثيرية التى تكونت منها شخصية هنومة ، الجو الأسطوري المحيط بالمقابر والموتى ، والذي أصبح رافدا قويا ، منح الشخصية سلوكيات متعددة – في المدرسة – وفي التعامل مع أترابها . وساعدها أيضا في تنمية غريزة السطو والاستنزاف – كل ذلك كان تمهيدا لحادثة الاغتصاب والهروب والبحث عن زمن غير زمن هنومة ، زمن يقترن بالمال والنفوذ والسلطة ، تتحقق من خلاله الرغبات . ومن ثم التحليق في آفاق أخرى مغايرة .
ويلاحظ أن المواقف والجهود الروائية المتعلقة بالشخصية هنومة ، قد انحسرت وتوقفت وقد يكون لذلك دلالة فنية وموضوعية ، متعلقة بعملية التوظيف عند الكاتب . فالشخصية عنده ليست إلا مجرد فكرة أو حادثة ، نقل من خلالها الإحساس بالتشاؤم ، والسواد ، والفقر والخنوع ، ومشاهد الموت ، مما يجعلها شخصية تجريبية استعملها الكاتب ، بعد أن حدد ملامحها ومكوناتها ، ومفرداتها الخارجية والداخلية ، استعمال الكُتّاب الواقعيين التقليديين ، في القرن التاسع عشر ، وهؤلاء يعتبرون " أن مهمة الأدب هي نقد الحياة " وعلى هذا فالأديب عليه أن يلتقط الصور العامة المليئة بالتناقضات ، ثم يحيلها إلى عمل إبداعي يحمل بعضا من آرائه الإصلاحية " ( )
وهي محاولة حاول فيها مجدي جعفر ، أن يحاكي واقعا مرفوضا ، وزمنا سلبيا ، هو في الواقع ليس الماضي البعيد ، وإنما هو كما أشرت من قبل إسقاطا مباشرا على الواقع وملامحه الفكرية والاقتصادية والأخلاقية ، ولم ينس وهو في خضم كل ذلك ، أن يحيلنا في أكثر من مرة ، إلى وجهة نظره وآرائه وتطلعاته ، من خلال الصور ، والمقابلة الفنية بين الحادثة والشخصية ، وبين الماضي والحاضر .
وخلاصة القول ، أن شخصية " هنومة " مكتملة النضج الفني ، مما يجعلها تؤدي جميع الأدوار فهي تجذب الطالبات ، بحكاياتها عن الموتى ، وتستولي على عطفهن ، من خلال الأساطير والأكاذيب التى تنسجها حول الموتى ، وهي ناقمة حانقة ، على بؤسها وفقرها ، وهي سعيدة بكل ميت جديد ، وهي أسيرة غرام أحد الأموات ، وقد أوقعها إعجابها بنفسها وبعبارات الإطراء والغزل من الشباب في شرك الاغتصاب ، وقد برع الكاتب في إحاطتها بالعوامل النفسية المحبطة . مبالغة منه في تصوير هذا الزمن وواقعيته المرة ، كل ذلك جعلها مهيأة لأن تقوم ، بأدوار خارقة في المستقبل ، مستفيدة من الخلل النفسي في المجتمع ، ومستفيدة من تكوينها السابق ، الذي دفعها دفعا نحو ارتياد آفاق انتقامية ، لم تكن لتتحقق لها في السابق .
نجوى وهدان :
" نجوى وهدان " ، هي الامتداد الطبيعي والمنطقي " لهنومة " ، أو هي الوجه الآخر في الزمن الحاضر ، أو قل التداعي اللا أخلاقي للزمن الماضي ، والعملية الحسابية للزمن [ النسبة والتناسب ] ، التى قام بها الكاتب ، وأحداثه ، وواقعيته ، تمخضت عن ظهور مختلف " لهنومة " ، لكنه ظهور ، موسوم بوسم جديد ، ووصف جديد ،
- شكلا – وإن كان الماضي / الحدث مازال كما هو ، في معناه ومدلوله الراسخ المتعمق ، منذ الزمن الأول ، المرتبط بالنشأة والتحول ، وبالإضافة للعملية الحسابية النسبية ، التي قام بها مجدي جعفر ، ليجعل عملية التواصل الواقعية للحدث في حالة استمرار دائم ، وإن اختلفت الوسيلة ، فإن هناك عملية توفيقية أخرى ، عمد إليها الكاتب ، وهي التوفيق بين واقعين ، وبين نمطين ، إنساني واجتماعي ، هذا التوفيق ، كان عاملا مهما ، في كشف سوءات الحدث ، وتوضيح ملابساته ، ومظاهره النفسية والأخلاقية .
و" هنومة " في زمن ما بعد الانفتاح ، أصبحت نجوى وهدان ، بعد أن هجرت ماضيها ، وتخرجت في الجامعة ، وتزوجت من " شرخبيل " ابن الحلاق ، الذي تحول بدوره إلى " بهاء " الذي يعد استمرارا لعملية التواصل والتوافق ، على المستوى الموضوعي والفني ، أو هو من وسائل الكاتب في تحقيق ذلك . وقد استفاد الاثنين
" نجوى " و" بهاء " من التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، التي مرت بها البلاد ، فأصبحا يمتلكان ، شركة استثمارية ، فيلا أنيقة ، وأموالا طائلة ، ومواصفات اجتماعية مختلفة ، هذا هو التطور الشكلي ، الذي وصلت إليه الشخصية.
ولكن حرفية مجدي جعفر ، لم تقف عند هذا الحد ، انطلاقا من مسئوليتة الفنية والأدبية ، فقد قام بعملية نقل غاية في الدقة والتصرف ، نقل الماضي بملابساته النفسية ، وحصره في مجموعة من المواقف الاسترجاعية الموفقة ، أيضا لم يكتف كما هو الحال عند كثيرين ، بالوصفة الجاهزة ، بل امتدت معاناته ، وتصرفاته الفنية الأسلوبية ، بامتداد الواقع ، وامتداد إشكالياته ، غير عابئ بمصير هذه الشخوص ، على الصعيد الإنساني والعاطفي ، وكذلك على الصعيد الفني الروائي ، مؤكدا حقيقة واقعية نقدية هامه ، تتركز في عرض ، وتحليل الأفكار والحركات والتيارات التى شهدتها البلاد في القرن الماضي وما قبله بقليل ، والتي ما زال لها بقية من أثر ، تكمن في نفوس وأعماق الأجيال المتعاقبة ، فهناك تشويه لجملة كبيرة من الأفكار والتطلعات ، وهناك شعور بتوقف حركة التطور الاجتماعي والإنساني ، وهناك محاولات مستوردة تقف في وجه الشخصية العربية ، على اختلاف اتجاهاتها وأنماطها المتعددة ، كما هو الحال في شرخبيل وهنومة وشيتا وبقية شخوص الرواية.
وانطلاقا من أهمية الفن الروائي ، ومسئولية الراوي ، كان تعامل مجدي جعفر ، حيال هذه القضايا والمشكلات ، من ذلك مشكلة الأدباء الشبان ، وأندية الأدب ، وعملية النشر الأولى ، لهؤلاء الأدباء المبتدئين ، وهي مشكلة افتتح بها الكاتب الرواية مستفيدا من المكونات الشخصية لهنومة ، عندما كانت تسمع حكايات المقابر ، ثم تقوم بعملية التنقيح والإضافة لها ، ثم ترويها مرة أخرى ، بطريقة أسطورية جذابة ، مما أعطاها قدرة خيالية وابتكارية ، كانت رافدا لها في المستقبل ، مكنتها من فن القص .
أقول كان تعامله مع هذه القضايا ، مرتبطا إلى حد كبير بتطور الشخصية ، وتطور الأزمة النفسية ، للحدث والواقع معاً ، ومدى قدرة هذه العناصر ، في تقديم البيئة الاجتماعية للرواية ، خاصة أننا أمام شخصية واقعية وحدث واقعي برؤية رمزية ، هذه البيئة لم يكن لها ، وجود حقيقي ، واضح إلا في النشأة الأولى للأبطال ، ولولا العزلة الشكلية ، التى عمد إليها الكاتب لكان للبيئة شأن كبير ، في معالجة الكثير من القضايا ، ولعل اهتمام الكاتب بالجانب النفسي ، للشخصية كان وراء هذه العزلة البيئية المصطنعة ، لأننا سنجد بعد ذلك الامتداد النفسي لهذه البيئة مسيطرا على الشخصية .
وبما أن نجوى وهدان نموذجا لطبقة اجتماعية كاملة ، فإن التركيز على الجانب النفسي له مبرره عند الكاتب ، وهناك ثلاثة مواقف يجدر الإشارة إليها ، والحديث عنها أولها موقف الشبح - وثانيها مشهد الاغتصاب – وثالثها مشهد المقابر ، هذه المواقف أو المشاهد يقابلها مشاهد أخرى ، توضح لنا الأبعاد الحقيقية والاصطناعية في تركيبة الشخصية التى تعتبر بدورها مرآة لمرحلة زمنية مرفوضة . أول هذه المشاهد – أحلام اليقظة المتعلقة بالأمومة – ثانيا الأدب القصصي ، ويمكن عمل جدول يوضح ذلك ، ويوضح أن الحادثة والموهبة والرغبة ، هى مكونات اعتمد عليها الكاتب في كشف وتقديم الشخصية .

الموقف أو المشهد نوعه ما يقابله النتيجة
حادثة الاغتصاب
مطاردة الشبح
بيئة المقابر شرك في الماضى
خوف – مجهول
فقر وامتهان الحب في سن المراهقة
موهبة الأدب
الرغبة فى الأمومة فشل وانحطاط
فشل في الرغبة
فشل لا إرداى
الماضي البعيد برموزه الحاضر بآماله ورغباته توافق زمني وحرمان مادي ونفسي

وأعتقد أن محاولة مجدي جعفر ، في تضخيم الواقع ، عن طريق هذه المشاهد ، التى تختلط فيها الإنسانية باللا إنسانية ، واليأس بالرجاء ، والحياة بالموت ، تبدو واضحة في هذه الشخصية المركبة ، اجتماعيا ونفسيا ، فبيئة المقابر ، وما تعنيه من توقف تام للحياة الدنيا ، انقضت معها الرغبة المشروعة في الأمومة ، أو قل تقابلت الأمومة مع رمزية القبر ، والحنين إليه ، والرغبة في معايشتة ، في العهد الجديد ، وإن كانت هذه موجودة في الموروث الشعبي ، وحسب ظني أن الكاتب قد نجح إلى حد بعيد ، من خلال الدلالات المنبعثة ، من توظيف بيئة المقابر ، في وئد واستئصال ، الامتداد النفسي للشخصية والحدث ، كل ذلك أعطى الواقع النقدي لمعانا وتفوقا واضحا ، وبالنظر أيضا إلى حادثة الاغتصاب التي تعرضت لها " هنومة " ثم الرغبة في الحب منذ البدايات والإخفاق فيه ، أعلى من قيمة المضمون الروائي ، الاجتماعي والأخلاقي ، وساعد في كشف الملابسات اليائسة التى تحيط بالشخصية ، كذلك الشبح الذي يطاردها في صحوها ومنامها ، والذي تنبعث منه رائحة الخوف من المجهول ، والخوف من الماضي القادم بمناخه وبيئته ، وأخلاقياته ، ثم تحول ذلك في الأعماق السيكولوجية ، إلى أدب وقص ، مرتبط بشكل كبير بالمقابر ، وما لها من أساطير .
كل هذا التصرف ، جعل الشخصية ، متعلقة ومشدودة إلى الماضي وأحداثه الواقعية ، وجعل الرمز ، يطوف ويحلق ، بالآلام والآمال – النفسية ، عبر ماضي " هنومة " وحاضر نجوى ، فأفرز واقعا وحدثا وشخصية غاية في التعاسة . فلا مستقبل إلا في ظل الانكسارات الاجتماعية السابقة ، ولا تغير ولا تبدل في الطموحات الإنسانية ، كذلك ارتبط الاستشراق العام للعناصر السابقة المسيطرة على الشخصية برؤية الكاتب ونظرته لحال الشخصية ، فالمال والرشوة والفساد هم الآفاق التى تحلق في سمائها نجوى . والقلم الذي ضل طريقه وند بعيدا ، هو المساعد والجناح الذي تطير به .
ولا شك أن ثمة ربط خفي غير معلوم بين الأشخاص والأحداث ، أو بين المصير العام للشخصية ، وبين التوقف الفعلي للحدث ، الناتج عن العملية الفشلية التي تحيط به . هذا الربط يتلخص في عملية التوقف والإحباط النفسي والحركي للشخصية من الداخل – ( الرغبة في الأمومة ) ( الحب – الشبح ) ، ثم التواصل بين هذه الحالة المرضية وبين القلم الذي ثلم وجانبه الصواب ثم الاستمرار عن طريق هذا الربط ، كل ذلك أفرز واقعا مخيفا وشخوصا معبرين عن هذا الواقع ، الذي لا ينمو ، بالشكل الطبيعي والمنطقي .










تابع دراسة الدكتور نادر عبدالخالق عن رواية " زمن نجوى وهدان " لمجدي جعفر
الناقد ( الدكتور ) :
من الشخصيات التي قدمها الأديب مجدي جعفر ، فى روايته زمن نجوى وهدان ، شخصية الناقد أو الدكتور ، وهو وجه آخر للحدث الروائي ، لا يختلف في ملابساته وتكوينه البيئي ، عن شخصية نجوى وهدان ، بل يمكن أن يكون مع نجوى ، وجهان لزمن واحد ، وحدث واحد ، فالتعاسة والانفصام الاجتماعي ، والنفسي قاسم مشترك بينهما ، وذلك لدقة التشابه النفسي في الخصائص والسمات ، والأحوال والظروف . ومن يعمق النظر والرؤية ، يجد التساوي في الحظوظ الروائية والموضوعية ، مما يؤكد أن الحدث في الرواية له وجهان لا يختلفان ، أو قل هناك توأمة مقصودة من الكاتب ، للحدث والشخصية .
وكان تعامل الكاتب مع هذه الشخصية ، قائما على تأصيل بُعدين ، في الواقع الاجتماعي المركب من طبقات مختلفة ، ومتباينة ، في الواقع الإنساني النفسي الممزق ، ( على مستوى الفن الروائي ) هذين البُعدين ، هما الرمز/ الإيحاء ، ثم التصوير النفسي الفني ، لملابسات الحدث ، وأثر ذلك على الشخصية . واعتمد الكاتب ، في استشراف هذين البُعدين ، على مصداقية الحكاية الفنية ، الهادفة المستمدة من واقع التجارب الحياتية وتأثيرها في الأدب بشكل عام ، والفن الروائي الحواري والقصصي بشكل خاص ، وتلك حقيقة هامة ، استطاع الرمز والتصوير الفني نقلها ، وخلق علاقة التوحد بين مادة الواقع وأحوالها ، وبين الإيحاءات المختلفة للشخصية الرمزية ، والحدث المستعار ، وأعتقد أن هذا التصرف ، الذي قام به مجدي جعفر ، بين الواقع وشخوصه ، وبين دلالته الفنية الاستعارية المختلفة ، على المستوى الإنساني والاجتماعي ، وعلى المستوى الفنى ، حقق قيمة لمادته الروائية ، ستؤدي غرضها في المستقبل ، وستكون أكثر تأثيرا وإيجابية .
ودعامة أخرى لجأ إليها مجدي جعفر ، في تصويره لهذه الشخصية ، وهي الحرفية الدرامية ، فقد استمد من الفن التشكيلي ، والتصويري خصوصيته ، في رسم المنحنيات والنتوءات البارزة ، والزوايا والأبعاد الخفية ، فقدم الشخصية من جميع جوانبها ، المظلمة والخفية من الداخل والخارج ، وهي وحيدة متقطعة الأوصال ، وهي منفعلة متداخلة مع الآخرين في التقلبات الاجتماعية المختلفة ، حتى استطاع أن يحقق لها عالما خاصا فريدا بها ، لا تخرج عن كنهه ولا تبرحه إلى مراحل أخرى ، وهذا كله يؤكد على أن العلاقة الحتمية بين الواقع الحقيقي وإيحاءاته وتأثيراته المختلفة ، ونتائج هذه التأثيرات ، هي علاقة حقيقية ثابتة ، في كل الأزمان ، وإن اختلفت معطياتها الدرامية والجدلية ، وهي كذلك مستمرة وفي حالة حراك دائم ، ومن يستطيع مراقبتها جيدا ، يمكنه تصوير الواقع ، ونقله بصوره وأنماطه وأحداثه وسلوكياته ، تصويرا فنيا ، تسانده كل عناصر الفنون المختلفة ، وكأنه أثر إبداعي مكتمل العناصر والأبعاد .
وثمة مشكلة أخرى صورها مجدي جعفر من خلال طرحه لهذه الشخصية ، وهي الصراع بين وجهين متناقضين ، وبين فضائل وأعراق إنسانية هامة في حياتنا جميعا ، الصراع بين التأثيرات التكوينية ، للنشأة الأولى ، ومقابلتها بحاضر الشخصية وماهيتها الإنسانية ، وما وصلت إليه من مآس وأسرار وجدانية ، كانت دافعا للبحث عن الخلاص ، من الاعتداءات التى تعرضت لها في الزمن الماضي .
ومن هنا فإن تصرف مجدي جعفر ، انصب على تجسيد هذا الصراع الواقعي ، عن طريق الرمز ودلالته المتعددة ، فبدت الشخصية ، وكأنها عدة شخوص ، أو أشباح ، يطارد بعضها البعض ، ويمحو بعضها البعض ، مما أضفى عليها أبعادا واقعية ، وفلسفية عميقة خرجت بها من حيز الفرد إلى حيز الجماعة ، بل إلى التعبير عن المجتمع بأسره في فترة من فتراته ، وهي حينئذ فاقدة لإنسانيتها ومبادئها ، ومكوناتها الحضارية ، التي عكست بدورها العلاقة المتناهية ، بين واقعية الإنسان وتطلعاته ، وأحلامه المستمدة ، من مكنونه الباطن .
وقد صورها الكاتب في مرحلة الطفولة البائسة ، ورصد المكونات البيئية من حولها ، واستطاع أن ينفذ إلى أعماقها ، وينقل آرائها ، وصورها من الوجهة السياسية ، غير المشاركة والفعالة ، وإنما كان تصويره مرتبطا بمدى الاستفادة الشخصية ، من المراحل الانتقالية ، للمجتمع ومدى القدرة على التلون ، وإيجاد مكان وموقع متميز ، وصورها أيضا من الناحية الفكرية ، وارتيادها مكانة هامة في عالم الأدب والنقد .
ثم انتقل الكاتب ، بطريقة الرمز المباشر ، إلى تجسيد الصراع الداخلي للشخصية وعزلتها وتهاويها وانفصامها ، وذلك حينما استخدم الجنس ، كرمز له أبعاد ودلالات كثيرة ، منها كونه غريزة أساسية مشتركة بين جميع الكائنات ، ومنها أن التكاثر النوعي قائم على تحقيق هذه الغريزة ، كذلك النواحي النفسية والطمأنينة الإنسانية الهادئة ، المنبعثة من وراء تلك التركيبة الجنسية المشتركة بين الرجل والمرأة ، وفي المقابل الحقيقي ، عملية الفقد الكاملة لهذه التركيبة ، والمحاولات الفاشلة المسماة بالغزوات ، كل ذلك يؤكد على أن المرجعية الرمزية في هذه الشخصية ، مرجعية حياتية واقعية ، تمثل مراحل مختلفة ليست من حياة الدكتور فقط ، وإنما من حياة الأمة وتقلباتها النفسية والاجتماعية ، فهناك تشويه ، ومسخ اجتماعي ، يقابله تخبط سياسي وانتهازية فردية مطلقة ، حققت الاستحالة الإصلاحية المستقبلية ، في ظل هذه الحالة الزمنية المعقدة ( حالة الخصاء ) .
وكان دور مجدي جعفر ، في هذا الصراع ، هو دور الراصد ، أو قل حلقة الوصل التي تجسد التفاصيل الدقيقة ، في حياة الشخصية ، وتربطها بعضها ببعض ، وتحيلها إلى واقع مرفوض ، من خلال رؤيته الذاتية الخاصة ، وأحاسيسه النفسية والإنسانية .
وأيا كان الأمر ، فإن مجدي جعفر آثر أن يطوف بهذه الشخصية ، عبر مراحل زمنية مختلفة ومتباينة ، ليعكس الجوهر الحقيقي للمجتمع ويعريه ، وهو بذلك يحكم على هذا الواقع ويرفضه جملة وتفصيلا ، كرفض البطل أو الشخصية للفكرة الناصرية ، أو تقبله لها ، ومحاولته الاستفادة من المتغيرات الجديدة .
ولم يكن رفضه رفض البصير صاحب الرأي ، وإنما رفض الانتهازي ، الذي يبحث عن أيدلوجية ، مغايرة ينفذ من خلالها إلى ما يريد ، إذن فالتقلبات الشخصية في النموذج يقابلها ، قضايا وأفكار فلسفية وعقائدية ، واجتماعية وسياسية ، وكما أشرت منذ قليل إنها وجهة نظر ذاتية ، تتسم بالصدق ، متفاعلة مع الواقع ، ومشاكله الحاضرة والمستقبلية .
وأعتقد أنه من خلال هذه الشخصية ، قد حلق في أجواء واقعية متطورة ، حقق بها الهدف الفني ، المنشود من وراء موهبته وفنه ، وسأعرض فيما يأتي ، لبعض المشاهد الروائية ، التي تكونت منها الشخصية ، والتي سيكون حولها جدل نقدي ورمزي له وجاهته ، من ذلك مشهد الخصاء ، ورمزيته البعيدة ، وأزعم أنه مشهد ثرى وخصب ، وسيظل مطمعا للكثيرين من النقاد والمحللين زمنا طويلا ، على مستوى الدهشة وعلى مستوى الفكرة التي هي ضد انتشار النوع الإنساني ، في تطوره وتحدياته ، في زمن مثل زمن نجوى وهدان ، كذلك على مستوى الرمز وأبعاده الواقعية الاجتماعية القومية والوطنية ، وعلى مستوى الإسقاط المباشر الواقعي التسجيلي .
وتنقسم هذه المشاهد إلى قسمين ، القسم الأول يتعلق بموقفه من مجتمعه ، وموقفه من أبيه وأخته ، وهي مواقف تعكس بعضا من آرائه وأخلاقياته وسلوكياته ، وكراهيته وحبه . القسم الثاني ويتعلق بالبعد التأثيرى النفسي لعملية الخصاء .
1- موقفه من المجتمع :
يقول الكاتب مسلطا الضوء على العلاقة النفسية بين الناقد ( الدكتور ) وبين مجتمعه : .. قد يظن الكثيرون ـ أن الناس الغلابة ـ بينهم وبين الله مسافة بعيدة ، وأن الله قريب فقط من الأثرياء والوجهاء .. " ويضحك فتناوله كأسا .."
الوجهاء ! .. الوجهاء!..
الوجهاء يسكنون ..
الوجهاء يأكلون ..
الوجهاء .. الوجهاء ..
الوجهاء ـ في الصفوف الأولى في المساجد ! ، وكأنها محجوزة لهم ، وعلى مقاعد الصدارة في سرادقات الأفراح ! ، والعزاء!، يفسحون لهم الطريق إذا ساروا !.. حتى لا تقع أعينهم على قبيح .
لا أذكر - حين كنت أصلي ، أن تجرأ فقير، ودخل المسجد ، وتخطى الرقاب ! ، وجلس في الصفوف الأولى !!.
أحيانا يكون المسجد خال من المصلين ، ولكنه أبدا لا يتجرأ على التقدم إلى الأمام ، يختار مكانا في مؤخرة المسجد ، وينوى الصلاة ، وإذا فرغ من أداء الفرض ، يتلفت يمينا ويتلفت يسارا ، وكاللص يتقدم بحذر خطوة ، خطوة واحدة ليصلي السُنة ، فإذا رجع هذه الخطوة للخلف فمن المؤكد عند الركوع أو السجود .. ستصطدم مؤخرته بالجدار ، وإذا ازدحم المسجد يوم الجمعة بالمصلين ، يخرج الأُجراء والبسطاء من المسجد ، ويتراصوا خارجه ، فالأرض لهم فقط " مسجدا وطهورا " !! ( )
وتلك علاقة قائمة على مجموعة الفراغات الممتهنة داخل الشخصية ، ومن ثم تأثير الفقر والحاجة ، في حياة الأُجراء ، تأثيرات سلبية نفسية .
ويقول الكاتب في نفس المعرض مقدما الحياة الاجتماعية الداخلية للدكتور – رؤيته لأبيه وأخته – ولنفسه في الطفولة ، يقول في حوار بين الدكتور ونجوى :
" = أراني ، طفلا صغيرا .
هي :
ـ استرسل ؟ ..استرسل يا دكتور ..
" وتصب له كأسا "
هو :
= ولدت في قرية صغيرة ، لأب كان يعمل كلاّفا !
هي " في نفسها " :
ـ كلاّفا !
"وتصب له كأسا تلو الأخرى .. "
هو :
= كان يعمل كلاّفاً عند أسرة تنحدر من سلالة عربية ، ذات حسب ونسب
" ويضحك " :
= وطبعا كل الأسر العربية من نسل طاهر !..و..
هي :
ـ وماذا بعد يا دكتور .
هو " وهو يدفع بما تبقى من الكأس في جوفه " :
= وانحسرت حياة أبي في زرائبهم واسطبلاتهم ، لا يغادرها إلا ساعات قليلة ، يأتينا فيها آخر الليل ، كان راضيا ، وقانعا ، خادما أمينا ، لم يتطلع يوما إلى ما منّ الله به على مخدومه من خير وفير ورزق كثير .
قبل أن يغادر فراشه كل صباح ، يقبل باطن كفه وظهره ، ويحمد الله ويستغفره
" ويضحك " :
= يستغفر من ذنب لم يقترفه ، ومن ذنب قد يقترفه ولن يقترفه أبدا ..
كنت وهند وحيدين بعد موت أمي ، يأخذني في كل صباح من يدي لأساعده ، نطعم البهائم ، ونسقيها ، كنت على صغرى أسوق ثلاثة حمير ، يُحملني إياها بالروث ، ويوصيني ألا أنشغل في الطريق باللعب ، ويحذرني من وقوع " السباخ " على الأرض أو انحراف الحمير عن مسارها ، " وتُجرِد " في أراضي الجيران ، فتتلف زراعتهم ونقترف إثما .
" تصب له كأسا .."
= عندما طلبت الست الكبيرة " هند " للخدمة في البيت الكبير مجاملة لأبي ، ولتقيه عناء همها ، وانشغاله عليها ، ولتكون تحت بصره ، راوغ ، ولم يكن أبدا مراوغاً ، وتعلل بصغر سنها ، وضعف جسمها ، ومرضها ، وما كانت ضعيفة ، ولا عرف المرض الذى يجتث أطفال القرية الغلابة طريقه إليها .
لماذا ناورت ، وراوغت ، وكذبت يا أبي ؟ ..
هل كنت تعلم أن ابنتك ..؟! .. فعصمتها من الخدمة في البيت الكبير ، وأقصى أماني بنات القرية ، أن يخدمن فيه حتى لا يفترس العمل في الحقول جمالهن .. وعلى صغرهن ينهد حيلهن ، ويذبلن وهن في عمر الزهور .
من يدرى ؟ ! " ( )
وفي معرض الشفقة يصور الكاتب هند في خيال أخيها الدكتور ، معددا صفاتها ومكوناتها الشخصية ومن ثم حسرته على مصيرها – والآثار الانتقامية والنفسية التى ترتبت على ذلك :
يقول الكاتب على لسان الدكتور / الناقد :
" هند ، هند شقيقتي الوحيدة ، لا تفارقني ، كانت تكبرني بعشر سنين ، كان بينى وبينها خمس بطون ماتوا ، قليل من الأطفال كانوا يعيشون !
بنت فلاحة ، تحيك الثوب ، وتطعم الطير ، وتكنس الدار ، وتربى الماشية ، عفية كالمهرة ، وسامقة كالنخلة ، ذات عينين سوداويين وشعر أسود فاحم ، هل بارك أبى حب محمد لها ؟!.. لا أظن ، ولكننى متأكد أنه طلبها على شرع الله وسُنة نبيه ، وبالتأكيد أبى أمهله ولم يعطه ردا حتى يقنع أهله وعشيرته ، وبالتأكيد كان يعلم أنه المستحيل ! .. ألهذا يا أبى ، ناورت ، وراوغت ، وكذبت ، ورفضت ، أن تخدم هند فى البيت الكبير ؟ .. هل أنا أجوب القرى المدن وأجوس خلال الديار ، كل الديار ، بحثا عن مواهب أو بحثا عن هند .
بالتأكيد محمد يعيش باسم غير اسمه ، وهند تعيش باسم غير اسمها ..
" علا نحيبه ، وانهمرت دموعه "
" جففت دمعه بمنديل ومسحت رأسه ، وهزته "
" استفاق ، ونهض قائلا وهو يردد " :
= هند .. هند .
هى " مبتسمة وقائلة " :
ـ اهدأ ..؟! اهدأ يا دكتور ؟! .. من هند ؟!
هو " ناظرا حواليه " :
= أنا قلت هند ؟
" مبتسما "
ـ هند وما هند إلا مهرة عربية
سليلة أفراس تزوجها بغل
هى " فى نفسها " :
ـ مهرة عربية ، وسليلة أفراس يا بن الكلاف !
هل تقرض الشعر يا دكتور ؟
هو :
= أبدا .. أنا فقط أردد ما قالته هند – عندما أخذها الحجاج عنوة وأرغم زوجها على تطليقها وتزوجها ! " . ( )
2- البُعد التأثيري النفسي لعملية الخصاء .
وفى هذا المعرض يصور الكاتب جانبا من شخصية الدكتور الناقد الممزقة – فيصف غزواته النسائية المفتعلة – والتى تكشف ملامح المأساة الحقيقية في داخله – وقد ارتبط ذلك بالنواحي الثقافية والفنية وما يحدث في هذا الوسط ، يقول في حوار بين الناقد ونجوى :
" = والعبد لله هو الذي يعتمد الأديبات اللائى يفدن إلى مصر !
هى " ضاحكة " :
ـ هنا .. على هذا السرير !
هو :
= على هذا السرير ، وكل من دخلن هذه الغرفة اعتمدن ! وأصبحن نجمات يملأن سماء دنيا الثقافة والأدب .
هى " متطوحة " :
- وهل مازلن يذكرنك ؟
هو " متطوحا " :
= أحيانا !
و" شاردا" ..
= غالبا ما يأخذهن الحنين ، ويأتين .
قد أُفاجأ بواحدة منهن أحيانا ، تأتى ، بعد مرور سنوات فى محاولة منها لاستعادة الماضى والذكريات .
هى " وهى تدفع بآخر رشفة فى قاع الكأس فى جوفها "
ـ وتعتمدها من جديد !
هو " وهو يصب كأسا جديدة ":
= نعم .. واعتمادها هذه المرة يكون أوقع وأمتع وألذ ، فانتفت المصلحة !
هى " وهى تتناول منه كأسا " :
ـ " هى دى مصر !" .( )
ولم تختلف بقية المشاهد عن هذا النسق الفني ، الذى يخفي وراءه شخصية متعددة الوجوه والأنماط – فموقفه من البستاني عم سعيد – وغرفته وملابسه وعودة الذكريات القديمة التى مرت به في الطفولة . ثم موقفه من العبد الحبشي واستجداء الحنان والنجدة وفشله في ذلك ، رغم شفاعة طفولته وانكساره ، كذلك موقفه من الشخصية الأخرى نجوى ، التى تمثل الوجه الآخر المكمل له . في الانحسار والتلاشي ، كل هذه المشاهد الروائية المتمسرحة ، تعكس واقعا منحطا ، وزمنا مظلما ، ومجتمعا متخبطا في طبقاته وتركيباته ، وقد لجأ الكاتب إلى تقديم هذه المشاهد الحياتية الداخلية والخارجية للشخصية وقرن ذلك بالواقع ماضيه وحاضره ليؤكد على أن عملية العقم الناتجة عن الخصاء ورمزيته ، ليست عقما خاصا ، وإنما هي حالة عامة أصابت الشخصية والمجتمع معا . فالاستمرار مفقود أو قل أصبح مستحيلا ، والانتقال من حالة مجتمعية إلى أخرى أصبح هو الآخر ضرب من ضروب الخيال .
ويلاحظ أيضا أن التصوير الفني للشخصية انصب على جوانبها الداخلية وحياتها الخاصة والعامة ، وتاريخها وميولها ونشأتها والأعمال المنوطة بها . ولم يعطنا وصفا دقيقا لها من الخارج ولم يحدد ملامحها الشخصانية ، وربما يرجع ذلك إلى سيطرة النزعة المسرحية – ورؤية الكاتب في التقديم ، على اعتبار أنها أمام أعيننا ، وهذا يؤكد أن العمل الأدبي ، روائيا كان أم حواريا ، يعتمد في أساسه على أبعاد ثلاثة أولها البُعد الجسمانى ، أو الشكلي والبُعد النفسي والاجتماعي ، وعلى معرفة الكاتب بهذه الأبعاد الثلاثة يتوقف نجاحه في رسم شخصياته "( )
فالبُعد الجسمانى :
هو ما يتعلق بالشخص من حيث بنيته وشكله الظاهري ، أقصير هو أم طويل ، بدين أم نحيف ، قوي البنية أم ضعيفها ، سليم الأعضاء أم ذو عاهة من العاهات ، وهلم جرا لأن لكل صفة من هذه الصفات أثرها في تكوين الشخصية .
البُعد الاجتماعي :
هو ما يتعلق بالمحيط الذي نشأ الشخص فيه ، والطبقة التي ينتمي إليها ، والعمل الذي يزاوله ودرجة تعليمه وثقافته ، والدين أو المذهب الذي يعتنقه ، والرحلات التى قام بها ، والهوايات التى يمارسها فإن لكل ذلك أثرا في تكوينه .
البُعد النفسي :
فهو ما ينتج عن البُعدين السالفين ، من الآثار العميقة ، الثابتة التى تبلورت على مر الأيام فحددت طباعه وميوله ومزاجه ومميزاته النفسية والخلقية ." ( )
وقد غفل الكاتب عن الجانب الجسمانى في جميع الشخصيات ، واهتم بالجوانب الاجتماعية الطبقية والجوانب النفسية الناتجة عن الصراع والأزمة المستمدة من عمق الأحداث . ولا ننكر وصفه الجسمانى للشخصية النسائية أحيانا ، لكنه ليس وصفا يهدف منه إلى تقديم الشخص ذاته ، بقدر ما كان متعلقا بأمور جنسية غرائزية فسيولوجية ، قصد بها إلى التشويق وخلق مواقف درامية مثيرة ، قد تساعد أحيانا في كشف وتوضيح الأثر الناتج عن الشخصية من جراء الحدث وتداعياته المستمرة .
ورغم كل هذه التصرفات الفنية والموضوعية – فإن هناك عملية دمج خفية تمت بين هذه الأبعاد – أدت إلى تحقيق توازن موضوعي ووجداني أغنى عن الاسترسال في وصف وسرد الأوصاف القريبة للشخصية عامة .
ب - شخصيات جانبية مرموقة :
أقصد بالشخصية الجانبية ، الشخصية ذات الموقف المحدد ، أو البُعد الثابت وغير المتطور والتي لا تستطيع أن تغير مصير الحدث ، بسبب انحسارها في حالة حدثية ثابتة . وأقصد بالمرموقة – أي التي كانت سببا مباشرا في نشأة الحدث وتكوينه ، وتوجيهه الوجهة المناسبة لمذهبية الكاتب ، وكانت عاملا مهما في إظهار وتوضيح الأبعاد الزمنية والاجتماعية والواقعية ، للتركيبة الأخلاقية الإنسانية في وقت ما ، واستفاد مجدى جعفر في روايته زمن نجوى وهدان ، من هذا النوع من الشخصيات ، رغم عدم اهتمامه بها ، ويمكن تحديد هذه الاستفادة فيما يلي :
أولا : تحديد الأبعاد الإنسانية في الشخصية المحورية ، والنواحى الاجتماعية ، والنزعات الفردية .
ثانيا : تحديد الأبعاد الواقعية والموضوعية فى الشخصية عامة ، وإضفاء الشرعية الفنية على حركة هذه الشخصية .
ثالثا : ساعدت الكاتب في تقديم أفكاره الروائية ، وقضيته الزمانية والمكانية .
رابعا : الاختفاء خلف هذه الشخصيات ، وبثها أفكار وفلسفات وأشكال وصور هى من صميم فكر الكاتب ، وقد تكون هذه الشخصيات سلبية لا صوت لها ولا حركة ، يقدمها الكاتب هكذا جاهزة ، لتلقي المؤثرات الناتجة عن حركة الحدث ، أو فعل الشخصية ، أو تكون مرآة عاكسة لهذا أو ذاك .
والشخصيات الجانبية في زمن نجوى وهدان ، شخصيات سلبية مستسلمة ضعيفة ، متكاملة فنياً واجتماعيا ، قدمها الكاتب ( كبش فداء ) للزمن وأحداثه المأساوية ، ولم يعكف على تصويرها وتحديدها ، وأحيانا لا فعل لها ولا صدى لديها لحركة الآخرين ، فجاءت عاجزة عن التطور العضوى ، لا أقول المساوى للشخصية الرئيسية أو المناوئ لها ، إنما هى مصابة بالخرس والعمى والبلاهة ، ويمكن الرجوع بذلك كله إلى الكاتب نفسه ، حيث حدد أهميته القصوى فى عنصري الزمن والشخصية – والحوار والحوار المسرحى ، وتفاعل هذه العناصر بعضها البعض ، تفاعل السلب فكانت الشخصيات ، الجانبية صورا ثابتة لحالة واقعية ، اجتماعية نفسية ، جاءت لتعمق الرؤية المأساوية للحدث والزمن معا ، وتضفي الوضوح والصدق ، في التعبير عن الشخصية الأولى ، وهذا يؤكد " على أن امتياز الكاتب لا يعتمد على اتساع مجاله ، وانفراج الزاوية ، التى ينظر منها إلى الحياة ، بل على عمقه ونبشه عن أغوار النفس الإنسانية " ( )
أول هذه الشخصيات :
الشيخ – شيخ القبيلة والد محمد – وجاء ذكره في الرواية مرة واحدة ، كررها الكاتب بعد ذلك حسب مقتضيات القص مرتين ، وارتبط هذا الشيخ ، بمشهد الخصاء ، فهو المحرك له والمؤدي والفاعل ، بالأمر والإشارة ، وهي شخصية مقترنة بالقسوة والعنف ، وغياب الرحمة والتسامح ورغم عدم الحضور الملازم لها طيلة الرواية ، إلا أن فعلها ظل متميزا وثابتا ومسيطرا ، على بقية عناصر العمل ، يقول الكاتب ، واصفا الحالة النفسية للدكتور، منذ رؤيته لهذا الشيخ :
" = لا يمكن أن أنسى منظر الشيخ – شيخ القبيلة وقد احتقن وجهه بالدم والغضب ويطوح بعصاته الأبنوس في الهواء .
يقول :
= من يدرى .. قد يتجرأ فلاح ـ فى قادم الأيام على إغواء فتاة من فتياتنا
وأشار إلىّ ..
احتضننى الخوف ،
تحلقوا حولى ، وتكاثروا علىّ ،
جرونى إليه
أحكم قبضته القوية حول معصمى ، لم أُبدِ مقاومة .
سحبنى إلى إسطبل الغنم وأغلق خلفه الباب " ( )
ويلاحظ أن هذا التصوير المُحكم – والذى سيكون لنا معه وقفة – هو وصف وتجسيد ، من منظور الطفل الذي نما وكبر وتقلد المراكز العلمية المرموقة – ومازال يعاني قسوة الحدث والفعل والزمن ، ولم يتخطاها الموضوع ، بل عكف الكاتب على تنميتها وجعلها محورا عاما للأحداث .
ولم تكن هناك دلالات فردية أو شخصية أو وصفية خارجية ، تدل على أهمية الشيخ ودوره لأن اهتمام الكاتب منصب على قضية الزمن والحدث – واكتفى الكاتب بعصاه الأبنوس – ومشيخة القبيلة ونسبة الحدث له . ما يهم أن شخصية الشيخ ، تأتى في قمة التركيبة الاجتماعية ، التى قدمها الكاتب ، وصورت ملامح هامة من فترات مصر ما قبل الثورة ، في بدايات القرن الماضى ، واستطاع الكاتب أن يجعلنا نحدد موقفنا من هذه الشخصية ، ونستطلع أفقها ومحيطها ، ونقف على ملمح هام في الشخصية المصرية آنذاك .
وعلى المستوى الفني ، أعتقد أنها أدت دورا هاما ، فهي بفعلها وحدثها وموقفها المتأزم ، وخوفها من انهيار التركيبة الاجتماعية الطبقية ، حققت فعلا – ظل يتداعى طيلة العمل ، وأصبح هما مسيطرا على الشخصية ، فهي مفيدة للعمل والكاتب معاً .
شخصية الترابي – الكلاّف – شيتا :
وهي تقابل في فنيتها وموضوعيتها شخصية الشيخ ، وهي تمثل الجانب القهري السلبي لفئة من المجتمع ولم يتعامل الكاتب معها تعامل الحاضر المؤثر أو الرافض أو القانع – وقام السرد الوصفي والاسترجاع الذهني ، بكل أعباء التقديم والتعريف ، فلم نراها ولم نسمعها ، ولم نعرف لها مفردات سيكولوجية أو فسيولوجية ، إلا من وجهة نظر الشخصيات الأخرى .
وشخصية الترابي ، شخصية جاهزة استعان بها الكاتب لتوضيح البُعد المأساوي في الشخصية المحورية ، فهي فاقدة للبصر – ولم يستطع الكاتب أن يخبرنا عن العقبات التى تعرضت لها من جراء ذلك . وهي أيضا تحفظ بعضا من سور القرآن ، وتقوم بخدمة المسجد ، وأداء الفروض ، وتجهيز الموتى ودفنها وجاء ذكرها في الرواية مرة واحدة .
كذلك شخصية الكلاف ، شخصية سلبية ، تؤدي بعض الأدوار ، أو هي أرضية واقعية للزمن القسري ، وليس لها حضور حقيقي داخل العمل ، واقترن وجودها بالقهر والبؤس ، وعدم القدرة على دفع الظلم أو الدفاع عن حقوقها الواجبة ، وجاء ذكرها في معرض حديث الدكتور عن ماضيه وطفولته وحياته الاجتماعية الأولى .
أيضا شخصية شيتا ، تمثل نفس المرجعية المستهلكة ، فهي تقوم بالعمل في المنازل ، من أجل تحقيق الحد الأدنى من المأكل والملبس ، وهى كالشخصية السابقة إفرازا للحياة الاجتماعية وخلفيه زمنية تأثيرية ، وألبسها الكاتب هذا الشكل ووسمها بهذا الاسم ، إمعانا وإغراقا في الرفض المباشر للواقعية الزمنية السابقة . إذن هذه الشخصيات جميعها استعان بها الكاتب لتوضيح الفارق الاجتماعي للتركيبة الحياتية الواقعية في المجتمعات المتخلفة ، وهي من النوع الجاهز الذي يؤدى أدوارا ثانوية ، يكون من شأنه تحقيق الأبعاد الإنسانية لطبقة ما في وقت معين وجاءت حركتها الواقعية متناسقة ، مع تكوينها ومرجعيتها القهرية الطبقية .
لهذا وكل ما يمكن قوله ، أنها نماذج مكررة ، تمثل إساءة واضحة لهذه الزمن وإنسانيته ، وتُظهر مدى التهميش اللاإنساني للمجتمع بأسرة ، فلا تكافل ولا تراحم ولا تواد ، دلت عليه الأحداث وفي النهاية فإن القهر والبؤس والتخلف والإنهزامية الفردية الذاتية ، وكل ما حاول الكاتب أن يبثه في الشخصية المحورية – كان مصدره تلك الشخوص الزمنية .
ولم يختلف الحال بالنسبة لشخصية سامي والسكرتير ، فهما من العوامل المساعدة في تقديم الحالة الجديدة ، التى ألت إليها الشخصية ، في الوقت الحاضر ، أو قل هما مظهران مناسبان لتطور الحدث والشخصية معا – وكان حضورهما المؤقت متساو ليس فيه صراع أو غموض . بالإضافة إلى كونهما شخصيتين مسرحيتين جاهزتين – وأعتقد أن الكاتب لجأ إلى الاستعانة بهما لسد فراغ مسرحى ، أو لدفع الحدث وتوضيحه ، أو إظهار جانب خفي في الشخصية كما هو الحال مع سامي في الحوار الذي دار بينه وبين الدكتور في زي البستاني ، وهذا الحوار تبدو فيه النزعة المسرحية مسيطرة على النزعة الفنية :
يقول الكاتب :
" سامي ناظرا للدكتور ، وقائلا لمدام نجوى :
*جناينى جديد ، حسنا فعلت ، أنا لا أعرف ما الذى كان يدعوك إلى التمسك برجل مثل عم سعيد .
مدام نجوى " مقاطعة " :
ـ الموضوع ليس كما فهمت الحكاية ..
الدكتور " مقاطعا " :
= نعم .. أنا الجناينى الجديد .
* لكن يبدو أنك لست من أهل الشقاء .
الدكتور " ضاحكا " :
= ماذا تقصد ؟!
سامى :
* شكلك يقول أنك ..
الدكتور " ضاحكا " :
= نصاب ؟!
سامى :
* أستغفر الله ، لكن وجهك المدوّر ، اللامع ، لا أثر للشمس عليه ، ينز دهناً وسمناً ، هاها .. هاها .. وذقنك الحليق ، وأذناك ، وشعرك البارز من الطاقية ، قفاك العريض الحليق ، وزند رقبتك الممتلئ ، وعظام صدرك المكسوة باللحم ، ويدك البضة ، الطرية ، الناعمة ، و.. لا مؤاخذة ....
مدام نجوى " نافخة بغيظ " :
- ماذا جرى لك ياسامي ..
وهذا الحوار على طوله ومسرحته قدم لنا وصفا قريبا إلى حد ما من الشخصية ، وساعد في توضيح النواحي المسرحية التى عمد إليها الكاتب ، وكان ذلك بفضل الاعتماد على الشخصيات الجانبية .









#3 د. حسين علي محمد

د. حسين علي محمد

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 7285 المشاركات:

تاريخ المشاركة 11 February 2008 - 09:37 PM

مرحباً بالدكتور نادر، نقلت الدراسة لأقرأها على مهل،
وقد قرأتُ الرواية من قبل، ووجدت أنها مسرواية تثير الكثير من القضايا الفنية،
وفي حاجة إلى قراءات متعددة تستكنه دواخلها، دون أن تقع في فخ:
هل في الرواية رؤية اجتماعية ظاهرة، أم أن الفن فيها لا يمكن فصله عن الواقع الاجتماعي المعيش والمتخيل.
تحياتي للروائي مجدي جعفر، الذي يبدع نصه (المغاير والمختلف ) على نار هادئة.

#4 مجدى محمود جعفر

مجدى محمود جعفر

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 423 المشاركات:

تاريخ المشاركة 12 February 2008 - 09:17 PM

تابع دراسة الدكتور نادر عبدالخالق في رواية ( زمن نجوى وهدان )
جـ - دلالة الأسماء وتوظيف الرمز :
تُعد أسماء الشخصيات في الرواية من الوسائل الفنية الهامة ، التى يعتمد عليها الكاتب ، في تعميق الفكرة والمضمون ، وذلك عن طريق الرمز والإيحاء ، الذي يحمله المدلول اللفظي للإسم ، حيث يوظف الكاتب الاسم في الرمز إلى حقيقة المُسمى وسماته ، فالكاتب العالم ببواطن شخصياته . هو الذي يجعل اللقاء بين الشخصية والفكرة أمرا حتميا ، تقوم به الدلالات والإشارات الخاصة بالأسماء " ( )
ويذهب كثير من النقاد ( ) إلى أن الاسم الذي يطلق على الشخصية الأدبية ، لا يعنى تقديمها أو نعتها بصفة ثابتة ، فقد يكون هناك اسما جميلا على شخصية شريرة أو العكس ، بهدف التعتيم على القارئ ، أو نكاية فيه ، وليس في هذا اختلاف على وجه العموم .
وإنما يكمن الخلاف في إطلاق الكاتب الصفات والأسماء ، داخل العمل الواحد ، على عدد من الأشخاص مختلفي الأنماط والميول والسلوك ، ويكون ذلك بشكل منطقي مناسب تماما . ثم يطلق صفة أو حالة ، أو رمز شعبي ، أو ضمير أدبي ، أو مهنة في نفس العمل ، على فريق آخر من الأشخاص ، فيكون هناك تعاملين أو تصرفين ، مختلفين متناقضين ، غير متساويين في نسبة الرمز والمرجع ، في الأفعال والأقوال والوظائف والصفات والأعمال والأدوار والأشكال في هذا العمل .
وفي زمن نجوي وهدان ، يلاحظ أن الكاتب استعان بالاسم والصفة واللقب والكنية والمهنة ، واستفاد من ذلك بدرجة كبيرة ، فهناك أسماء غير ثابتة ومتحولة ، فالدكتور – الناقد – اقتصر الكاتب على وسمه بالتوصيف المهني ، ولم يحدد له اسما منذ البداية ، لأنه لم يهتم بتحديد الأبعاد الصفوية فيه ، ولم يهتم بتحديد المعالم الشكلية الجسمانية ، وترك خيال القارئ ، يحدد له ما يشاء ، ليحدث بذلك شيئا من التفاوت في التخيل لهذا النموذج الزمني المرفوض ، ومن ثم يتحقق البُعد الرمزي الإيحائي للزمن والواقع ، وينحسر اهتمام القارئ والمتلقي ببغض ورفض هذه الفترة بإفرازاتها وطفحها وأحداثها ، وتركيبها اللاإنساني ، وكأن الشخصية حالة خاصة ، لزمن خاص متفاوت ليس فيه انسجام ، كل ذلك يؤكد موقف الكاتب ، من هذه التركيبة الزمنية ورفضه لها ، ساعده في ذلك البيئة المكانية ، التي نشأ فيها الدكتور ، كذلك شخصية هنومة .
نجوى وهدان .
الشخصية الأولى في الرواية – وكانت موسومة بهنومة في الطفولة والصغر ، وهو وسم مقترن بالفرقة والتفريق إلى حد ما ، وتناسبت الأحداث والأفعال والمواقف ، بتلك الصفة الرمزية التى كانت مهيأة للرحيل والفراق ، هربا من هذا المصير البائس المحتوم ، وهو تصرف متفق مع منطقية الكاتب وتوجهه الواقعي ، وبعد أن تحقق لهنومة الرحيل والانسلاخ ، تبدل اسمها بنجوى ، وعلى مستوى الموضوع ليس لمدلول الاسم علاقة ، بما يحدث لها في المستقبل ، وإنما كان ذلك لمحاولة الانفلات من هوة الماضي وحقارته ، والبحث عن زمان جديد تُمسك فيه بيدها الزمام ، وتصبح هي القاهرة وليست المقهورة .
وعلى مستوى الرمز اللغوى وفنية القص ، يختلف الأمر حيث تدل التركيبة اللغوية لهذا الوسم الجديد (نجوى وهدان ) على السرية والغل . فالنجو : هو ما يخرج من البطن – والنجو : المكان المرتفع ، والنجو : السر بين اثنين ، يقال نجوته نجوا ، أي ساررته ، كذا ناجيته ، وانتجى القوم تناجوا أي تساروا وانتجاه خصه بمناجاته والاسم النجوى .
وبالبحث في وهد ، وهدن يلاحظ الاطمئنان هو الصفة القريبة للتركيبة الأبوية ، مما يدل على التناقض والثبات على هذا التناقض ، وفي هدن أي صالحه والاسم الهدنة ومنه قولهم هدنة على دخن أي سكون على غل .( )
ومهما يكن من مرجعية رمزية اسمية فهنومة أو نجوى مثل شخصية الدكتور تمثل حالة أو نموذج مرفوض شكلا وموضوعا ، وقد ساعد ذلك كله في توصيل الفكرة ، وتأكيد السخرية من الواقع وإشكالياته وتقاليده .
وبالنظر إلى بنية الشخوص الأخرى ، لم يختلف تعامل الكاتب معها عن ما سبق ، فهو تعامل ينبئ عن حالة عامة من الرفض المباشر ، لجملة الأحداث والوقائع الماضية ، حتى وإن امتدت بأشكال ورموز جديدة مغايرة . في زمننا ومجتمعنا فهي مرفوضة .
واللافت أن الكاتب أطلق الأسماء على بعض الأشخاص ، وأطلق الصفات على البعض الآخر كل ذلك ليس له إلا مرجعية واحدة ، وهي الاهتمام بتقديم حالة زمنية اجتماعية مرفوضة بأحداثها وأسمائها وصفاتها أيا كانت ، كذلك العملية الرمزية ، أو التخيل الذي نتج عن ذلك يوحي بالموقف العام للكاتب ، من تلك الشخوص ، وهو موقف الساخر ، الذي يفتش في أعماق الواقع البعيد والقريب ، مقدما صوره وأنماطه ، ونماذجه وحركاته في صورة حركية دؤوبة .
وتأمل معي هذا التصنيف المجدول تلاحظ أن التنافر والغرابة – هما القاسم المشترك بين هذه التركيبة الاسمية ، وأن الرمز فيها قريب جدا ، ليس فيه غموض ولا تكلف .
1 - 2- 3-
الاسم الصفة - اللقب المهنة
هنومة
نجوى
شيتا
سامي
شرخبيل
بهاء
الشيخ
العبد الحبشي
الدكتور- الناقد
الترابي
الكلاف
البستاني
السكرتير

فالقسم الأول ( الاسم ) رمزه القهر والحرمان والامتهان ، والقسم الثاني – الصفة – يجمع شيخ القبيلة في رتبة السيادة – والعبد الحبشي في رتبة السقوط والتهاوي .
والقسم الثالث : ( المهنة ) يجمع بين مهن غير متقابلة ، وغير مندمجة في دافعها ، وواقعها وزمنها – هذه الفئات كلها لا تستطيع أن تفرز إلا هذه الأحداث – وهذه التركيبة الاجتماعية مما يؤكد أن مجدي جعفر ، انصب اهتمامه الموضوعي على الزمن في فترة معينة ، امتدت إلى واقعنا المعاصر ، فقدم هذه النماذج لتكون دليلا على مصداقيته وحرفيته الروائية والموضوعية .







تابع دراسة الدكتور نادر عبد الخالق في رواية زمن نجوى وهدان
3- الحوار ودلالته الفنية :
يعتبر الحوار من أهم عناصر التأليف المسرحي ، فهو الذي يوضح الفكرة الأساسية ويقيم برهانها ، ويجلو الشخصيات ويفصح عنها ، ويحمل عبء الصراع الصاعد حتى النهاية ، هذه المهمة يجب أن يطلع بها الحوار وحده ولا يعتمد في شئ من ذلك على الشروح والتعليقات ، التى يضعها الكاتب بين الأقواس فهذه إنما توضع لمساعدة المخرج على فهم ما يريد الكاتب مما هو مستكن داخل الحوار لا مما هو خارجه .( )
والحوار في نظرى هو المردود العقلي والنفسي للشخصية ، فهو الذي يرسم ملامحها وهو وسيلة الكاتب في رسم الشخصية ، وهو مصدر المتعة إذ من خلاله تتصل الأشخاص وتتفاعل " والحوار في المسرحية ، هو الأداة الرئيسية ، التى يبرهن بها الكاتب على مقدمته المنطقية ، ويكشف بها عن شخصياته ، ويمضي بها في الصراع ، ومن الأهمية بمكان أن يكون حوار المسرحية حوارا جيدا ، بما أنه أوضح أجزائها ، وأقربها إلى أفئدة الجمهور وأسماعهم " ( )
ويُعد الحوار جزءا من البناء العضوى للرواية ، له ضرورته وحيويته وقيمته ، فهو يدل على الشخصية ويحرك الحدث ، ويساعد على حيوية المواقف ، ومن ثم فإنه يلزم أن يكون دقيقا هادفا إلى غاية مرسومة ومحددة ، بحيث يكون بالفعل عاملا هاما من عوامل الكشف عن كل أبعاد الشخصية ، أو التطور بالمواقف ، أو تجلية النفس الغامضة ، أو الوصول بالفكرة المراد التعبير عنها .( )
ويرجع النقاد أهمية الحوار إلى أمور عدة ، منها أنه الجزء المتمم للحبكة الروائية ، وأنه الواصف للشخوص وأنه المبرز للقضايا والإشكاليات ، إضافة إلى التعدد اللفظي فيه . ( )
ويشترك الحوار كعضو بنائى بين القصة والمسرحية ، وهو مكلف بنفس المهام الفنية ، من ناحية تقديمه للشخوص ومن ناحية دفع الحدث وتطوره – ومن ناحية الترتيب والمناظر والحركة والاضطراب في العمل الأدبي ، غير أن هناك قيود ومساحات فنية للحوار القصصي والمسرحى ، فالمسرحية مقيدة بطريقة تعبير معينة ( الحوار ) في حين تملك القصة أن تكون حوارا في بعض المواضع ، ووصفا في بعضها وتعليقا على هذا الحوار يوضحه ويحلله . ( )
وإذا كان الحوار المسرحي " الذي يعتمد علي الجمل القصيرة ، والبراعة في الوصف المتسلسل المطرد المطلق من جميع القيود " ( ) من دلالات المسرحية ومميزاتها فإن هناك قيود أخرى .أجملها الأستاذ سيد قطب وهي : 1-القيد الزمني . 2- قيود المسرح والممثل والنظارة وطبيعة كل من فن القصة والمسرحية في اختيار المجال التى تقع فيه الحوادث .3- الموهبة القصصية تحتاج إلى تصوير وتسلسل واستطراد ، والموهبة التمثيلية تحتاج إلى تنسيق وتقطيع وحركة " ( ) والتنسيق والتقطيع والحركة دلالات حرفية يستطيع المسرح من خلالها استيعاب الفنون جميعها _ كالشعر والقص والموسيقي والرقص والتصوير والنحت والعمارة ممثلة في الديكور والرسم – وغير ذلك من الفنون المختلفة .
إذن هناك قدرات فنية مختلفة يستعين بها الكاتب حين يتناول الحوار المسرحى لأنه كما ذهب الأستاذ سيد قطب وأنا متفق معه أن تصوير الطبيعة الإنسانية أو الموقف الإنساني بالوصف شئ ، وتشخيصه بالحركة المحسوسة واللفظة المنطوقة شئ آخر؛ والمقدرة التى يحتاج إليها الكاتب ليخلق شخوصا ناطقة متحركة هي مقدرة من نوع آخر ، غير التى يحتاج إليها ليخلق شخوصا موصوفة مرسومة ." ( )
ورواية " زمن نجوى وهدان " - مكونة من ستة حوارات طويلة - تخللها الوصف والاستطراد ولكن نسبة الحوار إلى الوصف أكثر بنحو الثلثين .
في الحوار الأول :
يصف الكاتب المكان ( المسرح ) فيصف الغرفة والمفروشات ، السجاد والكراسي والكنبة , ويصف المكتب ومحتوياته ، المكتبة والكتب ، وموقع هذه الأشياء في الغرفة وينتقل الوصف إلى الأشخاص فيصف السكرتير وحركته في المكان – ثم الناقد الكبير ثم يدور الحوار بين الناقد والسكرتير ، فيكشف كل منهما وتتضح بعض المعالم الشخصانية ، وتعرف بعضا من طبائعهما وميولهما وأخلاقياتهما .
وتبدو هنا الرغبة لدي الكاتب في التقديم المسرحى ، فكان الحديث عن الوصف والديكور ، مناسبا تماما للشخصية [ الناقد – المكتب ] – وبدت الحركة الانتقالية للفعل الشخصاني بطيئة . نظرا لاهتمام الكاتب بالوصف والتقديم والإحاطة ودمج التصوير النفسي بالتصوير المكاني المسرحي وقد أدى الحوار مهمته الفنية في التقديم والكشف عن الشخصية ومقدمة الحدث ، والحالة النفسية والاجتماعية والفكرية .
تأمل معي الوصف والحوار يقول الكاتب :
" [ غرفة واسعة ، مفروشة أرضيتها بسجادة فاخرة ، فى جانب منها مكتب فخم ، عليه أوراق ، ومقلمة ، ومطفأة سجائر ، وجرائد ومجلات ، يومية ، وأسبوعية ، وخطابات .
أمام المكتب . كنبة كبيرة ، وأربعة كراسى " فوتيل " ، وفى الوسط ترابيزة متوسطة الحجم ، يعلوها مفرش " الكنافاه " وفى الأركان نباتات الزينة ، وأصص الزهور .
احتضنت جدران الغرفة أرفف مكتبة ، تضم كتبا مختلفة المقاسات والأحجام ، مرصوصة بعناية ونظام . على شباك الغرفة الواسع ، ستارة خفيفة زرقاء ، وأخرى سميكة فى منتصف الغرفة ، تفصل غرفة المكتب عن غرفة أخرى ]
ثم تأمل هذه اللقطة الحوارية بين الناقد والسكرتير حول صاحبة الخطابات .
" يدخل السكرتير مبتسما .. يضع القهوة.. " :
- ماذا تراها يا سيدي ؟!
الناقد :
= بالتأكيد تعانى من عثرات البدايات ، ولكن لا بأس مادامت ثرية
" يرشف من فنجان القهوة ، ويشير للسكرتير بالجلوس "
الناقد :
= قل لى : ماذا عرفت عنها وهى تثرثر معك أثناء انتظاري ؟
السكرتير :
- عرفت أنها كانت زوجة لرجل أعمال .
الناقد :
= كانت .. !
" وعابثاً بشاربه " :
= إذن هى مطلقة .
السكرتير :
- بل أرملة
الناقد " مبتسما " :
= الله يرحمه .
" وناظرا إلى ساعته ، وإلى السكرتير "
" وقبل أن يغلق السكرتير الباب خلفه ، يلتفت إلى الناقد . غامزا له بإحدى عينيه ، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة ". ( )
ألا ترى معي أن الجمع بين الوصف والحوار أدى إلى خلق نوع من الانصهار بين الشخصية والمكان – والحدث – كذلك أعلى ذلك من شأن الحبكة وحققها منذ البداية – فبالنظر إلى مفردات الوصف تلاحظ أنها تتعلق بالمكان ومحتوياته ورموز هذه المحتويات . وبالنظر إلى الحوار تدرك السمت العام للشخصية – الناقد – السكرتير – وتدرك المهام الأساسية الخارجية لكل منهما – وتضع يدك على سرٍ دفين فى الشخصية – يجعلك تبحث عنه . وأعتقد أن ما قاله الناقد الكبير سيد قطب قد تحقق وهو التنسيق بين الوصف والحوار والشخصية والمكان والحادثة ، وأن التقطيع والفصل بين الوصف والحوار ثم عملية الدخول والخروج من المكان – المسرح – نفذها الكاتب دون ملل أو إحداث فجوات مسرحية ، أو رتابة حوارية . كذلك الحركة المسرحية لشخصين متفاوتين وظيفيا – أدى إلى أهمية كل منهما للآخر – وأفاد عملية البناء والاكتمال الفني فى شخصية الدكتور بقية العمل .
وانظر إلى الفقرة الأخيرة :
" وناظرا إلى ساعته ، وإلى السكرتير "
" وقبل أن يغلق السكرتير الباب خلفه ، يلتفت إلى الناقد . غامزا له بإحدى عينيه ، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة ". هذه الفقرة اجتمعت فيها الحبكة الحوارية – والتنسيق النفسي بين الشخصيتين – والتقطيع والحركة ، رغم أنها وصفا فقط – لكنه الوصف المشتمل على حوار داخلي – كشف الكثير من الصفات العامة للأشخاص ، دل على ذلك الظرف في كلمة قبل والفعل وتفاوته بين الاستمرار والتوقف في كلمات يلتفت – غامزا – ولاحظ التصوير في كلمة غامزا بإحدى عينيه .
وفي الحوار الثاني :
لم يختلف الحال ، واستمر الكاتب على الطريقة نفسها – الوصف – ثم الحوار الذى يتخلله الوصف ثم بعض اللقطات التصويرية – الحوارات الداخلية المتقطعة . ولم يختلف المكان والديكور والأثاث والمفروشات – الذي اختلف فقط هو التغير الزمني – داخليا – على مستوى الحبكة الفنية – وفى هذه المرحلة الحوارية ، ينتقل الوصف الحواري من وصف المكان – إلى وصف الطبيعة الإنسانية للأشخاص ، وهنا تبدأ مهمة جديدة للحوار وهي الكشف عن مكامن النفوس ، وتقديم النوازع الداخلية ، التي تنطوى عليها كل شخصية .
وهذا الحوار يدور بين الناقد ونجوى – ومن خلاله يعرفنا الكاتب بهما وبإشكالياتهما الفنية ومنه تنطلق الشخصيتان إلى آفاق فنية هامة في حياة كل منهما .
يقول الكاتب على لسان الناقد في حوار بينه وبين نجوى :
" = أنا الجواهرجى !!
= جُبت مصر من أقصاها إلى أقصاها ، من أسوان إلى الإسكندرية ، ومن مرسى مطروح إلى بورسعيد و دمياط ، أعرف عزب مصر كلها ، وكفورها ، وقراها ، ونجوعها ، وأزقتها ، وجبتها كلها بحثا عن " الألماظ " والجواهر ، عن المواهب المدفونة فى ثرى أرضنا الطيب ، والآن ، وبعد رحلة بحث زادت عن الثلاثين عاما
" مبتسما " :
= لا يغرنك شكلى ، فأنا فى منتصف العقد السادس..
هى " مصطنعة الذهول " :
ـ لا يبدو عليك ، فمن يراك ، يظنك على الأكثر فى منتصف العقد الثالث .
" ثم ضاحكة وفاردة يدها لتقبض على أحد أركان الترابيزة " :
ـ وهاأنذا يا سيدي أمسك الخشب !
هو " مصطنعا الجدية ":
= أنت رقيقة ومجاملة ، العمر ينسرب ، ولا ندرى ، وها أنت تهلين .. !
هى" مبتسمة " :
ـ عفوا .. خدعتك عيناك ، فالمسافة الزمنية بيننا ليست شاهقة .
هو " مقتربا منها ":
= أتمنى ألا تكون بيننا مسافات !
هى " فى نفسها " :
ـ من أول جلسة تريد أن تلغي المسافات
وكأنه أدرك ما يجول برأسها
هو :
= الناقد ، والفنان المبدع ، يجب أن تتلاشى المسافة بينهما .
هى :
ـ زدنى وضوحا
هو :
= أقصد أن ينكشف المبدع للناقد .
هى " فى نفسها " :
ـ تتلاشى المسافة بيننا ، ثم أنكشف أو أتعرى ، لك أو أمامك ، لا فرق ! ..إنه الثمن ! أقرأه فى عينيك الواسعتين ، النهمتين ، وفى نبرات صوتك ، إنه ثمن الوصول !!
لم أستبعد هذا الاحتمال ، ولكنى أرجأته ، وجعلته آخر الاحتمالات .
ثم لماذا تعزف على هذا الوتر من البداية أيها الناقد الكبير ؟
.. أعرف أن جواز مرور أى كاتبة يكون من خلالك ، أو بمعنى أكثر وضوحا أو صراحة أو وقاحة ، من خلال فراشك ! .. بالتأكيد تلك الستارة السميكة تفصل غرفة المكتب عن غرفة أخرى للنوم !" ( )
في المقطع الحواري السابق – تتحدد المهمة الفنية – وتتواجه الأشخاص تواجها حواريا مسرحيا . فينكشف كل منهما للآخر – وتستمر الأحداث فى تسلسل وتناسق مهم – وتبدو عملية التشويق أكثر إثارة – بعدما انكشف الشخصين وعرف كل منهما مضمون الآخر . ويلاحظ أن الحركة الشخصية معدومة تماما – وأن الحكي قام بعملية التواصل والانسجام بين الأشخاص وبين المتلقي وغاب دور المكان – المسرح – تماما – إلا ما جاء في بداية الحوار " فى الوقت الذى تعلن فيه الساعة المعلقة على الحائط عن الخامسة مساء بدقات رتيبة ومنتظمة ، تُسمع دقات ناعمة على الباب . كأنها نغمات ،......." ورغم أن الكاتب اقتصد كثيرا في الوصف الحسي واجتهد في ذلك إلا أنه لم يستفد من الشمولية المسرحية – التى يمكن أن يحتملها الحوار المسرحى ، وكان للعملية اللغوية – المهمة الأساسية في نقل الحركة الزمانية – وفي عملية التنسيق بين الحدثين – وفي عملية الفواصل المسرحية في الانتقال من عهد إلى عهد – ومن شخص إلى آخر ، ومن تركيبة نفسية إلى أخري .
وفي الحوار الثالث :
مازال مكان الحكي والتمثيل كما هو وإن اختلف التعامل الفني . فالأشخاص تنتقل من حالة إلى حالة ومن مرحلة إلى أخرى – فيتطور معها المكان ويتفاعل – ويكون تصرف الكاتب هو تحقيق التوازن في التدافع الحدثي للأشخاص – ومن ثم خلق عالم مسرحي رمزي منفصل عن الحاضر ، مرتبط بعملية الكشف الزمنية – التى سيقوم بها الحدث فيما بعد . غرفة أخرى تفصلها عن المكتب ستارة سميكة ، يقول الكاتب " يزيح الستارة التى تفصل غرفة المكتب عن الغرفة الأخرى ويدعوها لتتناول معه مشروبا "
وهنا يبدو الحوار متكفلا بأعباء العناصر الأخرى ، فهو يساعد في نقل الحدث – ويساعد على ارتياد آفاق زمنية متعددة المستويات ، ويقدم صورة واضحة عن الماضي الشخصي لكل من نجوى والدكتور .
ولم يحاول الكاتب الاستفادة من العوامل المسرحية التى حددها منذ البداية – وترك اللغة ومستوياتها الحوارية هى التى تقوم بعملية النقل – فالحركة الماضية – قام بها الترتيب الزمنى الماضي – والتنسيق الفني – المسرحي – قامت به العناصر الأخرى – [ الحدث – التشويق – اللغة – الوصف ] – وتميز الكاتب في العملية التقطيعية التى أدارها بين الأشخاص – فانتقل من مرحلة الحاضر إلى الماضي – في رشاقة ويسر دون ملل . وجعل هناك عمليات تواصل وانسجام بين الذات والواقع الماضي – ورغم أن الفصل والقطع يبدو موجودا وطاغيا ، إلا أن الحبكة الفنية في إدارة الحدث والشخصية سيطرت على وجود الوصف بكثرة . ومن المعالم الحوارية – النواحي الاجتماعية – منذ كشف الحوار الثاني والثالث عن ملامح مجتمع ممزق ، مجتمع الإقطاع والطبقات الاجتماعية المتفاوتة , فقدم تاريخا كاملا لحياة نجوى وكشف عن امتيازات طبقية كثيرة واعتداءات أخلاقية وعنصرية لا حد لها . وأعتقد أن ذلك من صميم العمل الفني – والعمل القصصي والمسرحي خاصة – الاهتمام بقضايا المجتمع – وأموره الدقيقة وتركيباته المختلفة . كذلك كشف الحوار عن شخصيات أخرى مثل عائلة نجوى وتهاويها فى الانحطاط الاجتماعي .
أيضا هناك الوجه السياسي والاقتصادي والفكري المسيطر على الأحداث والمحدد لحركة الأشخاص وتطورها وميولها .
ويلاحظ أن المشاهد تخللت الحوار – فهناك مشهدان رئيسيان – يحتويان على أكثر من خمسة مناظر يحكمها إطار واحد ، وهو كشف الحقائق الإنسانية للمجتمع – وتقديم ، الحالة النفسية والرمزية للأشخاص . وهي مواجهة حقيقية بين الشخص وذاته . وقد وازى الكاتب بين الحوار والوصف السردي.
يقول الكاتب في حوار بين الدكتور ونجوى :
" هو " متخابثا " :
= هل تعرفين القبر ؟
هى :
ـ أعرفه ؟ نعم أعرفه .. لا أحد يعرفه مثلى .. إنه يسكننى وأسكنه .
هو :
= أتخافين عذابه ؟
هى :
ـ ليس فيه عذاب .
هو :
= وما أدراك أن ليس فيه عقاب ؟
هى :
ـ كنت أعيش فى المقابر ، لم أر الثعبان الأقرع ، ولم أسمع طقطقة العظام ولا اختلاف الأضلاع ، ولا رأيت ملائكة العذاب ولا حتى ملائكة الرحمة .
هو :
= ما دينك ؟
هى :
ـ دينى ؟!
" لحظة صمت "
هو :
= لا بأس . هل تستطيعين أن تتذكرى تاريخ ميلادك ؟
هى :
ـ ميلادى !
[ لحظة صمت ]
ـ ميلادى الحقيقى – مع قرار الانفتاح الذى اتخذه الرئيس السادات
هو :
= والسنوات التى قبلها .
هى :
ـ الانفتاح يجُب ما قبله ! " ( )
وتبدو لحظات الصمت – والانتقال من حالة إلى أخرى – هي عملية تقطيعية – تضمنت الحركة المسرحية من خلال جذب انتباه المتلقي – بالإضافة إلى عوامل أخرى كالضوء والموسيقي .
وفي الحوارات الأخيرة : الرابع – الخامس – السادس :
يقدم الكاتب ثلاثة مشاهد حوارية قائمة بذاتها – كل حوار مشهد مستقل منفصل – وفي هذه المشاهد أو المناظر – اختلف المكان – وانتقل إلى الفيلا – محل إقامة نجوى ولم نشعر كثيرا بالاختلاف بين المكانين – فالوصف كما هو لم يختلف في الجوهر – وكان الاختلاف شكليا – من خلال صورة الرجل المعمم – الملصقة بالحائط
وجاءت الأحداث لتنوب عن الرتابة الوصفية المسرحية .
يقول الكاتب فى الحوار الرابع الذي دار بين الدكتور ونجوى :
" هو " كان طوال الطريق يفكر ، كيف يجذبها – إلى الفضفضة والبوح ، كيف تُسر له بخيبات نفسها وشروخ روحها ، وتطلعه – دون أن يستخدم الخمر وسيطا – على عالمها الغريب ، عالم غرائبى ومثير ، حالة خاصة جدا "
ـ كنت أظن أننى ... ، ولكن هناك من هو أسوأ ! ولم لا أفضفض أنا لها ، حتى تأنس لى ، وتفضفض .. ولماذا لا أكون أنا فعلا محتاج للفضفضة
هى " ضاحكة " :
ـ ألو .. نحن هنا .. أين ذهبت يا دكتور ؟
هو " ناظراً إليها " :
= كنت أفكر .. لماذا أنت وحدك – التى أريد أن أفضفض لها ؟
هي " بسعادة " :
ـ فضفض ؟! .. فضفض يا دكتور ؟! .. كلي آذان صاغية !
هو " ضاحكا " :
= الصواب مصغية .
هي :
ـ صاغية أو مصغية ، لا يهم ، المهم أن تفضفض ، والأهم أنك اخترتني من دون النساء جميعا لتفضفض لي .
هو :
= وكيف أفضفض ؟
هي " مطرقة رأسها قليلا ، ثم قائلة :
ـ وجدتها
هو " مبتسما " :
= ماذا يا نيوتن ؟
هي :
ـ فكرة رائعة ..
ـ اخلع نعليك ؟
هو " متلفتا ًحوله وضاحكا " :
= هل نحن بالواد المقدس ؟
هي :
ـ اخلع نعليك وتمدد على هذا السرير !
هو :
= ماذا ؟!
هي :
ـ لا تسيء الظن ، سأفعل معك كما يفعل أطباء النفس !
هو " ناهضا ، وخالعا نعليه ، وفاردا جسمه علي السرير" .
= ولكنني أريد أن أتوسد رجليك ، أو أن أدفن رأسي في صدرك وأفضفض . " ( )
وفي الحوار الخامس :
تبدو النزعة التمثيلية أكثر إحكاما وسيطرة – والمشهد التمثيلي هنا – يكمن في تحول الدكتور وتقمصه دور البستاني .
وفي هذا المشهد يتحول المكان إلى خارج الفيلا ويتحدد بحدود الحديقة . وتصبح المكونات البستانية من نباتات وورود وأشجار وممرات وقنوات . هي الخلفية المسرحية – أو العوامل التمثيلية المساعدة – وأدى الديكور أو التركيبة التنظيمية دورا مهما في عملية الإتقان كذلك الحالة النفسية والحنين إلى الماضي ومحاولة الخروج من الحاضر – والتحليق في آفاق مختلفة – أدى كل ذلك إلى تصوير وتجسيد المشهد تصويرا دقيقا .
يقول الكاتب :
" مدام نجوى حاملة صينية يعلوها فنجان قهوة .."
" تمسح بعينها الحديقة ..تنادى " :
ـ دكتور .. دكتور .. يا دكتور ؟!
" تندهش "
ـ عم سعيد ، أنت جئت يا عم سعيد .
" تقترب منه "
ـ ألم تر الدكتور ؟!
الفأس في يده تعلو وتهبط ، يُعملها في كومة السباخ ، أصداء ارتطام الفأس ، والحمحمة ، ورائحة السباخ والعرق .
مدام نجوى :
ـ عم سعيد ، ألا تسمعني ؟! .. ألم ترى الدكتور ؟!
" متوقفا عن العمل ، وواقفا ، يمسح عرقه بكم جلبابه ، تشهق ، تهتز يدها ، تسقط القهوة علي الأرض .."
ـ ماذا تفعل يا مجنون ؟!
" ضاربة كفا بكف ، ومستلقية من الضحك ؟!"
" يرفع " القلة " إلى أعلى ، يكب الماء في فمه ، تصعد حنجرته وتهبط مع ولوج الماء إلى بلعومه ، تنتفخ عروق رقبته ، يتكرع ..
= من قال : أن الماء عديم اللون والطعم والرائحة ؟!
"مازالت تضرب كفا بكف ، تضحك ، ضحكا متواصلا ، وكلما نظرت إليه ازدادت ضحكا " ( )
وأعتقد أن الوسائل المساعدة كان لها الأثر الكبير في إحكام المنظر التمثيلي – فالفأس والقلة – والملابس – والسباخ – وغيرها كانت ذات أثر كبير في تحقيق المرجعية الرمزية الواقعية .
وفي المشهد الأخير ، الحوار السادس :
تبلغ المكاشفة حدها ، ويتعرى كل من البطلين – ويقوم الحوار بجميع الأعباء التمثيلية فالمكان كما هو الحديقة – ولكن الحوار يقدم عن طريق البطل عدة أماكن منها ما هو رمزي ومنها ما هو حقيقي واقعي . وتؤدي اللغة دورا هاما في الانتقال والتصرف الزمنى – والعودة إلى الوراء – فالمقابر الرمزية – ومشهد الخصاء – هما عناصر الحوار – والحركة ، والتنسيق بينهما قائم على الانتقالات الحوارية النفسية الداخلية والخارجية .
ويعتمد الكاتب على المؤثرات الزمنية في خلق عالم تمثيلي يجسده الماضي البعيد ، والأحداث المثيرة – وكأن الزمن هو البطل – أو هو القائم بعملية التجسيد . ومن خلال الاسترجاع الزمني – يصبح التصرف التمثيلي والمسرحي أكثر مرونة – فالماضي يفتح طاقات زمنية ومكانية لا حد لها – لمن يستطيع أن يوظفها خير توظيف .
ومما سبق يتضح أن عملية التوظيف والاستفادة الفنية من عنصر الحوار تحددت في تقديم الشخصيات وكشف العمليات التطورية والانتقالية للحدث والمكان والزمان ، من خلال التعمق النفسي الدقيق للأشخاص – وكانت الواقعية النقدية هي احدى سماته – ولم يحاول الكاتب الخروج من هذه الدائرة إلا فترات قليلة – مما أصاب الحوار أحيانا بالرتابة وضعف الحركة ، ولولا التقطيع الداخلي وبراعة التنسيق ، لكانت السيطرة للرتابة والملل .
كذلك ارتبطت عملية التطور الفني للأشخاص – بالتطورات الداخلية في الحوار نفسه – خاصة وأن التحاور دائما ما كان بين اثنين فقط ولم يتجاوزهما إلا مرات قليلة . رغم الإطالة الملحوظة وسرعان ما تخلص الحوار من ذلك وأصبحت الخفة والالتزام هما من سماته الفنية – خاصة بعد أن تحددت الإشكالية الاجتماعية النقدية للبطل الرمز وللزمن الحر بفضل حُسن التوظيف للفعل الماضي أيضا النزعة التمثيلية واحتواء الفكرة الأساسية والمستوى الواحد القائم على الشكوى الزمنية ، والاسترجاعات الذهنية المنطقية ، مما جعل هناك مساحات حوارية مرتبطة بالتسلسل العقلي المنطقي – وإن كانت العاطفة موجودة أحيانا – في مناطق كثيرة – منها الوجدانيات القائمة على الحب والكره – والمكر – والتلويح بالصفات الغرائزية الجنسية ، التشويقية ، كل ذلك جعل الحوار مشحونا بجملة كبيرة من الانتقادات الاجتماعية المركزة والمنحصرة في التركيبة الزمنية الساخرة .






















اللغة الروائية
أ – لغة الحوار
ب – الأسلوب الفصيح والظواهر الأسلوبية
ج – الظواهر الأسلوبية
1 – ظاهرة التكرار أو الإعادة
2- ظاهرة التراكيب الشعبية
3 – الأسلوب الخطابي
4 – الكتابة المقطعة
5 – المصطلحات الأجنبية
6 – التصوير والتجسيد
















اللغة هي المادة أو الوسيلة ، التى يتعامل بها الناس فى حياتهم اليومية ، ومن ثم فهى وسيلة الأديب الوحيدة فى التعبير وتوصيل الأفكار ، وتحتل اللغة المرتبة الأولى في النص الأدبي وخاصة الرواية ، لأن الرواية فن درامي أساسه اللغة ، لغة السرد ولغة الحوار " ( )
وتقوم اللغة في الرواية بدور الكاتب ، وتحل محله ، في توصيل الفكرة والمضمون الروائي ، خاصة إذا تمكن الكاتب من تحقيق عملية الانسجام ، والتوافق بين الشخصية كعنصر أساسي في العمل الروائي ، وبين اللغة ، إذ من خلال تحقيق هذا الانسجام والترابط ، يمكن تحديد الهوية الشخصية ، وتحديد الأبعاد الداخلية والخارجية للشخصية ، وتحديد البيئة المكانية والزمانية ، إذن فالمحيط العام للشخصية متوقف على حُسن الإجادة اللغوية والتصويرية ( )
وأعتقد أن القاسم المشترك بين الواقع والفن القصصي والحواري يكمن في النسبة التعادلية القائمة على النقل الأمين ، والتوظيف الصادق للواقع الطبيعي والمُعاش ، مع الحفاظ على تقاليد وأعراف الشكل الفني الخاص بالتجربة ، وذلك يقتضي بالضرورة لغة ، تتصف بالصدق والأمانة ، فتكون مطابقة للواقع الذي تحاكيه ، والشخص الذي تنوب عنه ، والطبيعة التى تصورها ، والحياة التى تجسدها ، وتختلف باختلاف الواقع والشخص والقضية ، اختلافا سلوكيا واجتماعيا ، وليس اختلافا لغويا .
وانطلاقا من هذه الأهمية للغة ومستوياتها ، فإن اللغة في زمن نجوى وهدان ، لغة واقعية اعتمد فيها الكاتب ، على محاكاة الواقع وتصويره ، داخليا وخارجيا ، من خلال الأبعاد الاجتماعية والنفسية للأشخاص .
لغة الحوار :
المتأمل في لغة الحوار في رواية زمن نجوى وهدان ، تبدو له من الوهلة الأولى ، الإشكاليات اللغوية المتعددة ، فالكاتب ألزم نفسه مستوى معين من الواقعية – وقيد أشخاصه بقيود نفسية جعلت اللغة تتأرجح بين الخيال الماضي والذكريات – وبين الواقع المُعاش المرفوض .
ومن هنا فإن اللغة متعددة الأساليب والأنماط ، فهناك الأسلوب الفصيح – والأسلوب الشعبي الفصيح – والأسلوب العامي – وهناك الألفاظ الأجنبية ، وقد حاول الكاتب الجمع والتوفيق بين هذه الأنماط اللغوية داخل الحوار ، ولكن السرد القصصي حال دون تحقيق الاسترسال اللغوى الحواري ، فأحيانا يكون الحوار لتخفيف حدة الصراع ، وفك الاشتباكات النفسية المتأزمة لدى الأشخاص ، وأحيانا أخرى يكون وسيلة فنية يتوسل بها الكاتب لإقناع المتلقي بحالة لغوية خاصة جدا ، أيضا من الأساليب التى لجأ إليها الكاتب – عملية التكرار للجمل و الألفاظ والحالة الحوارية ، دون الاستفادة من ذلك ، أو دون تعظيم هذه الاستفادة .
هذا الحكم إذا نظرنا إلى كل نمط أسلوبي لغوى منفصل ومستقل ، مما يصيب العمل بالاضطراب والخلل ، من وجهة نظر البعض ، أما الرؤية الكلية الشاملة العامة لكافة العناصر الأسلوبية وتوظيفها وتناغمها مع بعضها البعض – يجعل الترابط اللغوى عملية محكمة البناء لدي الكاتب – والرواية عدة مشاهد ومناظر حوارية ووصفية – مختلفة – هذا الاختلاف الشكلي والاتفاق الضمني – أدى إلى وجود مستوى لغوى ثابت يجمع العصر والشخصية ، من البداية حتى النهاية – فاللغة ترقى وتتطور داخل العمل – بتطور الشخصية .
هذا وقد اعتمد الكاتب على الحوار كثيرا فى تحمل أعباء القص – فجاء في معظمه مُحملا بمهام قصصية ونفسية وصراعية ثقيلة جدا ، مما أضفى على اللغة بُعدا حزينا تارة وتعسا تارة أخرى ، واستجدائيا أحيانا ، خاصة عند مشهد الخصاء .
الأسلوب الفصيح والظواهر الأسلوبية :
كثر اعتماد الكاتب على إيراد جملة كبيرة من الأساليب الفصيحة واستعمالها – ولم يكن الأسلوب الفصيح هو الأسلوب الذي استأثرت به الرواية , فهناك عدة أساليب وظواهر لغوية اعتمد عليها الكاتب ، وكان تعامله معها حسب مقتضيات الفن ، ومجريات الأحداث واقترب الحوار بخصوصيته اللغوية من الشخصيات والأحداث ، فوصف أفكارهم ومعاناتهم وسلوكهم وقضاياهم الفكرية والروحية .
وحاول الكاتب كثيرا أن يمزج فى لغته بين مستويات عديدة من الأساليب ولكنه آثر أن يجعل هناك انسجاما بين الشخصية واللغة ، فوجدت عنده اللغة العربية الفصيحة والأساليب البيانية الرشيقة ، ووجدت الألفاظ الصحيحة المستمدة من العامية .
والألفاظ الضرورية المستعملة في الموروث الشعبي والعامى , واستطاع أن يقيم علاقة لغوية مستقيمة بين أشخاصه وأحداثه ، ومجتمعات وبيئات وأماكن هذه الأشخاص والأحداث .
ومن هنا فقد تعرضت فى هذا المبحث لبعض الظواهر الأسلوبية التى اعتمد عليها الحوار والسرد وكان من بين هذه الظواهر :
1- التكرار أو الإعادة.
2- التراكيب الشعبية
3- الأسلوب الخطابي
4- الكتابة المقطعة .
5- المصطلحات الأجنبية .
6- التصوير والتجسيد .
1- التكرار أو ( الإعادة ) :
التكرار غرض بلاغي من أنواع الإطناب ، يؤدي فائدة في الكلام إذا كان لغرض معين وقد لجأ الكاتب إلى هذه النكتة البلاغية لتأكيد أشياء ونوازع وصفات وأفكار بعينها في الشخصية وفي الحدث ، والتكرار أو الإعادة ، ظاهرة أدبية شائعة في النصوص الحوارية وأعتقد أن الواقعية اللغوية كانت الدافع الأول لدي الكاتب في توظيف هذه الظاهرة . فالمخاطبات الشعبية تلجأ إلى مثل ذلك أحيانا كثيرة ، فالفقر والتردي الاجتماعي في المجتمعات أحد هذه الأسباب ، فهي مرتبطة بالتفاوت الطبقي داخل المجتمع .
وبالنظر لأشخاص الرواية نلاحظ ، أنهم قادمين من بيئات اجتماعية منسحقة ماديا وفكريا واجتماعيا ، وهم كذلك مصابين بالانهزامية والسقوط ، رغم ذلك فإن ظاهرة الإعادة ملحوظة صوتية مشتركة بين الكاتب وأشخاصه .
فمثلا في الحوار رقم -1- بين الناقد والسكرتير في معرض الحديث عن السيدة التى جاءت وتركت خطابا لحين عودتها مرة أخرى لمقابلة الناقد – فقد أطلق السكرتير حكما عاما على هذه السيدة .
هذا الحكم المفروض أنه عام – لكن الإعادة والتكرار جعلته خاصا ، ومفتاحا يلفت نظر المتلقي إلى نوعية الزائر ، يقول الكاتب على لسان السكرتير :
"- امرأة ، نصف جميلة ، نصف موهوبة ، نصف مثقفة ، نصف متعلمة ، وثرية!"
وفي موضع أخر يرد الناقد بعد أن كون ملمحا عاما فيقول :
" إذن . لا تقل نصف جميلة ، نصف موهوبة ، نصف مثقفة ، نصف متعلمة . ولكن قل : جميلة ، وموهوبة ، ومثقفة ، ومتعلمة . " ( )
ويلاحظ أن كلمة نصف – جاءت مثبته أربع مرات ومنفية بنفس العدد . فضلا عن أن تكرار النصف كقيمة حسابية عددية كانت أم مساحة – لا يبقى منه شئ على الإطلاق ، خاصة إذا كانت صفات الجمال والموهبة والثقافة والتعلم لازمة ومرتبطة ببعضها البعض .
ولعل الإثبات الأول والنفي الثاني كان سببا مباشرا في عملية التقديم للمكونات الشخصية للمتحاورين ، يؤيد ذلك الاستدراك والقول الأخيرين .
وأيضا هناك كلمات بعينها تكررت كثيرا في مواضع مختلفة من ذلك كلمة "ثرية " و " ماطا " و" موهوبة " و " العقد " و " المال " و " الكأس"
" بوحي " " القبر " " الدين " " ديكتاتور " " أفضفض " " الوجهاء " .
وهذه الكلمات منها ما هو مكرر في موضع واحد مرات عديدة ، ومنها ما هو مكرر بغرض إعادة الصوت والتأكيد على معناه .
فمثلا كلمة – المال والكأس – والقبر – وموهوبة – بوحي ، هذه الكلمات وغيرها كررت في موضعها كثيرا . بغرض التأكيد والتنبيه على فرضية خاصة في الشخصية ، فالمال مطمع لكل منهما ووسيلة ستدفع عنهما التدني الاجتماعي – فهو هام بالنسبة لهما والكأس وسيلة من الوسائل المكتسبة في عملية التطور– والقبر حالة نفسية ملازمة للشخصية – وبوحي بلفظها ومعناها مرحلة من مراحل المواجهة والبحث عن الأسرار المتعلقة بالماضي وتركيباته الأخلاقية .
وهذه الظاهرة في مجملها ظاهرة ايجابية خاصة لو استطاع الأديب النابه الاستفادة منها وأحسن توظيفها فنيا وأسلوبيا وصوتيا . وهي ظاهرة واضحة تمام الوضوح في رواية زمن نجوى وهدان – وموقف الكاتب منها ايجابي إلى حد ما ، لأن الحوار المسرحي والحدث المتأزم والصراع الدائر كانت عوامل فنية ساعدت في إخفاء أصوات وألفاظ كثيرة ، قامت مقامها هذه الكلمات أو الجمل المعادة .
ومهما يكن من أمر فإن ظاهرة الإعادة – أو التكرار – واضحة ولجأ إليها الكاتب بهدف التنبيه على الفكرة والمعنى والصوت والصفة الأخلاقية في الشخصية . فمثلا جملة هادئة ناعمة . صـ29 وجملة " طبيب . طبيب نفسي لا بأس . هو متقمصا دور الطبيب النفسي " صـ40
و" القبر . القبر لا يفارقني – وجملة اختلط الضحك بالبكاء " صـ 60 – أقول تمثل هذه الإعادة أصواتا لغوية لها أبعادها الموسيقية ، التى تكشف تارة عن جمال الجرس اللفظي وعن الحالة النفسية للموقف الشخصي تجاه الحدث ، وتارة أخرى تكشف المهارة اللغوية الصوتية لدى الكاتب .
وقد لجأ الكاتب إلى ألوان عديدة في الإعادة ، فهناك إعادة للصوت – والكلمة – والجملة والمعنى والموقف – ورغم ذلك لم يقع في الاضطراب والقلق الذي يمكن أن تحدثه الإعادة .
أيضا تعلقت الإعادة في أسلوب الرواية ، بالنواحي الوجدانية للشخصيات ، فكشفت عن العاطفة الحسية ، والقلق النفسي والبحث عن الثقة المفقودة بين أشخاص الرواية .
2- التراكيب الشعبية :
لجأ الأديب مجدي جعفر إلى إيراد جُمل وتراكيب شعبية في حواراته – واستعان بها وكانت سببا في الإقتراب من عالم الشخصية ، وتحقيق البُعد الواقعي للشخصية والمجتمع معاً . هذه التراكيب التي وردت في الحوار والسرد – كشفت عن تعدد المستوى اللغوي ، داخل الشخصية ، فالشخصية التى نطقت الفصحى والتعابير الرشيقة ، هي نفسها التى أورد على لسانها الكاتب بعض هذه التعابير والجمل الشعبية.
من ذلك :
= أيوه كده ، اشرب ، قربع ياجميل ؟! صـ27
= أقول لك ، شوفي يا ستي صـ27
ـ يخرب بيتك يا دكتور ، كل هؤلاء قدرت عليهن!! ناولنى كأسا ليلتك " للصبح " صـ27
- " هى دى مصر !" صـ29
= والعبد لله هو الذي يعتمد الأديبات اللائى يفدن إلى مصر !
بوحى . ب . و . ح . ى . ى . ى . صـ34
- من مشرحة فى مستشفى !.. وربما لقمة فى حنك أرملة تصير شبحا .. أو جنيها فى جيب موظف .. أو .. أو .. صـ41
والله حيرتنى . صـ66
ـ والله " برافو " عليك ، أنت تلميذ المرحوم صح . صـ78
هذه التراكيب منها ما هو شعبي فصيح ومنها ما هو عامي مستمد من اللغة العامية المتداولة وأعتقد أن مجدي جعفر لجأ إلى هذا التصرف بدافع من الواقعية اللغوية – والواقعية النفسية للأشخاص المتحاورين ، لأن في مثل هذه الأحوال ، تكون اللغة الشعبية غير المبتذلة قادرة على التصوير وكشف النواحي النفسية في كثير من المواقف ، ودفعت الكثير من الملل الناتج عن المخاطبة الفصيحة في مثل هذا الجو – كذلك كانت هذه التعابير حدا فاصلا بين لغة الكاتب وأسلوبه وبين لغة الأشخاص في حالات الضعف والتمرد النفسي والأخلاقي .
3 - الأسلوب الخطابي :
ظهرت النزعة الأسلوبية الخطابية في مرات ليست قليلة ، وتعلقت بموقف الكاتب نفسه من القضايا المطروحة ، فأحيانا نشعر داخل الحوار أو السرد أن الشخصيات ناقلة فقط لأراء وانفعالات مجدي جعفر ، خاصة أن الموضوع الروائي متعلق بقضايا اجتماعية وسياسية وفكرية ، وقائم على النقد الاجتماعي ، فتحول الانفعال المستمد من الصراع الروائي إلى حماسة وغضب ، وعلى ذلك جاءت اللغة الكتابية هي لغة الرواية عامة . لا لغة الموقف أو الحدث ، فبدت الواقعية اللغوية الداخلية للرواية مترابطة – الوحدة – والفكرة – متناسقة – مما أبعدها كثيرا عن ما ألزم الكاتب به نفسه وهو التزام الواقعية اللغوية النقدية المتعلقة بالتاريخ والزمن والمكان .
والذي خفف من حدة الأسلوب الخطابي أنه اقترن بمواقف في شخصية الدكتور ليست تطورية ولا انتقالية ، مثل – لعنة الله على نوادي الأدب إنها هدر للمال العام صـ6
= كم من الآثام تُرتكب باسمك أيها الفن المخاتل ، أيها الفن المراوغ الجميل ، ولكن لا بأس ، إنها ثرية ! صـ8
وقوله :
= بل أنتِ موهوبة ، موهوبة ، وموهبتك فى القص ليس لها مثيل فى بنات ونساء العرب من المحيط إلى الخليج ! صـ13
وقوله :
= أنا الجواهرجى !!
= جبت مصر من أقصاها إلى أقصاها ...." صـ14
وقوله :
= ولكننى أراك ، فهاتان عيناك السوداوان الجميلتان ، وهاتان شفتاك القرمزيتان الدقيقتان ، وخداك المتوردان ، وجبتهك العريضة بلون الفضة ، وأنفك العربى ، الشامخ " صـ18
وقوله :
= لنكن صرحاء ، توفر المال ، والجمال ، والموهبة ، فى شخص واحد يكاد يكون معدوما ، بل مستحيلاً ، من خلال .. ملاحظاتى ، ومشاهداتى ، ومتابعاتى ، وقراءاتى ، وتجوالى ، وخبراتى التى تراكمت عبر سنين طوال ، أجزم باستحالة تجمع هذه النعم الثلاث فى شخص واحد . ولكن أنا لا أستطيع أن أكذب عينىّ ، فها أنت أمامى ، وعينى لا تخطئ الجمال ، وحدسى لا يخطئ الموهبة ، أنا أستطيع أن أشم الموهبة على بُعد أميال ، شممت موهبتك قبل عطرك ، وموهبتك أنفذ ، ملأت خياشيمى ، وتسللت إلى قلبى وعقلى قبل أن يتسلل عطرك إلى أنفى ، قبضت عليها من السطور الأولى ، ثم تأتى لتضيفى عطية ثالثة من عطاء الرب لك وهى المال .. هذا كثير ! " صـ20-21
وهناك صفحات ومواقف كثيرة لا تخلو من النزعة الخطابية ، وأعتقد أن الكاتب لجأ إلى ذلك منذ البداية لملأ الفراغات النفسية بين الأشخاص واستعراضا لمواقفهم وحياتهم .
وتطورت هذه النزعة في شخصية بهاء وشيخ القبيلة بشكل خاص ، رغم عدم ظهورهما في مواقف كثيرة – ولعل المناسبة التى اقترنت بكل منهما ، هى التى أضفت تلك النزعة على الأسلوب – فبهاء ظهوره مقترن بالتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية – ومدى الاستفادة من مثل هذه المتغيرات.
انظر صفحات 46-47-48- تأمل في المنزع السياسي والفكري تلاحظ أن علو الصوت وارتفاعه مرتبط إلى حد كبير ، بعلوه وارتفاعه اجتماعيا وانفتاحيا .
وكذلك شيخ القبيلة – لغته وأسلوبه – هى لغة الخطيب المحذر والمنبه – وليس لغة أب تخلف عنه ولده ، بسبب الاختلاف في الرأي والمعتقد .
يقول الشيخ :
-- ومن يدرى .. قد يتجرأ فلاح في قادم الأيام علي إغواء فتاة من فتياتنا ، وأشار إلىّ .... " صـ96
ومع شيوع الأسلوب الخطابي الحماسي في كثير من المواقف فإن الكاتب حافظ على المجانسة اللفظية للموقف – بعيدا عن الأشخاص ومستواهم الفكري والطبقي ، فجاءت الألفاظ في معظمها مساوية للمعنى والمضمون .
4 - الكتابة المقطعة .
أورد مجدى جعفر في كثير من حواراته ونصوصه – كلمات مكتوبة بطريقة التقطيع – فيبدو الاسترجاع الصوتي واضحا ، ولذلك دلالة فنية وهي أن مثل هذه الظواهر تساعد على فهم المقاصد العامة للشخصية والحدث ، وتحدد المكونات الأخلاقية والثقافية بكل أبعادهما النفسية للحوار والسرد .
من ذلك قول نجوى :
ـ م .. س .. ا .. ء .. الخير صـ12
وقول الدكتور لنجوى :
= بوحى . ب . و . ح . ى . ى . ى . صـ34
وقول سامى مثأثئا:
- أ..أ..ن .. أ..أ..ن ..ا .. " حالة ارتباك " صـ74
وحالة ارتباك أخرى تصيب الدكتور : أ..أ..ن .. ا أنا الليلة السيد صـ85
حالة من الضحك : " هئ هئ هئ هئ " صـ78-89-90-96
وإعادة الصوت عن طريق الكتابة المقطعة ، وتنوعه بين الضحك والبكاء والارتباك والتنغيم ، هى إحدى الوسائل الفنية الصوتية ، التي تساعد في فتح طاقات داخلية داخل الحوار ، وتجعله يستوعب وجدانات مختلفة .
واهتم أيضا الكاتب بعملية الضبط لهذه الكلمات وجعل تكرار الحرف الواحد داخل الكلمة أو نهايتها ، لدلالة صوتية داخلية ، فرأينا حروف الألف والياء والواو هي الأكثر دورانا في هذه الظاهرة – وغير خفي ما لهذه الحروف من دلالة صوتية فائقة مستمدة من اللين والمد داخل الصوت .
5- المصطلحات الأجنبية .
أورد مجدى جعفر مصطلحات وكلمات أجنبية داخل الحوار والنص السردي
من ذلك وصفه الأثاث داخل المكتب وتحديد نوعية المقاعد فقال :
" أمام المكتب . كنبة كبيرة ، وأربعة كراسى "فوتيل " ، وفى الوسط ترابيزة متوسطة الحجم ، يعلوها مفرش " الكنافاه " وفى الأركان نباتات الزينة ، وأصص الزهور . " صـ5
- يدخل السكرتير حاملا فى يده حقيبة "سمسونيت " وخلفه الناقد الكبير .
" يضع السكرتير الحقيبة على المكتب ، ويمضى إلى الشباك ، يزيح الستارة .
" يخلع الناقد الكبير " الجاكت " صـ5-6
مدام نجوى قائلة بالفرنسية مرسي صـ12-52
الجواهرجي – صـ14 برنسيسات صـ26
الديمقراطي صـ48
وعند وصفه للفيلا أحصى ما في الطابق الثاني قائلا :
مكتبة كبيرة ، تليفزيون ، فيديو ، جهاز كاسيت ، بيانو ، مكتب فخم أمامه بضع كراسى وثيرة ، وفى جانب من الغرفة سرير .صـ51
دكتاتور صـ53 – عصا الشيخ الأبنوس صـ62
مدام نجوى قائلة بالإنجليزية – أوكيه صـ72 ، برافو صـ78 الإسطبل صـ97
والملاحظ على هذه الكلمات أو التعابير أنها موزعة بين لغات ثلاثة – الإنجليزية والفرنسية والتركية – وأنها كذلك موزعة بين اللقب والمصطلح والنوع .
وجاء ذكر هذه الكلمات ليس لغرض الحشو وعرقلة الحركة الحوارية وإنما وردت لتخفي وراءها ملمحا هاما في الشخصية ، انظر إلى كلمة جواهرجي – المغرقة في التركية وكلمة الإسطبل – أيضا- وغير خاف المعاني الأولى لهاتين الكلمتين ، ولكن إيرادهما وتوظيفهما بهذا الشكل يعطي للنص بُعدا واقعيا ساخرا .
والكلمات الإنجليزية والفرنسية : المفروض أنها تعكس النواحى التثقيفية في الشخصية – لكن الكاتب بتدخله وإلحاقه الكلمة إلى لغتها – جعل هذا التوظيف يفقد معناه أحيانا .
6 - التصوير والتجسيد .
إذا سلمنا أن الحركة والحدث مكونات أساسية تتشكل منها الصورة الفنية ، فإن كل عمل أدبي يحتوى صورا من الحركات والأحداث ، هذه الصور هي التي تشكل الفن بمفهومه الدقيق ، كما أن كل عمل أدبي ، يشتمل على صور من الأشياء والشخصيات وهي التى تمثل في العهد الراهن ، ما يطلق عليه الوصف ، ذلك على الرغم ، من أن هذه الصور شديدة الامتزاج ممتدة على مدى العمل السردى .( )
وترتبط الصورة الفنية في الرواية باللغة التصويرية ، ذات العناصر الأسلوبية العميقة ، وذلك إذا تبنى الكاتب الرمز كأحد دلالات الصورة ، وتبدو الأشخاص مرتبطة بهذه الصورة ، حيث تدل على السمات الخفية فيها وتبرزها ، وتدل على انعكاس الأحداث عليها ، وتذهب الصورة إلى أبعد من ذلك ، فتصف الواقع وتحدده وتجسده وتعطيه أبعادا حركية ، يكون لها الأثر المباشر على الأشخاص .( )
وفي رواية زمن نجوى وهدان – اعتمد مجدي جعفر على التصوير والتجسيد كعنصرين من عناصر الأسلوب اللغوي ، وجاء الحوار والسرد الوصفي مشحونان بالعناصر الوصفية المعتمدة على التقاط الصور والأحداث والحركات والأشخاص ، ومن ثم تجسيد البيئات المختلفة ونقلها من الواقع وتحويلها إلى مادة تصويرية عميقة الأثر .
ولم يختلف تعامله مع الأشخاص ، فالتجسيد والوصف بالكلمات هما ركيزتاه في تكوين البُعد الاجتماعي والنفسي للشخصية ، كذلك عملية النقل والابتكار للحدث وتداعياته كان للتصوير الأثر الكبير في شحنهما بالمؤثرات والعوامل المرموقة شكلا وموضوعا .
يقول الكاتب ، مصورا اللقاء الأول بين نجوى وهدان والناقد :
" يندفع الباب بحذر ورفق ، ومن انفراجة صغيرة بالباب ، يتسلل عطر أنثوى يملأ الغرفة ، وساق بيضاء ملفوفة ، لا شوائب فيها ولا زغب "
" الناقد مادا عنقه ، ومبحلقا بعينيه ، وموسعاً طاقتي أنفه ، ومُهدلا شدقيه .. "
" فرحة هى بآثار فتنتها عليه ، وتفرج ثغرها المكتنز عن ابتسامة حلوة ، وبنظرة سريعة ، كالومضة ، تشع سحرا .. " ( )
في المقطع السابق ، قامت اللغة التصويرية ، بوظائف إيحائية كبيرة ، وجاء الوصف مكتنزا بألفاظ الرقة والجمال ، وأكمل التجسيد الوصفي لحالة الناقد الأركان العامة للصورة عند اللقاء الأول ، والدليل على ذلك – تسلل العطر الموصوف بالأنثوى – لا شوائب فيها ولا زغب وكلمات : مادا – مبحلقا – موسعا – مهدلا – وقوله نظرة سريعة كالومضة تشع سحرا ، هذه التراكيب والكلمات أضفت أبعادا فنية وتصويرية في الشخصية عامة وقامت بفتح نوافذ إيحائية تجسيدية لحالة هذين الشخصين .
وفي موضع آخر تأتي الصورة متناقضة تماما مع ما سبق :
يقول الكاتب مستنطقا الناقد بوصف جمال نجوى : - ولكننى أراك ، فهاتان عيناك السوداوان الجميلتان ، وهاتان شفتاك القرمزيتان الدقيقتان ، وخداك المتوردان ، وجبتهك العريضة بلون الفضة ، وأنفك العربى ، الشامخ " ( )
والتناقض في الوصف يبدو واضحا – فالوصف الأول – اختص به السرد – والثاني ورد في الحوار وكلاهما تعلق بوصف الثغر مكتنزا وفي الحوار جاءت الشفتان قرمزيتان دقيقتان " وغير خاف ما بينهما من تناقض .
وفي معرض تصويره لملامح " هند " يقول الكاتب على لسان الناقد :
" بنت فلاحة ، تحيك الثوب ، وتطعم الطير ، وتكنس الدار ، وتربى الماشية ، عفية كالمهرة ، وسامقة كالنخلة ، ذات عينين سوداويين وشعر أسود فاحم " ( )
ويقترب التجسيد والتصوير ويتطابق مع الواقع في هذا الوصف ويكون أكثر دقة عندما ارتبط الجمال الوصفي بالعوامل البيئية لحياة الموصوف .
وقول نجوى : " ـ كنت أحبو بين المقابر .
القبر – القبر لا يفارقني
وهنا تؤدي الصورة بُعدا مأساويا واقعيا فالقبر برمزيته المرادفة للموت والمتناقضة مع الحياة ، هو البيئة الأولى – وهو ملازم لها دائما .
وفي موضع آخر تبدو الصورة الفنية إحدى العوامل المساعدة في توضيح الحدث ومأساته وتكشف عن الصفات الأخلاقية للمجتمع وترديه – يقول الناقد ، مصورا الانعكاسات النفسية عليه وهو مُساق للخصاء :
" احتضننى الخوف ،
تحلقوا حولى ، وتكاثروا علىّ ،
جرونى إليه
أحكم قبضته القوية حول معصمى ، لم أُبدِ مقاومة .
سحبنى إلى إسطبل الغنم والجداء ..
دفعنى إلى الإسطبل وأغلق خلفه الباب ، مكثت يوما أو بعض يوم
حتى كان مساء اليوم التالى " ( )
وهنا يبدو التصوير والتجسيد عاملا مهما في نقل الحالة النفسية من الداخل ومدى تأثير الحدث وتغلغله اجتماعيا وفكريا في نفس الشخصية . ولعل أسلوب المناجاة والاسترجاع الذهني زاد من عمق المأساة . وساعد في تأكيد الربط الوجداني بين ردود الأفعال ونمو الحدث وعلاقة ذلك بالشخصية .
وفي النهاية فإن اللغة المستعملة في التصوير لغة واقعية وسطى بين الكاتب وشخوصه ، وأن الوصف والتصوير ارتبط بالشخصية والحدث في أحيان كثيرة , وتناقض في أحيان أخرى واستأثر السرد بالتصوير واللغة الإيحائية نظرا لتمكن الكاتب منه فبثه كثيرا من آرائه ومواقفه .














5- الزمان وأثره في البناء :
تفاعل الرواية وأحداثها مع الزمن ، بدرجة كبيرة يوحي بأن الشخصيات ، ليست كائنا ماديا من لحم ودم فقط ، بل هي جملة من التشكيلات والدلالات الاجتماعية والتاريخية والنفسية الدقيقة ، التى تشير بدورها إلى مجموعة من الأحداث المرتبطة بالمكان والزمان واللغة – ومن هنا فإن دراسة الزمان ، على أنه ليس مادة ولا حدثا ، ولا علاقة ، بقدر ما هو ضرورة من ضرورات العقل والحواس والإدراك ، يجعلنا نقترب من الوقوف على تحديد التجربة البشرية في أدق صورها ، وموازنتها بين الممكن وغير الممكن .
كذلك دراسة الزمان تكشف الكثير والكثير من مكونات الشخصية ، وتحدد مسارها واتجاهاتها وتبين من خلال العلاقات المختلفة للزمان ، من حيث نوعيته ككونه تاريخي أو ديني أو نفسي أو اجتماعي أو فلسفي أو كل ذلك ، قدرة الكاتب المبدع في قيادة هذا الزمن وانتباهه دائما ويقظته عند المواءمة بين زمنين مختلفين ، أو عصرين متتاليين ، بينهما أوجه اختلاف واتفاق .
وأول ما يلفت الانتباه في هذا العمل هو العنوان وتركيبته القريبة في نسقها العام ، البعيدة في دلالتها الإسمية ، فلفظة زمن اسم ، للقليل أو الكثير من الوقت ، ونجوى وهدان تركيبة اسمية ترمز إلى بطلة الرواية ، وأنها حالة من حالات الضعف المجتمعي وتحولاته وانفعالاته المختلفة ، ما قبل الثورة وما بعدها حتى عصر الانفتاح ، إذن هي إفراز من إفرازات العهد السابق لتحرير الشخصية المصرية ، واختيار الكاتب لهذا التركيب ليكون مدخلا لعمله ، ليس للصدفة فيه دخل ، بل إن هناك حوافز كثيرة ، كانت وراء هذا الاختيار ، من ذلك اقتران نمو الشخصية بالفن والأدب ، وربط ذلك بشخصية أكثر ضياعا ، وانسحاقا ، هي شخصية الناقد أو الدكتور – الذي يمثل وحده شتاتا نفسيا لا حد له ، مما جعل هناك انسجاما تاما بين الشخصيتين ، فكلاهما صورة من صور الضياع ، والشتات الاجتماعي المختلف .
وإذا لجأنا إلى بعض مقاطع الرواية نلاحظ ذلك بوضوح :
تقول نجوى في إحدى جلساتها مع الناقد :
" ـ كنت أحبو بين المقابر .
ويُحكى أن أمي ، كانت تأتى آخر الليل عندما تعود من العمل فى الغيطان أو فى دور الموسرين . تجدنى قد دخلت قبرا مفتوحا ، وغلبنى النعاس ونمت فيه ."
ـ قُـدر لنا أن نعيش مع الأموات ، فالمسافة بيننا وبين القرية ، تزيد عن الثلاثة كيلومترات ."
ـ فى المدرسة . كنت أجتذب البنات بحكاياتى ، وخيالاتى ....
.. عرفت كيف أستقطبهن ، وكيف أستثمرهن . أحكي لهذه همسا بأن أبيها فى الجنة ، وأن ابا البنت التى لا تحبها فى النار "
وقد تمت الإشارة من قبل في هذه الدراسة إلى هذه المواقف وغيرها – التى توضح نشأة نجوى الأولى وارتباطها بزمن القهر والتخلف الاجتماعي ، وهذه الفترة الزمنية ظلت ملاصقة لها طيلة الرواية ، ولم تختلف نشأة الدكتور عن ذلك ، فهي ذات النشأة مع اختلاف الصورة .
ويقول : وانحسرت حياة أبي في زرائبهم واسطبلاتهم لا يغادرها إلا في ساعات قليلة كان راضيا ، وقانعا ، خادما أمينا ، لم يتطلع يوما إلى ما منّ الله به على مخدومه من خير وفير ورزق كثير . "
هذا الارتباط والاتحاد بين الشخصيتين في الزمن الماضي ، كان الكاتب موفقا فيه إلى حد بعيد ، فالتصريح ليس فيه مفاجأة ، وليس فيه تمييزاً لأحدهما عن الآخر ، وأظن أن هذا ما أراده الكاتب حيث عمد إلى تعرية فترة زمنية بعينها من خلال نموذجين ، تجمع بينهما عوامل اجتماعية واحدة هذه العوامل ظلت ممتدة رغم كل التحولات الاشتراكية والرأسمالية ، والانتقال إلى عصر الانفتاح الحر المباشر ، الذى لمسه وعايشه العامة .
وكل ما تقدم رغم ما فيه من مقدرة فنية وإشارات زمنية ، استغلها الكاتب ، مستفيدا من التركيبة الاسمية ، التى تدل على الثبات ، ثبات الماضي ، وعدم القدرة على تخطيه إلى آفاق المستقبل ، يدل على جملة هائلة من الارتباطات ، في المواقف الواجب اتخاذها لمواجهة الحاضر وتحدياته ، فهناك ارتباك فكري وثقافى واضح ، وهناك ارتباك اجتماعي ، وهناك خلل إداري ، مما يوحي بصعوبة الإصلاح .
وفي هذه النقطة يمكن القول بأن الكاتب قام بعملية توفيق ، بين ماضي مختلف في أحداثه وسماته ، وبين حاضر مهترئ مستحدث ، ليبرز عملية الارتباك الفكري والثقافي وتدني المسئولية إلى أبعد مدى ، ساعده في ذلك ، اعتماده على خاصية الاسترجاع الذهني الزمنى ، من خلال الشخصيات وانتماءها للماضي ، وعدم قدرتها على تخطي ذلك الماضي .
وهذا التصرف جعل الكاتب محصوراً بين أو داخل زمنين محدودين ، الماضي البعيد الذي يمثل القهر والتخلف ، والحاضر الممزق ، الذي تسيطر عليه عوامل التطور الفاسدة ، ولم ينجح في أن يبرح هذه المنطقة الزمنية ، ولم يقدم الحلول الفنية أو المنطقية ، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى قناعته الشخصية ، بالرفض لهذين الزمنين ، وعدم المشاركة فيهما ، فهو يعمد إلى فضح الماضي وسلبياته ، ويرفض الاعتراف بالحاضر ، ويكشف الحوار في الرواية عن ذلك ، تقول نجوى وهدان :
ـ رغم كل شئ ما زال الزمن زماننا
هو " ضاحكا " :
= زمن بنت الترابي !
هى " ضاحكة " :
ـ وابن الكلاف !
[ تصب له كأسا ، ولها كأسا ..]
ـ فى صحتك
[ يطرق كأسه بكأسها ]
= فى صحتك
[ عيناه فى عينيها .. وكفه فى كفيها ... ]
هى :
ـ ما رأيك ؟!
هو :
= فى ماذا ؟
هى :
ـ أنت تملك القلم
هو :
= وأنت تملكين الفلوس ."
ويرتبط الزمن بالأسلوب واللغة – فهما جناحيه اللذين يحلق بهما عبر المستويات الزمنية المتعددة ، وللأسلوب الروائى طريقتين أو نمطين يعبر بهما وهما الحوار والوصف – القائم على النزعة التفسيرية لأمور دقيقة ، وأول ما يتضح أن الحكي بطريقة الاسترجاع مسيطر على جو السرد والحوار ، وأن الزمن الماضي بمساحته الشاسعة ، هو القائم بعبأ النقل . وأن الزمن الحاضر أو المستقبل شبه مغيب ، فنجوى تتخذ من ماضيها ، وما فيه من مآس وقهر وحرمان معبرا ومسوغا للحاضر وفعل ما تفعله ، كذلك الدكتور فجيعته في ماضيه تكاد تبتلعه وتدفعه إلى تقمص دور ليس مؤهلا له نفسيا وبدنيا ، فهما حالتان من الضعف الإنساني ، ومن التخلف والقهر النفسي السحيق الذي ليس له مخرجا .
وعلى ذلك فهناك الزمن الماضي الخفي بآلامه وحقارته ، وهناك الزمن الحاضر المزين المرموق والملئ بالانتصارات الوهمية ، لكنه ليس بقدر قوة الزمن الماضي ، ولعل حرص الكاتب على تعرية الماضي وكشف سوءات الواقع ، جعله يسير بقلمه في توازن نسبي ، بين الزمنين ، فنسبة الماضي إلى الحاضر هي نسبة الثلثين إلى الثلث ، ونسبة الحاضر إلى الماضي هي نسبة الثلث إلي الثلثين ، فأحيانا نشعر بأننا نسمع فقط ولا نرى أحداثا ، وأحيانا نرى أحداثا ، ولا نسمع لها أثرا في الحاضر ، مما جعل الكاتب يتفوق على نفسه في المحافظة ، على هذه النسبة ، فلم تقترب من بعضها ، ولم تفلت من بين يديه .. لم نر مفاجآت مستقبلية ولم نشعر بأن الأحداث بطيئة أو متدفقة رغم بعض التداخلات الزمنية الحاضرة التي لها صلة بالماضي ، والصفحات من 33إلى 49 – التي يسرد الكاتب فيها بطريقة مباشرة حياة نجوى في بيتها وفي المدرسة ، وفي المقابر ، ومن ثم التدني والانسحاق الاجتماعي وغياب الثقة والموازنة الأخلاقية تكشف عن ذلك .
ولعل التصريح بالزمن والتاريخ في أكثر من مرة ، بطريقة مباشرة ، كان وسيلة الكاتب ، في تحديد الأبعاد الزمنية الاجتماعية ، التى ساعدت في تحديد المكونات العامة للشخصيات ، فهناك إشارة إلى ما قبل ثورة 1952 ، وهناك إشارة صـ48 إلى ما قبل 1973م وما بعدها ، من أحداث ، ومن هنا نستطيع أن نحدد زمن الرواية ، تحديدا دقيقا وهو ما قبل الثورة بنحو عقدين أو ثلاثة – امتدت إلى ما بعد الانفتاح في السبعينات .
وفي الصفحات من 51-64 يسرد الكاتب أيضا بطريق الحوار المباشر ، حياة الدكتور وماضية ونشأته وحرمانه ، وأنه ابن الفترة المظلمة التى سبقت الثورة ، كذلك في الصفحات من 83 حتى النهاية ، تتحد الأحداث ، ويسير الزمن الماضي متحدا مع المكان والزمان واللغة ، وتتحول المشاهد والمناظر ، إلى لحظات من التخلف والاستبداد والتعرية النفسية ، والقدرة على التماسك ، وعدم الخجل من الماضي المفجع .
إذن هي مشاهد من الزمن الماضي ، صامتة صمت المقابر ، التى نشأت فيها نجوى ، ومظلمة ظلام نشأة الدكتور ، متقطعة ومنفصلة عن بعضها أحيانا ، تفتقر إلى المحرك والدافع الذي يربطها بعضها ببعض ، ومع ذلك يصبح الزمن خاليا من الحركة ، ثابتا على حاله ، وملازما للمكان الذي يرمز بدوره للقهر ، مما جعله يحوى هذا الزمان ويصبح ظلاله ويصبح الزمن الماضي ، هو حالة الأشياء والكائنات والطبقات في ذلك الوقت وهي حالة دائمة من منظور الرواية ومن خلال رؤية الكاتب الذاتية .
تبقى نقطة هامة وهي الزمن الداخلي للنص ، وهو زمن قصير جدا قياسا بالزمن الخارجى الممتد ، وقد تحدد في مشهدين أو لقاءين بين شخصيتين ، وبدا أكثر تحديدا حينما اعتمد الكاتب على توقيتات معينه تقليدية ، فاللقاء الأول ، يتعين من خلال الساعة المعلقة على الحائط حينما أعلنت دقاتها الخامسة مساء وامتد إلى عدة ساعات ليست بالقصيرة .
ويُعد لقاء التعارف والتقابل بين الشخصيتين اللتين يمثلان حالة عامة مستمدة من الواقع واستغرق في النص المشهد الثاني والثالث ، وعامل زمني آخر اعتمد عليه الكاتب في تحديد البُعد الزمنى الداخلي – وهو نهايات الحكم الناصري وبدايات العهد الجديد مرورا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية عامة – ويمكن أن يُطلق على هذا التصرف الزمني زمن الليلة الواحدة وفي المشهد الرابع والخامس والسادس يتحدد اللقاء الثاني ويستمر حتى النهاية . بداية من الساعة الخامسة مساءً أيضا كما أشار الكاتب في بداية المشهد الرابع – وتكون الساعة أيضا هى العامل الزمنى الأصيل في تحديد البدايات .
وفي هذا المحور الزمنى تتقابل الأحداث ويمتد الصراع ، وتبدو الأجواء مشحونة بتصرفات فنية – جعلت الزمن الداخلي يتلاشى ، وتصبح السيطرة للزمن الخارجي بأحداثه وقوته وقسوته ، فيقدم مجموعة من الأمكنة الحقيقية والمستعارة تتخللها عدة شخصيات وطبقات اجتماعية متصارعة ، لتفرز في النهاية جملة هائلة من الانعكاسات النفسية والتعديات الأخلاقية لفترة زمنية مرفوضة وغير مقبولة ، وقد أعطى التلاشي الزمني مساحات كبيرة من النقد الاجتماعي وصلت إلى حد التعرية وكشف عورات الماضي ، وكانت اللغة الماضية أو الصيغة الزمنية المعتمدة على الفعل الماضي سببا واضحا في عملية الاندماج الزمنى ، التى قادها الكاتب بعناية دل على ذلك عدم تحديد النهايات الزمنية للقاء الأول والثاني ، وقامت النهايات المشهدية الحوارية بهذا الدور ، فكانت عملية الانتقال والتحول تتم دون معاناة ودون أن نشعر بها .


















6- المكان وعلاقته بعناصر البناء :
المكان – في رواية زمن نجوى وهدان ، شأنه شأن بقية العناصر ، فهو متغير بتغير الحدث والتطور الفني للشخصية ، ومتعدد بتعدد الأدوات والأفكار ، يتحد مع الشخصيات في المرجعية الرمزية والمرجعية النفسية ، ومحدود بحدود بيئية متخلفة مرفوضة ، تعكس مدى الانهيار الإنساني وقسوته ، وقد بذل الكاتب قصارى جهده في عملية الربط والانسجام الفني ، بين القضية العامة في الرواية ، وبين المكان ، بوصفه الحيز المادي ، الذي تتأثر به الشخصية وتضفي عليه مسحة روحية ذاتية نفسية ، فيصبح بذلك مرآة . بيئية واجتماعية ، تحدد الملامح العامة للحدث والشخصية والزمان بوصفهم العناصر الملازمة للمكان ، وكل منهم ينوب عن الآخر في عملية الكشف والتوثيق ، للأبعاد الخفية المتغيرة داخل العمل القصصي " وعلى ذلك فإن الشخصية تبدو أكثر منطقية ، وقبولا من حيث ارتباطها وانفصالها ، عن المكان باعتباره أحد العوامل التى يرتكز عليها الكاتب ، لتحديد هوية أحداثة وفكرته " ( )
وفي زمن نجوى وهدان ثلاثة أماكن هامة ثابتة ، كانت محورا انطلقت منه الأشخاص ، انطلاقا جسديا وماديا ، وظلت الروح متعلقة بصفات هذه الأماكن وأحداثها ، تعلقاً انفعاليا رمزيا ، ليست له جذور حنينية ثابتة ، توحي باستقراء الكائن الإنساني وشوقه.
وذلك لارتباط هذا المكان ، بالبؤس والشقاء ، وعدم الرغبة في العودة إليه مرة أخرى ، أيضا تركز جهد الكاتب في بناء أماكن خيالية استعارية ، في نفوس الأشخاص ، وفي علاقتها ببعض ، وفي نظرتها للواقع ، ومدى انسجامها أو رفضها لهذه الأماكن ، وقد استعارها الكاتب من نفس فكرة الأماكن الأولى ، ولولا التصرف الزمني المتغير ، ما كانت هذه الأماكن الاستعارية ، ذات جدوى فنية أو موضوعية .
واللافت للنظر ، أن الجهود الروائية جعلت الشخصية تنحسر وتتلاشى ماديا وواقعيا في تلك الأماكن ، بعكس الحالة النفسية ، فلم نجد في هذه الأماكن ما يجعل الشخصية تتعلق بها ، ولا تفكر في العودة إليها ، مرة أخرى ، كما هو المألوف والطبيعي ، وأعتقد أن هذه فلسفة الكاتب في رؤيته ومعالجته للمكان وبواعثه داخل العمل الروائي وسأعرض لبعض الأماكن الحقيقية الاستعارية ، التى عمقت الأبعاد الانفصامية داخل الشخصية .
تأمل معي بيئة " هنومة " ومكانها الذي نشأت فيه – وبالطبع كما هو معلوم وذكر من قبل – البيئة هي المقابر ، تقول :
" ـ كنت أحبو بين المقابر .
ويُحكى أن أمي ، كانت تأتى آخر الليل عندما تعود من العمل فى الغيطان أو فى دور الموسرين . تجدنى قد دخلت قبرا مفتوحا ، وغلبنى النعاس ونمت فيه ." صـ33
وتأمل المكان الجديد الخاص بهنومة بعد أن صارت وتحولت إلى نجوى : وهو فيلا أنيقة وبيئة تختلف عن البيئة السابقة وكأن النقيض الظاهري الشكلي من سمات الشخصية ، يقول الكاتب واصفا المكان :
" كانت قد منحت الخدم إجازة ، بعد أن أنهوا أعمال النظافة بالفيلا ، وإعداد الطعام ، وأخذت حماما ، وتأنقت ، وتعطرت ، وجلست تنتظره
فى تمام الساعة الخامسة مساءا ، رن جرس الباب ، همت لتفتح ، وما كادت تفتح الباب حتى وجدته أمامها بطوله الفارع وعطره النفاذ ، وابتسامته العريضة ، لم تستطع أن تدارى فرحة نطت فى عينيها .
احتضنت يدها يده ، وأمطرته بعبارات الترحيب ، قادته عبر ردهة طويلة على جانبيها نباتات الزينة ، وأصص الزهور ، إلى سلالم خشبية ، وتقدمته إلى غرفة واسعة بالطابق الثاني تحوى :
مكتبة كبيرة ، تليفزيون ، فيديو ، جهاز كاسيت ، بيانو ، مكتب فخم أمامه بضع كراسى وثيرة ، وفى جانب من الغرفة سرير . " صـ51
ثم تأمل هذه البيئة الاستعارية المكانية داخل " الفيلا " يقول الكاتب على لسان نجوى :
" ـ لا تخف . على بُعد خطوات من هذه الغرفة ستعرف .
تطوق خصره بيدها ، وتسير به عبر طرقة صغيرة إلى غرفة واسعة تضيء النور .
ـ تفضل .
هو " مرتجفا . وكاد أن يصرخ ويجرى "
هى " مُمسكة بيده وضاحكة "
ـ تعال .. لا تخف .
هو :
= ما هذا ؟
هى :
ـ كما ترى .
هو :
= مقابر !
هى :
ـ هيا كل مقابر ، وليست مقابر .
هو :
= وهل الحب يُمارس هنا .
هى :
ـ نعم .
هو :
= ما هذا المزاج الغريب ؟ .. حُب فى المقابر ، أعرف أن الحب يُمارس فى غرف وثيرة وجميلة ومغلقة ، فى أحواض زهور أو فى حدائق جميلة كما فى أوربا مثلا
هي :
ـ ويُمارس أحيانا في خرابات ، في حمامات ، في .. وفي ..
هو :
= هل تعرفين أنني ..
هي " مقاطعة " :
ـ أعرف أنك داهية ، و..
هو :
= فى الحقيقة إننى .. " صـ88
إذن فالمقابر والفيلا – هما الأساس والمرجع بالنسبة للمكان وحدوده الجغرافية . وأعتقد أن الكاتب حاول إقناعنا بهذه الحدود المعلومة والمعروفة ظاهريا ، لكن الوجود الحقيقي للأماكن الخفية الاستعارية مناوئ تماما ومساوٍ للمكان المعلوم ، وتلك ناحية وجدانية عاطفية سيطرت على الشخصية وحددت ميولها ورغبتها وبيئتها ، حيث الحنين إلى البيئة الأولى والمكان الأول – كنت أحبو بين المقابر – هياكل مقابر ، وليست مقابر – وإن تغيرت الحياة ، واضطربت سلبا أو إيجابا ، تظل المؤثرات الأولى للبيئة كامنة في نفوسنا ، وإن حاولنا التخلص منها .
وفي ذلك يقول لاجوس اجري : إن الشخصية هي الثمرة الإجمالية لكيان الإنسان المادي وللمؤثرات التى تفرضها عليه بيئته ، وتستطيع أن تنظر إلى الزهرة نفسها لترى أنها تتأثر تأثراً كبيرا بالوقت الذي تسقط عليها فيه أشعة الشمس ، صباحا أو ظهرا أو أصيلا . وعقولنا لا تقل عن أبداننا في الاستجابة للمؤثرات الخارجية ، إن الذكريات القديمة تبلغ من التغلغل العميق في أذهاننا درجة كبيرة حتى لا نكاد نعيها في كثير من الأحيان ، وفي وسعنا القيام بمجهودات مصممة بنية التخلص من المؤثرات القديمة ، فرارا من غرائزنا ، لكننا لا نلبث أن نعود فنقع في براثنها ، ومن ثمة فذكرياتنا القديمة التى تختزنها عقولنا الباطنة تؤثر في حكمنا على الأشياء ، بالرغم مما نحاوله من العدالة وتحري القسط " ( )
ومما يؤكد أن هذه الشخصية [ نجوى ] مشدودة إلى ماضيها التعس – من خلال حاضرها الأكثر تعاسة المحاصر بالفشل ، فكان الحنين إلى التعاسة أقرب إلى نفسها من المضي في الفشل – الهياكل الاصطناعية التى كانت خير دليل على ذلك ، لأنها ارتبطت في ذهنها بالمتعة الغرائزية والراحة النفسية وأبعد من ذلك – فإن المقابر تمثل لها الحماية والأمان تقول :
" وسرقنا الوقت ، وسرقتنا الأحلام ، ودخل الليل ، ولم نشعر بالبرد إلا عندما برقت الدنيا ورعدت ، وهطلت بالمطر...
أسرعنا بالدخول إلى المقبرة ، نحتمى بها من العواصف والأمطار .
فى ظلام القبر ، جلسنا القرفصاء ، نرتعد ، التصق بي ، والتصقت به ، كل منا ينشد الدفء فى الآخر ، ورحنا نلتصق أكثر . وكانت تلك الليلة الأولى التى أسلمه فيها جسدى . ولا أدرى لماذا بعد سنوات ، رحت أربط بين الانفتاح هنا والانفتاح هناك !! " ( )
ولك أن تتخيل تغلغل المكان وسيطرته على الشخصية – فالمتعة مقرونة بالموت والغياب عن عالم الوجود أمر يحققه المكان برمزيته – مما يدل على أن المكان هو الشخص ذاته ولم يختلف تعامل الكاتب مكانيا مع الشخصية الأخرى ، الدكتور – فقد ظهر في ثلاثة أماكن ، كل منها يمثل مرحلة هامة في حياته ومسيرته ، وهي البيئة الأولى والتى شهدت الحدث الأول [ الخصاء ] الذي يُعد المشكلة الأساسية في الرواية ـ ثم المكتب وينقسم إلى قسمين – القسم الأول وهو مكان العمل واستقبال السكرتير ، المكتب المعروف بأدواته التقليدية ووظائفه العادية – ثم القسم الثاني وهو المكان الخفي –الغرفة التى تنطلق منها الغزوات الوهمية للدكتور – والمكان الأخير وهو
- الفيلا – عندما حل ضيفا على نجوى – وفيها ثلاثة أماكن الأول غرفة الاستقبال – ثم الحديقة ثم غرفة البستاني – ثم المقابر ، وسيكون لغرفة البستاني وقفة مع المقابر ، لأنها تمثل المرجعية البيئية للدكتور كما هو الحال عند نجوى ، يقول الكاتب واصفا المكان وصفا روائيا خالصا :
" ونهض واقفا ، يسير بخطوات وئيدة بين أحواض الزهور . وفي نهاية الممشى ، وفي ركن قصي من أركان الحديقة ، لصق ظهر الفيلا تماما ، لفت انتباهه مبنى ، ارتفاعه لا يتجاوز المترين ، بارتفاع سور الحديقة ، وبطول عشرين مترا تقريبا ، وعرض ستة أمتار ، له باب حديدى ضخم ، أسود اللون ، على مقربة منه كومة من السباخ .
تسلق جدران المبنى أشجار الياسمين ، ونباتات أخرى كثيرة ، افترشت سقف المبنى . دفع الباب ، ليجد المبنى مقسما إلى غرفتين .. باب الغرفة الأولى مفتوح ، ضيقة هي الغرفة الأولى ، وباب الغرفة الأخرى موصد ، احتلت المساحة الأكبر .
ولج إلى الغرفة المفتوحة ، وراح يتفحص محتوياتها : سرير حديدى قديم تعلوه مرتبة إسفنجية ، وملاءة رخيصة متسخة ، ووسادة كالحة اللون ، وعلى الحائط دُقت مسامير مُعلق عليها ملابس فلاح .
وفي جانب الغرفة مقطف وفأس وكوريك ، وأجولة قديمة ، وخرطوم ماء ، ودلو ماء ، وسخان كهربائي يعلوه براد قديم صدئ ، وكوبان فارغان متربان ، وبرطمان مملوء بالسكر ، وآخر أصغر حجما يشغل الشاى الخشن نصف حجمه ، وقلة ماء .
وقف في منتصف الغرفة ، وكادت رأسه تلامس السقف ، لا يدرى لماذا تذكر على التو ـ بيتهم الواطئ القديم ، المصنوع من الطين اللبن ، وتذكر أبوة ، وأمه ، وأخته ، وشيخ القبيلة ، الست الكبيرة زوجة الشيخ ، ومحمد ابن الشيخ .
شعر بأن الأرض تدور به ، كاد أن يغشى عليه ، جلس على السرير ، تتراءى له الصور ، وتترى على ذهنه الذكريات ..
وجد نفسه يخلع ملابسه ، يعلقها على مسمار بالحائط ، ويرتدى ملابس الفلاح المعلقة على الجدار ، وينتعل حذائه القديم ، ويحشر طاقيته في رأسه . يتلمس الفأس ، يتحسس يدها الخشبية ، يتناولها ، يعلقها على كتفه ، ويمضي ، وفي يده " القلة " ، يقف أمام كومة السباخ ، يتأملها ، يضع الفأس على الأرض ، يتفل في يده ، يمسك بيد الفأس الخشبية ، ويرفعها لأعلى ، ويهوى بها على كومة السباخ ، طرقات منتظمة ، وحمحمة منتظمة تخرج من جوفه مع الطرقات ، يتمثل والده ، والعرق يرشح من جسمه .
صغيراً يرى نفسه ، تعود إليه رائحة عرق أبية ، ورائحة السباخ ، وأبقار الشيخ ، وجاموسة ، وخرافه ،ونعاجه ، وتيوسه ، وأسراب البط والدجاج والأوز .. " ( )
وأول ما يلاحظ على البيئة المكانية السابقة – هو اهتمام الكاتب بالتفاصيل الدقيقة للمكان ومفرداته ومحتوياته – حتى أن الوصف ترهل وأصيب بالتكرار في بعض جوانبه الخفية .
وهذه الحنينية المفرطة بين الدكتور وغرفة البستاني – تتفق مع عاطفة نجوى تجاه المقابر – فكل منهما يمثل البيئة الأولى ، ولعل التشابه في المصير هو الذي جعل عملية التوافق النفسي بين الشخصيتين متساوية في الهروب من الواقع المادي ، إلى الماضي المعنوى .

تأمل معي هذا الجدول ونتيجته الموضوعية :

م الشخصية المكان الرمز الوصف النتيجة المرحلة
1- هنومه المقابر بيئة أولى الشقاء بيئي- عام الهروب – مكان الحدث - الحقد الطفولة – الصبا
2- نجوى الفيلا - المقابرالاستعارية التحول والاستفادة من المرحلة الجديدة محدد
مسرحي الفشل فى تحقيق التوازن النفسي الشباب – النضوج
3- الدكتور العشش والأكواخ الشقاء والبؤس بيئي عام الحقد – الظلم – مكان الحدث الطفولة
4- الناقد الدكتور الفيلا ( نجوى ) غرفة البستاني - مستعار الهروب من الواقع
محاولة العودة إلى الماضي محدد – واضح- مسرحي الصراع – التمزق النفسي – عدم القدرة على مجاراة الواقع المتأزم الشباب – النضوج

5- الناقد المكتب – الغرفة الخلفية العمل مسرحي صورة كاملة عن الشخصية النضج الفني

النتيجة الأولي للجدول – توضح العلاقة بين عناصر البناء التى تشكل منها الجدول – الشخصية – المكان – الرمز – الوصف – النتيجة – المرحلة ، وهى كالآتي :
1- اهتم الكاتب بتعيين المكان دون تفصيل له من الداخل فغاب الوصف وضعف الانسجام ، خاصة أن ليس هناك عناصر حياتية تشغل فراغ الطفولة ، عند هنومة .
2- اهتم بتعيين المكان من الداخل وصلته بالشخصية دون أن يحدث تلاحما واضحا مع البيئة الخارجية .
3- اهتم بتعيين المكان دون تفصيل له من الداخل فغاب الوصف .
4- اهتم بالناحية النفسية للمكان من الداخل وظهر الوصف لمحتويات المكان .
5- اهتم بتحديد وتعيين المكان داخليا وخارجيا ، وشمل الوصف أرجاء المكان ، فوضحت الشخصية فى خطها العملي التقليدى .
النتيجة الثانية : أن هذه التقسيمة المكانية ، التى وظفها الكاتب ، ليست محددة بحدود جغرافية واضحة فمكان الأحداث الأولى والهامة غير معلوم – فذكرت القرية منكرة – خالية من العلمية . والأحداث الثانية – أو التحولات والتطورات الشخصية والحدثية رمز لها بالقاهرة مرة أو مرتين ، دون ربط بين هذه المدينة العاصمة وبين ميول الأشخاص .
ومن هنا فإن أماكن الأحداث مجهولة إلى حد ما ، خاصة الأولى منها ، وإن كانت منسوبة إلى مصر بعينها في زمن الإقطاع وما بعده مرورا بالأحداث والمتغيرات السياسية ، حتى عصر الانفتاح .
فقد جاء الانسجام على فترات ، لكنها وإن ظلت هاجسا موحشا يطارد الشخصيات حتى النهاية فلم تكن سوى محطات ، أو وحدات ذات أثر وحدوى ، على الشخصية فقط ، وأعتقد أن الرؤية المسرحية ، التى غلف بها الكاتب ، الرواية وأحداثها ، جعلت من المكان وأدواته حالة تشكيلية دقيقة تتغير بتغير المشهد المسرحى ، فكان التركيز على ما جرى في هذا المكان ، وليس على فرضيته ومناسبته البيئية والاجتماعية ، دل ذلك أننا تعرفنا على هذه الأماكن ، خاصة الأولى منها والقديمة ، من الشخصيات بعد أن تحققت الهجرة والهروب من هذه البيئة – وأصبح لدى الأشخاص ، القدرة على التمييز والحكم على الفترة وأحداثها وأماكنها ، أضف إلى ذلك العامل النفسي السئ القابع في نفسيهما .
وأيا كان الأمر – فقد حقق الكاتب من خلال هذه التركيبة المكانية ، فكرة هامة ، هي بمثابة الهدف الأول على المستوى الموضوعي – وهي فكرة النقد الاجتماعي ، وعرض نظم وأطر بيئية واقعية ، نشأت فيها أشخاص ، ووقعت فيها أحداث ، كانت سببا في مواصلة الانهيار النفسي والأخلاقي ، لطبقة الأُجراء وأبناء الطبقة الإقطاعية .
أضف إلى ذلك حقيقة فنية اعتمد عليها مجدي جعفر ، وهي المؤثرات المسرحية ، مثل الضوء ، الموسيقي ، الملابس ، الستائر ، الأثاث بشكل عام ، والوجه الآخر للشخصية ، وهو الوجه الروحاني السيكولوجي ، وربط الفعل الخارجي بالنفس ، وهي عملية الاغتسال أو الصفاء ، وإن لم تكتمل بسبب التركيز على عملية رد الفعل ، لأحداث الزمن الماضي ، والمسوغات التى منحها الكاتب للأشخاص للقيام بمثل هذه الأدوار .


























الهوامش

- الشخصية وأثرها في البناء الفني لروايات نجيب محفوظ – د . نصر محمد إبراهيم عباس
2 - الشخصيات الروائية بين على أحمد باكثير ونجيب كيلاني دراسة فنية وموضوعية – نادر أحمد عبد الخالق
3- بانوراما الرواية العربية الحديثة د . سيد حامد النساج
4- زمن نجوى وهدان – مجدى جعفر – كتاب الاتحاد
5- فن المسرحية – على أحمد باكثير
6- الإبداع القصصي عند يوسف إدريس – ت . م كربرشويك ترجمة رفعت سلام
7- مجلة الهلال –فبراير1965
8- الفنون الأدبية في مجلة الهلال من سنة 1952-1993 دراسة تحليلية نقدية - نادر أحمد عبد الخالق
9- عالم الفكر 1995
10- الأدب وفنونه – د. محمد عناني
11- فن القصة – محمد يوسف نجم
12- في نظرية السرد ، بحث في تقنية السرد – د. عبد الملك مرتاض
13- مختار الصحاح
14- فن كتابة المسرحية – لاجوس اجري
15- النقد الأدبي الحديث – سيد قطب


ما بعد الكلام
1-عودة إلى الكاتب
2- مسرواية















عودة إلى الكاتب :
مسرواية :
انتهت الدراسة إلى تأكيد عدة مواقف ، منها الأهمية القصوى للفن عموما ، والفن الروائي خصوصا عندما يقترن بالواقع ويعا

#5 مجدى محمود جعفر

مجدى محمود جعفر

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 423 المشاركات:

تاريخ المشاركة 12 February 2008 - 10:31 PM


ما بعد الكلام
1-عودة إلى الكاتب
2- مسرواية















عودة إلى الكاتب :
مسرواية :
انتهت الدراسة إلى تأكيد عدة مواقف ، منها الأهمية القصوى للفن عموما ، والفن الروائي خصوصا عندما يقترن بالواقع ويعالجه ، وتكون له وظيفة إنسانية محضة ، مع الحفاظ على التركيبة الفنية الداخلية والخارجية ، والإعتماد على الأساليب ، التقنية الحديثة في الأدب ، والتى تساعد على عملية التطور والنبوغ ، ولا شك أن الرواية بلغت منزلة عظيمة بين فنون القول الأخرى خاصة في وقتنا الحاضر ، حيث استطاع أصحابها ، أن يستوعبوا مشاكل الحياة ، وآلام الإنسان المعاصر ، حتى أصبحت الرواية انعكاسا إيجابيا للواقع والمجتمع .
وقد برهنت هذه الدراسة على هذه العملية التوفيقية بين المجتمع والفن ، فرأينا الأحداث والفكرة الأساسية والأشخاص ، والزمان والمكان واللغة ، سمات واقعية واجتماعية ، مستمدة من حياتنا ، ومستلهمة مشاكلنا ، وضاربة بجذورها الموضوعية والفنية في موروثاتنا ومن هنا فإن كاتبا مثل مجدي جعفر ، حينما يلتقط مشاهد وصورا وأحداثا من بيئته ، ويسلط عليها الضوء ، من خلال موهبته وطموحاته الفنية والروائية ، فإن ذلك يبشر بنتائج هامه على مستوى الموضوع والفن .
أولا : على مستوى الموضوع :
فإن الكاتب حقق اندماجا وتوازنا بين الموضوع الروائي وبين الواقع البيئي المُعاش فقدم مجموعة من الإشكاليات والمفارقات الاجتماعية الهامة ، ستساهم في إحداث نقلة نوعية للفن الروائي والقصصي ، حيث لم تعد الرواية للتسلية والإمتاع فقط ، بل تعدت ذلك بمراحل ، وكان ذلك في السابق من دوافع العمل الروائي ، ونحن هنا لا نغفل دور الرواد في هذا المجال ، حينما كانوا منوطين بعملية التطور الكاملة – للموضوع والعناصر الفنية والبنائية – أمثال محمد حسنين هيكل ومحمد تيمور ومحمود تيمور ، ومحمد فريد أبو حديد وعادل كامل ، والعقاد وطه حسين ، ونجيب محفوظ ، وتوفيق الحكيم ، ويوسف إدريس ، وعلى أحمد باكثير ، ونجيب الكيلاني ، وغيرهم . مرورا بكُتّاب ما بعد الثورة المباركة – إلى وقتنا الحاضر ، وهم كُثر – يعجز المقام وصاحبه عن الحصر – النوعي والكمي ، والفني لهم ولكن أن يستمر هذا التطور والاقتراب بالموضوع من واقعنا المعاصر ، فهذا هو الجدير بالبحث خاصة في وقتنا الحاضر ، الذي تراجعت فيه القراءة ، وسيطرت المدنية والتكنولوجيا المتطورة على حياتنا ، ثم نلمح نهضة مماثلة لبدايات القرن الماضي ، متمثلة في الأدباء الشبان – أمثال مجدي جعفر وغيره ، هذه النهضة الأدبية تحتاج إلى نهضة نقدية تواكبها – وقد سمعت ذات مرة من وسائل الإعلام – أحد علماءنا الأفذاذ – الحاصلين على جائزة نوبل في العلوم الفيزيائية ما خلاصته – أن القرن الماضي – العشرين – كان عصر الأدب – وأن القرن الحالي – الحادي والعشرين – هو عصر العلم – ولم يقل العالم الفاضل – هذا من فراغ .. وأعتقد أن هذا الحكم صحيح إلى حد ما – وأن ازدهار الأدب فيما سبق ، كان سببه ازدهارا في النقد والتوجيه ، إذن فعملية التطور عملية مشتركة بين الفنين والعلمين .
وقد أشرت أثناء الكلام ، أن الرواية استفادت من العلم المادي حينما أصبح موضوعها – الإنسان الذي هو مناط البحث العلمي المحض ، وقد تمكن الموضوع الروائي من الاستفادة من علم الأنثربولوجي " على الرغم مما قد يبدو من تعارض وتناقض بين مجالي الكتابات الأنثربولوجية والروائية ، على أساس أن الأنثربولوجيا ، في بعض أبعادها ، على الأقل تنتمي إلى العلوم الدقيقة المضبوطة التى تحكمها ، محكات ومعايير ، وقواعد ومناهج ، وقوانين صارمة ، بينما تعتبر الرواية ، شكلا من أشكال الإبداع الفني ، الذي يدخله كثير من الخيال ، والعوامل العاطفية والانفعالية والذاتية ، فإن ثمة منطقة مشتركة ، بين المجالين ، تتمثل في اهتمام كل منهما ، بإعادة بناء العالم الإنساني ، الذي يدور حوله البحث الأنثربولوجي ، أو العمل الروائي ، وإن اختلفت أساليب كل منهما ، في فهم ذلك العالم والتعبير عن ذلك الفهم " ( )
وكما ذكرت مقدما في الوظيفة الإنسانية للرواية ، أن الرواية مادتها إنسان في المجتمع والعلم بشموليته وخصوصيته – من أجل رقي هذا الإنسان .
والتطور الروائي والأدبي قائم ، والعملية الاحتكاكية المتفاعلة بين الإنسان والواقع والعمل الأدبي قائمة ومستمرة ، طالما هناك قول يُكتب ويُقرأ ، وطالما هناك شعور بالفرح والحزن والسعادة والشقاء .
ولا أظن أن حدث " الخصاء " ، برمزيته الضاربة في جذور أزماتنا وحياتنا قبل الثورة البيضاء ، ثم تداعيه رمزيا وفنيا إلى سلبيات إنسانية واجتماعية ، ببعيد عن الإنسان ومشاكله – كذلك عملية الامتهان – والتدني الأخلاقي – وما أعقبه من اغتصاب رمزي للبراءة والطفولة والصبا ، ليست هي الأخرى ببعيدة عن إنسانية الإنسان .
أضف إلى ذلك – العملية الأخلاقية أو – التطهير – التى تغلف العمل من بدايته ، في شكل حصار نفسي ، يطارد الأشخاص ، ويطبق على أنفاسهم ، في صحوهم ومنامهم – في حاضرهم ومستقبلهم ، بل في داخلهم ، في نجواهم وبوحهم . هذه العملية التطهيرية ، التي انطلق منها الكاتب ، وأشركنا معه ، من خلال سيطرته على نفوسنا ومشاعرنا ، عندما حلت المسألة الوجدانية العاطفية ، المتعلقة بالكره والحب ، والرفض للتصرفات والأزمات التى مرت بها الشخصية الروائية – كل ذلك وغيره من التصرفات الموضوعية – كانت وراء ما قلت وذهبت إليه ، من تأصيل لعملية التطور الموضوعي والفكري في رواية زمن نجوى وهدان والتطور الموضوعي يفرض جملة العناصر البنائية الأخرى ويلح عليها !
أ‌- الشخصية :
التى تصبح بعد فك رموزها ، وطلاسمها ، هي الإنسان الذي يحيا في هذه الحياة – الإنسان عامة ، في شتى بقاع المعمورة ، قدمته الرواية في وجوه عديدة ، وفي أماكن اجتماعية مختلفة ، وفي أزمنة داخلية وخارجية ، ذات إشكاليات وإسقاطات مثيرة للجدل .
فالدكتور / الناقد – المكتمل فنيا وموضوعيا وعلميا – يحمل في طياته ، أحقادا وصورا من الزمن الماضي ، جعلته محصورا بين شخصيتين ، أحدهما ممزق عاجز ، والآخر باحث متطلع ، يبحث عن وسيلة يمكن بها الخروج من هذه الدائرة ، وقد نجح الكاتب في جذب عواطفنا نحوه ، رغم ما يحيط به من سلبيات وأحقاد ، وسقطات من جراء أفعاله ، هذا النجاح لم نكن لنشعر به لولا النقد الذي وجهه الكاتب لبيئته ومجتمعه الأول .
وقس على ذلك شخصية نجوى وهدان ، واقترانها بزمن الرفض والانتحال و الإقطاع ، وما أحدثه في التركيبة الاجتماعية المصرية في وقت ما قبل التحرر بفضل نتائج الثورة . وقامت عملية العقم المعنوى والمادي ، في تلك الشخصية بإحداث نوعا من التوافق النفسي ، بين المتلقي والموضوع الروائي ، ورفض هذا النموذج الإنساني ، في جميع حالاته وأنماطه ، وتلك عملية إصلاحية أخلاقية ، قام بها الموضوع الروائي
ب – الزمان – المكان – اللغة – الحوار :
وما يثير الدهشة – التصرفات الموضوعية المقترنة بالزمان والمكان واللغة والحوار .... فهي تصرفات موضوعية قائمة على التهيئة النفسية للمتلقي ، وأهمية مشاركته ولو وجدانيا بدافع التفاعل والاندماج – مع الحالة العامة – للمجتمع في مراحله الانتقالية . فلم يكن الزمان والمكان بأقل حالا من الشخصية ، فهما حالة واحدة متشابكة ومتداخلة ، بل إن شئت قلت إن الشخصية والمكان والزمان بإلاضافة إلى الحدث ، وأهميته الموضوعية ، وجوه عديدة لمرحلة واحدة – هي مرحلة الاستبداد والتلاشي الإنساني والأخلاقي .
ولم تكن اللغة هي الأخرى منفصلة عن ذلك التلاحم . ففضلا عن أنها الوسيلة المعبرة عن الموضوع والشخصية وبقية العناصر ، فقد جنحت منذ البداية إلى الاشتراك والمواءمة بين عناصر الموضوع الفنية ، وبين حالة الرفض – ولم تبرح هذه المنطقة – فجاءت مشحونة بطاقات تعبيرية ، غاية في الدقة والأناقة ، أحيانا ، والأسى والحزن أحيانا أخرى .
وقد ساعد ذلك التصرف اللغوى ، في خلق مناظر ومشاهد ، إما غير مقبولة اجتماعيا وإنسانيا ، وإما مشوقة ذات هدف فني وصوتي متوازن مع كافة العناصر .
أضف إلى ذلك العمليات الحوارية الهامة – المقطعة إلى فواصل موضوعية وفنية كشفت الكثير والكثير من النواحي التطورية ، لفن الرواية ، وعبرت عن ماهية الأشخاص والأحداث بشكل منتظم في أغلبه وعموميته .
ثانيا : على مستوى الفن
صدّر الكاتب الغلاف الخارجي بكلمة رواية – وكتب في الغلاف الداخلي – مسرواية – وهو مصطلح جديد وغير متداول ، وأعتقد أنه من طموحات وتخطيطات الكاتب الفنية والموضوعية وهذا التداخل النوعي ، يعني أن هذه رواية مسرحية – أو رواية ممسرحة ، تجمع بين خصائص فن الرواية – من تصوير واستطراد وتسلسل للأحداث ، وتقديم الأشخاص ، وغير ذلك من العناصر الروائية المعروفة ، مع الاعتماد على الحوار كأحد الوسائل الانتقالية الموضحة للحدث والشخصية معا ، وتجمع بين عناصر المسرحية المتمثلة في المسرح والممثل والنظارة والحوار والصراع بين الأشخاص ، ومن ثم القيود الزمنية ، والمناظر والمشاهد والحركة والتقطيع .... إلى آخره .
وبعيدا عن إثبات ذلك أو نفيه ، وحتى لا نغمط حق الكاتب في اجتهاده وطموحاته الفنية نتعرف أولا على قواعد كتابة المسرحية ، عند أربابها المحدثين ، وأعتقد أن من هؤلاء : الكاتب لاجوس اجري في بحثه القيم فن كتابة المسرحية المترجم إلى العربية عن طريق الأستاذ دريني خشبة – وكذلك نستأنس بآراء وتوجيهات الأستاذ على أحمد باكثير في ذلك الشأن ، وذلك كله ، حتى يتسنى لنا جميعا ، الوقوف على حقيقة المسرواية ، وكيف نجح مجدي جعفر في تحقيقها والاستفادة منها ؟ وما ضابطها ؟ ولم كان هذا التداخل بين الفنيين المسرحية والرواية ، ويجب أن نتفق ابتداء ، على أن التشابه في استخدام وتوظيف بعض العناصر البنائية الموضوعية والفنية – قاسم مشترك بين كلا الجنسين .
حدد لاجوس اجري – قواعد كتابة المسرحية على أربعة أبواب :
1- الفكرة الأساسية – للقطعة الأدبية سواء أكانت مسرحية أم قصة ، أم أقصوصة أم أي صورة أخرى ، من صور الكتابة الأدبية ، ( وإن كان هدف الكاتب هو المسرحية أولا وقبل كل شئ ) .
2- الشخصية المسرحية – وهي ما يعبر عنه أرسطو بالأخلاق – وكلاهما بمعنى واحد .
3- الصراع
4- عموميات – تتعلق بالحركة والانتقال والدخول والخروج ونقطة الهجوم .
ثم الحوار ومنطقيته وكيف يُدار ......... إلى آخره .
ولم تختلف هذه القواعد عند الأستاذ على أحمد باكثير ، وحددها فيما يلي :
1- الفكرة الأساسية –الموضوع
2- رسم الشخصية
3- الصراع
4- الانتقال التدريجي
5- الحركة – الحوار- البناء أو التخطيط – نقطة الهجوم – الدخول والخروج ,
العناصر البنائية بالنقد والتحليل المفصل – فقدم الحدث والشخصية والحوار واللغة والزمان والمكان ، أثناء الكلام ، من منظور فني نقدي خالص ، لذا فإن الجدير هنا بالبحث والرأي هو ما يتعلق ، بالتداخلات الفنية والمفارقات الذهنية – كالصراع والانتقال والحركة والبناء والتخطيط ، وغير ذلك من الأمور التى حددها الكاتبين ( أجري – باكثير ) .
أولا : الصراع .
الصراع يقول عنه اجري – يصدر من الفعل أي الموضوع الممثل – الذي أثبت المؤلف أنه يصدر عن الشخصية ، والأفعال كلها نتائج لأسباب هي التى تحركها ، وليس تحت الشمس فعل من الأفعال يكون أصلا ونتيجة في وقت واحد ، والصراع فيما يذهب إليه المؤلف أربعة أنواع كبرى رئيسية :
1- الصراع الساكن 2- الصراع الواثب
3- الصراع الصاعد الذي لا يكف عن الحركة المتدرجة .
4- الصراع الذي يدلك من طرف خفى على ما ينتظر حدوثه ، وهو ما يسميه الصراع المرهص وهو أحسن أنواع الصراع ، لكونه لا ينفك يشتد ويقوى من أول المسرحية إلى آخرها " ( )
وعند الأستاذ على أحمد باكثير :
يأتي الصراع ، بعد معرفة الكاتب شخوصه ، وحسن اختياره لها ، في الموضوع الذي يعالجه بحيث تكون هذه الشخوص متباينة متناقضة ، ليتولد بينهما الصراع الذي لا تنهض مسرحية إلا به . وهذا الصراع ينبغي أن يكون متدرجاً في الصعود ، فلا يلحقه ركود أو جمود في الطريق ، ولا تثبت به طفرة ، حتى يبلغ الذروة ، ويصدق هذا على الصراع الرئيسي ، الذي يحكم المسرحية من أولها إلى آخرها ، كما يصدق على الصراع الفرعي في فصل أو مشهد " ( )
وبما أن الصراع وأهميته وفائدته المسرحية متعلقة بالفعل ورد الفعل داخل الشخصية فإن الفعل ورد الفعل لا ينتج في الشخصية خاليا من المؤثرات الخارجية – المحيطة به – والدافعة إليه ، فالحراك الاجتماعي والنفسي ، هما المحركان الأساسيان للفعل – والحالة الانتقالية المترجمة هي رد الفعل .
والصراع في الرواية الممسرحة " زمن نجوى وهدان " ، قائم منذ البداية ، ومنذ الوهلة الأولى ، وتدرجه نفساني انتقامي ، بدأ من التركيبة الاجتماعية المتخلفة – ومن الفوارق الطبقية غير المنطقية ، في زمن الإقطاع والحكم الملكي – فكان من نتيجة هذا الخلل ، البيئي الإنساني – مشروعية الاعتداء والامتهان – لغير القادرين ، كما أشرت في الكلام ، وليكن فعل " الاغتصاب " و " الخصاء " هما الفعلان اللذان – أحدثا الصراع – المحسوس داخل العمل – وكان رد الفعل داخلي وخارجي ، فالداخلي تعلق بتحقيق المسخ والتشويه وتعرية الواقع ونقده ، والخارجي تعلق بالبحث الدؤوب عن الاستواء النفسي والعقلي .
عند كل من نجوى والناقد ، ولما كان ذلك مستحيلا ، فإن رد الفعل – قد تحول – وارتبط بالبحث عن المال والتميز الطبقي ، والعملي والأدبي ، والتواجد في شكل جديد وصيغة جديدة ، ورسم جديد ، واستمر حتى النهاية ، بل إن الصراع واستمراريته – تعدى إلى أبعد من ذلك ، فكانت النهاية ليست مقرونة ، بالتلاشي الفني والحركي ، وانتهاء كل منهما بل كانت النهاية بداية جديدة ، من رد الفعل ، غير معلومة في الرواية – لكنها معلومة للمتلقي لا تنتهي إلا في حالة تحقيق الاستواء الاجتماعي والأخلاقي والديني والنفسي ، داخل التركيبة الاجتماعية المتناثرة الممزقة ، ويمكن القول أن التميز الطبقي والأخلاقي ، أدى إلى فعل الهروب من جانب محمد وهند ، هذا الهروب الذي هو بمثابة الفعل المحسوس أدى إلى تحقيق الاغتصاب ، الذي هو رد الفعل – ورد الفعل – كان إيجابيا هنا ، فتداعى إلى الهرب والهجرة – وخلق صراعات اجتماعية ونفسية عديدة .
ثانيا : الانتقال التدريجي .
والانتقال التدريجي – من مركبات الصراع داخل العمل الفني ، تمشيا مع المنطقية السببية وجريا في ذلك على سنن الطبيعة ، لكل شئ يحكمه هذا القانون ، إذ ليس فيه طفرة أبدا ، وينبغي على الكاتب المسرحي أن يراعي الخطوات ، التي يتم بها كل عمل ، وكل حادث ، وكل حركة نفسية أو فكرية ، تقع لشخوص مسرحيته " ( )
وفي " زمن نجوى وهدان " – مجموعة من الانتقالات المركبة تركيبا موضوعيا وذهنيا هذه الانتقالات نشعر بها منذ البداية ، فالرواية كما أشرت من قبل تقع في ستة فواصل حوارية ، تخللتها مشاهد ومناظر منتظمة ليست بالكثيرة ، ففي الفواصل الحوارية الثلاثة الأولى – ثلاثة انتقالات – الأول افتتاحي ، قائم على عملية التقديم للشخصية والمكان ومحتوياته – والمكونات النفسية والاجتماعية للحدث والموضوع ، وينتهي بالتشوق والانتظار – لما سينجم عنه اللقاء بين الناقد ونجوى ، في ظل المعطيات السابقة عن الشخصية ومكوناتها النفسية ، ويظل هذا التشوف المبني على التشويق ، مستمرا من تلك اللحظة وحتى النهاية ، كذلك عمليات الانتقال الأخرى ، لم تختلف عن ذلك وارتبطت بالفكرة والموضوع ، وأصبحت متداخلة متشابكة ، مرة تتعلق بحياة الناقد ، وأخرى تتعلق بماضى نجوى ، ويصبح التشوف مرهون بالعملية الاستشرافية التنجمية المنبعثة من الأحداث ، والفكرة الأساسية قائمة على التعرية والنقد الاجتماعي .
وإذا أردنا أن نحدد المناظر والمشاهد بداية ونهاية حتى الفاصل الحواري الثالث – وفي أثناء اللقاء الأول بين الناقد ونجوى – فهي عبارة عن منظرين – الأول عام – والثاني تميز بالخصوصية نظرا للتصرف المسرحي ، الذي قام به الكاتب ، من حيث الاعتماد على المحتويات المكانية ومن ثم إيجاد خصوصية موضوعية ، من خلال الانتقال الحركي من الغرفة الأساسية ( المكتب ) إلى الغرفة الخاصة خلف المكتب ، وفي اللقاء الثاني الذي استغرق الفواصل الحوارية المتبقية . يمكن حصر عمليات الانتقال التدريجية من خلال حصر المشاهد الداخلية ، وأول مشهد – متعلق بغرفة الاستقبال ، وهو مدخل – ثم الخروج –
المشهد الثاني – الذهاب إلى الحديقة – وهو خروج ثم حركة وسير على الأقدام .
المشهد الثالث – غرفة البستاني وهو استمرار للمشهد السابق – أو قل انتقال تدريجي
المشهد الرابع – المقابر الهيكلية – وهو استمرار أيضا لنفس المشهد – والتحول تم عن طريق الانتقال الجسماني –
وفي هذه المشاهد الأربعة السابقة كان الانتقال منطقي جدا فلم نشعر رغم التجزئة المكانية بعملية الانتقال – بسبب الاضطراب المحيط بالشخصية ، هذا الاضطراب كان سببا في التشويق المستمر .
ثالثا : الحركة .
حدد الأستاذ على أحمد باكثير ، دور الحركة وأهميتها في المسرحية ، وأنها ليست مقصورة على الحركة الجسمانية فقط – يقول : إنما المراد بالحركة في المسرحية ، هو أن يستمر الخط المسرحي متحركا لا يقف لحظة واحدة ، إنها تلك التى تحدث الحركة المتجددة في ذهن المشاهد فلا يفتر ولا يركد أبدا ، ويكون ذلك بالوقفة الساكنة كما يكون بالحركة الظاهرة – ويكون بالجملة الصامتة – كما يكون بالجملة الناطقة ، كل جملة تدفع الحدث خطوة إلى الأمام تسمى حركة وكل سكته وكل إشارة ، وكل شئ يؤدى إلى هذه النتيجة يسمى حركة – وما لا يؤدي إلى هذه النتيجة لا يسمى حركة وإن كان مليئا بالجري والقفز " ( )
وعودة إلى النص – يلاحظ أن الكاتب استفاد رغم قلة شخوصه وانحسارها دائما في شخصين متجاورين – من عنصر الحركة ، وشعرنا في البداية بالحركة الشخصية أمامنا ، وسرعان ما تداخلت عوامل أخرى قامت مقامها كالمفاجآت الحدثية ، ولحظات الصمت والموسيقى والتزويد الذاتي – والحقيقة أن معظم المشاهد ، كان الحوار فيها بين شخصين لا يبرحان مقعدهما – وفي فترات كثيرة كان الصمت والسكون مخيما على مجلسهما ، ولكن التجدد الدرامي والحركي لقسوة الموضوع ، غطت على هذا السكون – انظر هذا المقطع :
هى " تناوله كأسا " :
ـ صب لى كأسا ، فمازال فى عقلى نبض ، أريد أن يتوقف !
هو " يصب لها كأسا وله كأسا " :
[ لحظة صمت ]
" يدير جهاز التسجيل تنبعث منه موسيقى ، هادئة ، ناعمة .. "
هو " قاطعا الصمت " :
= لماذا لا تفضفضين ؟!
هى :
ـ فيما أفضفض ؟!
هو :
= تطلعيني على السر أو الأسرار التى تدفنينها فى أعمق أعماقك .

فالحركة قائمة متجددة مستمرة رغم التوقف الحواري – بفضل المناورة النفسية الداخلية وبفضل الحرص – وسرعان ما تجددت الحركة ، بفعل الزمن الماضي وطاقاته .
رابعا : البناء والتخطيط .
وهو ما يتصل بالهندسة الشكلية لبناء المسرحية من حيث تقسيمها ، إلى فصول ومشاهد والرواية عبارة عن فواصل حوارية مقسمه إلى لقاءين وكل منهما مقسم تقسيمات داخلية .
والكاتب استفاد من البناء الروائي وتخطيطاته – ومن البناء المسرحي – وساد بين البناءين فجمع بين الوصف والتصوير وبين السرد والحوار – وهي عمليات فنية موضوعية قائمة على المواجهة والمكاشفة – وهذا التصرف أعطى الكاتب الحرية في التنقل – والاستعاضة بالمؤثرات الداخلية المتعلقة بالديكور والأثاث ، والإضاءة ، والموسيقى – كمؤثرات نفسية – بدلا من التصوير والوصف أحيانا .
خامسا : نقطة الهجوم
" من أهم الأغراض التى تقصد من البناء والتخطيط ، تيسير حكاية القصة ، واختيار نقطة الهجوم فالكاتب المسرحي ، حين يدير الحوار بين شخوصة في موقف بعد موقف ، إنما يحكي في الواقع فصلا بعد فصل من قصة ، فترى أحداث القصة تتقدم خطوة بعد خطوة ، وتتضح صفحة بعد صفحة من خلال الحوار " ( )
وفي زمن نجوى وهدان لم تر ثرثرة ولا ازدحام ولا تتوقف ، بفضل الشحن النفسي منذ البداية – وأعتقد أن نقطة الهجوم – من أبرز الفنيات المسرحية داخل الرواية فهي تبدأ من بداية الامتهان والاغتصاب وتنتهي بالهروب – هند – محمد لتنتهي بالخصاء – وتحولت فيما بعد إلى البحث عن وسيلة للتعايش في ظل هذه التركيبة الاجتماعية الممزقة .
وتبقى نقطة أخيرة – وهي القيد الزمنى – وكما أشرت في مبحث الزمن – أن زمن المسرواية / الرواية الممسرحة – زمن نجوي وهدان لا يتجاوز الساعات القليلة ، ربما ساعتين ربما ثلاث أو أكثر قليلا ، دل على ذلك بداية الفاصل الحواري الثاني – صـ11- وبداية الفاصل الحواري الرابع صـ51 وعلى المستوى الفني الزمني الداخلي – يمكن تحديد ذلك بدقة .
فالوسيلة التى لجأ إليها الكاتب – هي وسيلة الاسترجاع الذهني – القائم على التبرير لرد الفعل وأعتقد أن الكاتب نجح في احتواء جميع الأحداث رغم ضخامتها بفعل العملية الاسترجاعية وبفضل الصيغة الماضية بطاقاتها الحكائية الهائلة .






























الهوامش

- عالم الفكر يونية 1995
2- فن كتابة المسرحية – لاجوس اجري ترجمة دريني خشبة
3- بانو راما الرواية العربية الحديثة د . سيد حامد النساج
4- فن كتابة المسرحية من خلال تجاربي الشخصية – على أحمد باكثير
5 - زمن نجوى وهدان – مجدى جعفر – كتاب الاتحاد


































خامسا الخاتمة































الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله – وعلى آله وصحبه وسلم آمين .
وبعد
تُعد الرواية من أهم فنون القول في وقتنا الحاضر ، قد اكتسبت هذه الأهمية من صلتها وقُربها من الواقع ، ومحاولاتها المستمرة الخوض في إشكالياته ، وقضاياه .
واستيعاب ، أهم الشخصيات والأحداث – وتركزت الدراسة في بدايتها حول نقاط أساسية ساعدت في التعامل مع الأفكار والموضوعات التى طرحها مجدي جعفر في روايته زمن نجوي وهدان .
من ذلك – الرواية في الأدب العربي – وأهمية فن الحكي عند القدماء ، وارتباطه بحياتهم وواقعهم – ومآثرهم ومفاخرهم – ثم تطرقت للوظيفة الروائية ، فلكل فن وظيفة ودور يؤدية في المجتمع ، وقديما قالوا الشعر ديوان العرب .. من هذا المنطلق توصلت إلى نتيجة هامة ، وهي أن الرواية تفسير للحياة والمجتمع الإنساني وأن موضوعها وحادثها في المقام الأول – الإنسان – بكل ما يحيط به من مشاكل وهموم ومعاناة أبدية ، ومهما يكن من أمر التوسلات الفنية لدى الكاتب .
فإن الدور الأول للفن – هو الاهتمام بالفرد ومشاكله – مع الحفاظ على المتعة التى يضفيها الفن على النواحى التذوقية عند المتلقي .
وأيا كانت التداخلات الفنية والاقتباسات النصية – يجب أن يكون لكل عمل فني – قيمة موضوعية واجتماعية وفنية ، ولعل المناقشة الأخيرة مع الكاتب في بعد الكلام – ساهمت إلى حد معقول ، في الوقوف على موقف العمل وأهميته من الناحية الموضوعية والفنية .

د . نادر أحمد عبد الخالق أحمد
3 من شوال المبارك 1428هـ
15 من أكتوبر 2007م










سادسا : المصادر والمراجع


















المصادر والمراجع
- أولا المصادر
- القرآن الكريم
1 – رواية " زمن نجوى وهدان " مجدي محمود جعفر – الهيئة العامة لكتاب 2006م
ثانيا : المراجع
1- الأدب العربي المعاصر للدكتور شوقي ضيف – دار المعارف ط7 – 1993م 2
2– الأدب القصصي والمسرحي في مصر للدكتور أحمد هيكل – دار المعارف 1990م
3 – الأدب الهادف – محمود تيمور – المطبعة النموذجية القاهرة – نوفمبر 1959م
4– الأدب وفنونه للدكتور محمد عناني – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997م
5 – بناء الرواية : دراسة في الرواية المصرية للدكتور عبدالفتاح عثمان – مكتبة الشباب – القاهرة 1982م
6 – بانوراما الرواية العربية الحديثة للدكتور سيد حامد النساج – مكتبة غريب ط2 – 1985م
7 – تطور الرواية العربية الحديثة في مصر 1870 – 1938 للدكتور عبدالمحسن طه بدر – دار المعارف
8 – تطور فن القصة القصيرة في مصر من سنة 1910 إلى سنة 1933 للدكتور سيد حامد النساج – دار الكتاب العربي للطباعة والنشر
9 – دراسات في القصة العربية الحديثة : أصولها – اتجاهاتها – أعلامها للدكتور محمد زغلول سلام – منشأة المعارف بالإسكندرية
10 – الديوان في الأدب والنقد : العقاد – المازني الهيئة المصرية العامة للكتاب 2000م
11 – الشخصية وأثرها في البناء الفني لروايات نجيب محفوظ للدكتور نصر محمد ابراهيم عباس – مكتبة عكاظ للنشر والتوزيع – الرياض – السعودية – 1984م
12 – الشخصيات الروائية بين علي أحمد باكثير ونجيب كيلاني : دراسة موضوعية وفنية – نادر أحمد عبدالخالق – رسالة دكتوراه - مخطوطة – كلية اللغة العربية بالمنصورة
13 – العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر – دراسة نقدية 1914 – 1986 للدكتور مراد عبدالرحمن مبروك – دار المعارف ط1 – 1990م
14 – فن القصة للدكتور محمد يوسف نجم – دار الثقافة – بيروت
15 – فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية للأستاذ علي أحمد باكثير – مطبعة مصر 1984م
16 – الفنون الأدبية في مجلة الهلال من سنة 1952 – 1993 . دراسة تحليلية نقدية – رسالة ماجستير مخطوطة – كلية اللغة العربية بالزقازيق – نادر أحمد عبدالخالق
17 – في الأدب العربي المعاصر للدكتور ابراهيم عوضين ط1 1975م
18 – في نظرية الرواية ، بحث في تقنيات السرد - عبدالملك مرتاض – عالم المعرفة ديسمبر 1985م
19 – القصة في الأدب العربي للدكتور متولي محمد البساطي - السعادة – مصر
20 – القصة في الأدب العربي وبحوث أخرى . محمود تيمور – مكتبة الآداب – القاهرة
21 – القصة القصيرة دراسات ومختارات للدكتور الطاهر مكي – دار المعارف 1985م
22 – القصة القصيرة في مصر منذ نشأتها حتى عام 1920م – عباس خضر – الدار القومية للطباعة والنشر
23 – المختار الصحاح للأمام محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي – دار الكتاب الحديث – الكويت – ط1 – 1993م
24 – مقدمة احسان هانم لعيسى عبيد – الدار القومية للطباعة والنشر 1964م
25 – النقد الأدبي : أصوله ومناهجه لسيد قطب – دار الشروق – القاهرة 1990م
26 – النقد الأدبي الحديث للدكتور محمد غنيمي هلال – نهضة مصر 1977م
27 – نقد الرواية في الأدب العربي الحديث في مصر للدكتور أحمد ابراهيم – عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية 1993م
ثالثا : الكتب المترجمة
1 – الإبداع القصصي عند يوسف إدريس – ب . م كربر شويك ترجمة رفعت سلام
2 – أركان الرواية أ . م فورستر – ترجمة موسى عاصي 2000م
3 – فن كتابة المسرحية للاجوس اجري – ترجمة : دريني خشية – الهيئة العامة للكتاب 2000م
رابعا : الدوريات
1 – مجلة الرسالة – عدد نيسان – ابريل 1937م
2 – مجلة عالم الفكر – عدد يونيه 1995م – الكويت
3 – مجلة الهلال – فبراير 1965م


#6 محمود الديدامونى

محمود الديدامونى

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 263 المشاركات:

تاريخ المشاركة 21 February 2008 - 02:35 PM

د/ نادر
ما الذى فعلته هنا ؟
أنت بارع بحق
دراسة عالية المستوى وتقدم لنا ناقد كبير
سعدت بالقراءة لك
وتحياتى للمبدع الجميل / مجدى جعفر

قوِّم النفس بالأخلاق تستقم[b][color=#3333FF]

#7 مجدى محمود جعفر

مجدى محمود جعفر

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 423 المشاركات:

تاريخ المشاركة 09 March 2008 - 11:20 PM

شكرا للأستاذ محمود الديداموني على تعقيبه الجميل ومداخلته ، ولك خالص امتناني وتحياتي

#8 مجدى محمود جعفر

مجدى محمود جعفر

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 423 المشاركات:

تاريخ المشاركة 31 March 2008 - 08:39 PM

المشاركة الأصلية بواسطة / الدكتور حسين علي محمد
مرحباً بالدكتور نادر، نقلت الدراسة لأقرأها على مهل،
وقد قرأتُ الرواية من قبل، ووجدت أنها مسرواية تثير الكثير من القضايا الفنية،
وفي حاجة إلى قراءات متعددة تستكنه دواخلها، دون أن تقع في فخ:
هل في الرواية رؤية اجتماعية ظاهرة، أم أن الفن فيها لا يمكن فصله عن الواقع الاجتماعي المعيش والمتخيل.
تحياتي للروائي مجدي جعفر، الذي يبدع نصه (المغاير والمختلف ) على نار هادئة.
شكرا لأستاذنا الدكتور حسين على محمد على مداخلته ، وشكرا على رأيه في نص " زمن نجوى وهدان " وأتمنى أن أكون عند حُسن الظن وعلى مستوى الثقة ومن الله التوفيق

#9 سمير الفيل

سمير الفيل

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 9230 المشاركات:

تاريخ المشاركة 01 April 2008 - 12:24 AM

دراسة تستحق التأمل

يستحقها القاص والروائي مجدي جعفر

شكرا للباحث الدكتور نادر أحمد عبد الخالق على هذا الجهد

نتابعكم ببهجة..



سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
مدونتي :
http://samir-feel.maktoobblog.com/


#10 محمد عبد الله الهادي

محمد عبد الله الهادي

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1467 المشاركات:

تاريخ المشاركة 01 April 2008 - 01:38 AM

شكرا لمجدي جعفر
ونأمل أن يعرض د . نادر بحثه من خلال لقاء باتحاد الكتاب إن شاء الله
ومرحبا به ناقدا جديدا يثري حياتنا الأدبية


#11 مجدى محمود جعفر

مجدى محمود جعفر

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 423 المشاركات:

تاريخ المشاركة 06 April 2008 - 10:42 PM

المشاركة الأصلية بواسطة / سمير الفيل
دراسة تستحق التأمل


يستحقها القاص والروائي مجدي جعفر


شكرا للباحث الدكتور نادر أحمد عبد الخالق على هذا الجهد


نتابعكم ببهجة..
شكرا لكاتبنا الكبير سمير الفيل ونرجو أن نكون عند حُسن ظنه وعلى مستوى ثقته ومن الله التوفيق

#12 مجدى محمود جعفر

مجدى محمود جعفر

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 423 المشاركات:

تاريخ المشاركة 21 August 2008 - 09:34 PM

المشاركة الأصلية بواسطة محمد عبدالله الهادي
شكرا لمجدي جعفر
ونأمل أن يعرض د . نادر بحثه من خلال لقاء باتحاد الكتاب إن شاء الله
ومرحبا به ناقدا جديدا يثري حياتنا الأدبية
شكرا للصديق محمد عبدالله الهادي ونأمل أن يكون قد قرأ الكتاب




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين