ذهاب للمحتوى


صورة

القاص طلق المرزوقي في لقاء مع ملتقى القصة التفاعلي


  • Please log in to reply
5 replies to this topic

#1 مريم الحسن

مريم الحسن

    عضو مشارك

  • المشرفون
  • PipPip
  • 35 المشاركات:

تاريخ المشاركة 31 December 2016 - 10:10 PM

Talaq.jpg

 

 

 

 

    من أرض الهدا والشفا ، من عمق الجبال الخضراء، بشموخها وجاذبيتها، برذاذ مطرها المتساقط؛ لينعش قلوب تهفو إليها طلبا للسلوى ،كحبات لؤلؤ متناثرة، يلتقط لنا حروفه بعناية ، بلغة مكتنزة ومشبعة بالدلالات، برمزية معانيه، وشعرية كلماته ، وطرح رؤيته وفلسفته. بسرد ينمو على نار هادئة ننتقل معه من حرف الى حرف ، ومن معنى الى آخر.
من ضواحي الطائف ودروبها ، من جوار مكة الى ربوع الرياض تنتقل المحبرة، بأقلام تسكب حبرها أينما تكون.
معنا فارسنا اليوم ، قاص يسمو ويتألق كما تألق دائما.
بكل الود والتقدير نستقبل الكاتب المبدع الاستاذ (طلق المرزوقي)  ننتظر بوح القلم والإبداع والتميز، فأهلا وسهلا بك ضيفنا في يوم القاص في ملتقى القصة القصيرة الإلكتروني (التفاعلي) نرحب بك وبالأعضاء جميعا.

                                                                   

                                           إدارة ملتقى القصة الإلكتروني ( التفاعلي)

 

 


مشرف ملتقى القصة العربية في منتدى القصة العربية


#2 مريم الحسن

مريم الحسن

    عضو مشارك

  • المشرفون
  • PipPip
  • 35 المشاركات:

تاريخ المشاركة 01 January 2017 - 12:11 AM

طلق المرزوقي سيرة cv

عضو سابق في نادي القصة بجمعية الثقافة والفنون بالرياض .
عضو مؤسس بجماعة السرد في نادي الرياض الأدبي .
عضو مؤسس جماعة أصدقاء الكتاب بالطائف   .
رئيس جماعة إبداع جمعية الثقافة و الفنون بالطائف .
رئيس جماعة إبداع بنادي الطائف الأدبي .
صدر له مجموعة قصصية بعنوان دماء الفيروز .
سيصدر له مجموعة قصصية ثانية قريبا .


مشرف ملتقى القصة العربية في منتدى القصة العربية


#3 جبير المليحان

جبير المليحان

    مؤسس شبكة القصة

  • الإدارة
  • PipPipPipPip
  • 4471 المشاركات:

تاريخ المشاركة 01 January 2017 - 01:17 AM

رائع جهدك أستاذة مريم

الصديق القاص طلق المرزوقي له نكهة مميزة في السرد .


صورة

#4 مريم الحسن

مريم الحسن

    عضو مشارك

  • المشرفون
  • PipPip
  • 35 المشاركات:

تاريخ المشاركة 01 January 2017 - 02:05 AM

عبدالحق هقي : مرحبًا بالقاص المبدع طلق المرزوقي،،، بإنتظار متعة سردية في هذا اليوم الجميل..
الشكر المبدعة المتألقة مريم والجميل المبدع هاني
صباح القص والسرد لجميع الأحلى

***


طلق المرزوقي: الطريق إلى رمدان

( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ )
(سورة ص ـ آية42 )
( وقال لي : كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة )
النفري

كان موته متوقعا رأيت الموت وهو يتسلل في خفة أفعى، ويقطّر السكون في عينين ألفتا السهر والحكايا.
لم أكن أعرف أن موت المحياني سيملؤني بكل هذا الفراغ والحزن, نفضت جمجمتي لطرد هذه الفاجعة، لكن صورته تعود إلى ذاكرتي، أحسّ به يحضر مثل فرس جموح لا تمل حراثة الصحراء.
كان يجيء من سفره محملا بالتمر، والزنجبيل، والحكايا، المسالك كانت، ترهف سمعها لوقع خطاه, ويعتريها فرح عميق، فتردد: يا أنت اسمع خفق نعليك!

أذكر صوته، كان يأتي محملاً بحكايا البدو مترعا بالمواويل، والحداء، مازالت صورته في ذاكرتي تطغى على كل شيء، كنت أراه في غبش الصبح وهو يقعي تحت طلحة عالية عند سفح جبل العامرية، يملأ غليونه بالتنباك، ثم يغرسه في فمه، يأخذ نفسا عميقا، يملأ فمه بالدخان، ثم يمجه على دفعات، يظل على هذه الحال حتى الظهر.

ذات صباح بعيد رحت أتأمل الشمس وهي ترسل أشعتها، كانت تلكز فرع الطلحة فينسل الظل رقيقاً ويتمدد بالاتجاه المعاكس لأشعة الضوء، يظل يتمدد حتى يَغرق المحياني فيه.

ذاكرتي مطمورة بالوجع وعلى شفتي بقايا غناء..

جآني مثل حلم، هدهدني كأنما أهال على ذاكرتي ماء فأيقظها، شعرت به وهو ينفخ في إذني تعاويذه، قال : موعود أنت برمدان وتمتم : مهيأ أنت للرؤيا! اعترتني الحمّى ودخلت إلى دائرة الغياب، رأيتني أنصت للريح، فأسمع حكايا الموت والرحيل.

المحياني يصيح اسلك طريق القوافل...

بصري أحدّ من عيني صقر، رأيت البدو وسط الرمال يمرون خفافا, مسيجين بالحزن، جمالهم المثقلة بهم وبمتاعهم تنزع خفافها من الرمال بصعوبة كبيرة، جعلت أجسادهم المستقرة على ظهور الإبل تترنح, القافلة تشق كبد الرمال بتؤدة، ما لبثت أن دلفت منطقة العواصف، توارت عن نظري، عزلتها عني سحابة من الغبار، لكن حدائهم مازال يملا الفضاء، كنت أسمعه بوضوح, لحظات ثم انبثقت قافلتهم من خلال العاصفة الرملية مجللة بالتراب، والصبر، وقفوا تحلقوا حول بعضهم وفيما هم منشغلون بإزالة حبات الرمل العالقة بوجوههم، انسل من بينهم طفل صغير، أطبق بأصابعه على أحد أسنانه، خلعه ودسه في راحة يده، أخذ يدور حول نفسه، ثم قذف بيده إلى خلف ظهره، وأرسلها إلى السماء، طيّر بقايا السن عاليا، أحاط فمه بكلتا راحتيه، حدّق في الشمس وراح يصيح : (يا شمس عطيني سن غزال )

المحياني يصيح اسلك طريق القوافل...

النبوءة التي عبأتني بها تلك اليد التي هدهدتني في يومٍ بعيد، أعادتني إلى فتنة الحياة، أيقظت فيّ حكايات كنت ظننت أنها اندثرت، أيقظت في ذاكرتي تلك الصحراء الساحرة التي تعج بالراحلين خلف الماء والعشب.

ربما هي نهاية البكاء أو بداية الرؤيا!

أولئك البدو عاشرتهم كثيرا، رأيتهم وهم يلوبون الصحاري، حين يوجعهم المسير يغرسون خيامهم في مكان ناتئ من جسد البيداء، يقيمون هناك زمنا وعيونهم شاخصة إلى السماء، ترقب بولع ممض برقا ربما يومض هنا أو هناك، وحين تحل المساءات المقمرة تشع وجوههم بالفرح فيبدأون ممارسة طقسهم الليلي، يتبادلون الغناء والرقص وإنشاد المواويل، ويستحضرون الحكايات القديمة عن الفرح والخصب.

المحياني يصيح عرج على الأودية...

رأيت في البعيد فتى بدوياً يقف وحيداً على طرف الوادي الكبير، يرتدي ثوباً (مذولقا) أكمامه طويلة تكاد تلامس الأرض، اتبعت خطوه المحفور على الرمل، كان أثر خطاه يندثر كلما صعد منحدرا رملياً و يبدأ في الظهور عند المناطق المستوية من الأرض, الفتى لم يكن قريبا بالقدر الكافي، على طرف الأثر الممتد استطعت أن أميز تفاصيل وجهه.. كان على شيء من الوسامة رغم أن السمرة غطت وجهه، أنفه طويل، وجنتاه ضامرتان قليلا، وعيناه سوداوان يصدر منهما بريق أخاذ، كان يقف على طرف صخرة ذات ارتفاع منخفض ، معطياً ظهره للشمس، ظله استطال أمامه فبدا لي ضئيلا بالمقارنة مع جسمه، كان يحدّق في وجهي، وقفت أمامه, ابتسم لي وشرع يحدثني عن الصحراء. قال : إن رمالها تسافر مثل البشر تنتظر الريح حتى إذا ما هبت رافقتها. وأن أشجار الطلح هذه المتناثرة على أطراف الأودية مثقلة بالحكايا. تابع : لو نبشت تحتها لقفزت إليك أسرار أولئك الذين مروا من هنا، أما قلعة رمدان فقال أنها المكان الذي يؤوي المطاريد الهاربين من الموت، والثأر تحتضنهم مثل أم رءوم. سَكت وأجال بصره في الأفق المترامي وقال بلهفة كبيرة: أأنت ذاهب إليها؟

نعم قلت. ولكن كيف أجدها؟
لاذ بالصمت وأخذ يحدق في بعينين يصدر منهما البريق الأخاذ ذاته، حاولت اتقاء نظراته، طأطأت رأسي صوبت نظري إلى جرف كان على مقربة منا، وحين رفعته لم أجده ، ضاع في الفراغ الصحراوي الرهيب.

صوت المحياني مازال يراودني مثل حلم، رأيتني أجثو على ركبتي فوق كثيب من الرمل، الغبار يمارس صلفه المجنون على مقربة مني، الظمأ أيبس شفتي، ورمدان حفنة من المنى أعرف أنها بعيدة المنال ، انتصبت واقفاً مشيت ناحية الفراغ الرهيب.. لا أحد.. حاولت الحداء لكن فمي عصاني، كل الحداءات التي أحفظها تبخرت من ذاكرتي كبقعة ماء داهمها القيظ فتلاشت، تقدمت إلى الشرق أجاهد في البحث عن أثر للقافلة ولكن لا جدوى... عيناي تتابعان تكويرات رملية صغيرة في منبسط رملي أخذت تبدل مواقعها باستمرار ، بفعل حركة الريح، تقدمت أجرجر قدمي فوجدت طلل القوم، كانوا هنا لا بد أنهم رحلوا تواً، تناما داخلي أمل كبير، الأمل ذاته الذي راودني في البدء وحفزني على أن أتبع أثر القافلة ، رأيت أثار ظعنهم في المكان، الأثافي متناثرة، هنا آثار مضارب أوتاد الخيام ، مغارزها في الأرض مازالت واضحة، هنا بقايا دلالهم، ورائحة القهوة البدوية تعبق في المكان، تعثرت قدمي بشيء متكور ولدن مدفون تحت طبقة رقيقة من التراب، وقفت انحنيت عليه والتقطته نفضت الغبار عنه فظهرت خيوط (الخِرج)، خيوط ملونة منسوجة بمحاذاة بعضها بطريقة طولية وتنهي بعقد سوداء صغيرة، أزحت طرفي الغطاء و فتشته، كان داخله حاجيات أنثى ، مرآة مكسورة ، مكحلة ، خلخالان من الفضّة، وصرة حِناء صغيرة .

أوغلت فانكشف المخبوء..

في لحظة سرمدية انكشفت أمام عيني كامل الصورة، شعرت أن المغاليق تكشفت لي وحدي ، كنت مقابل باب القلعة الخشبي الهائل وهو يتحطم ، تهاوى تحت قدمي ، للحظات تسمرت أمام هذا الدوي الكبير، لكني استجمعت قواي ، و دخلت ؛ كل الأشياء تضيع في رغبة الكشف، حتى الزمان والمكان، يضطربان، يتشكل قانون زمني جديد، لا منطقي، وتجتاحك رغبة عارمة في ولوج أشياء غير واضحة المعالم ولا تعرف كنهها.

رمدان قلعة من طين جدرانها عالية تطاول السماء، تحصّنت بها مع البدو حين هاجمنا الغزاة، صعدت إلى (المرقاب)، رأيت الجيش الزاحف باتجاه القلعة، يتدفق مثل سيل، اقترب حتى أحاط بالقلعة، أدرت بصري إلى داخل السور، أبصرت النخيل وهي تراقص الريح، وقد نثرت ظلالها على الممرات، الرجال مسترخون تحت النخل الذي أسفل السور يثرثرون بصوت منخفض تتعالى ضحكاتهم بصورة متقطعة، ظهر لي أنهم لا يعبأون بالجيش القابع خلف الأسوار، الأطفال يتراكضون بالقرب من الرجال المسترخين وقد أسرجوا من جريد النخل خيولا، وراحوا يمخرون أرجاء القلعة محدثين ضجيجا عذبا، شعرت بسكينة وأمن عميقين، فنزلت السّلم الصخري حتى وصلت إلى أسفل السور، كان ثمة شيء غامض يقودني, عبرت الطريق الترابي المحاذي للنخل إلى أن انتهيت إلى بئر (الطويلة) التقطت حبال الدلو التي طويت على خشب (القامة) أدليت الحبل، سمعت ارتطام الدلو بالماء، أخذ يغرغر وحين امتلأ بالماء، اختفت تلك الغرغرة سحبته إلى الأعلى بصعوبة ، حاولت رفعه لأشرب فشعرت بثقله ، وضعته على الحافة الحجرية للطي، أملته باتجاه فوهة البئر وسكبت الماء إلى قعرها ثانية محاولا التخفيف منه حتى أستطيع حمله، ثم قربته من فمي وشربت، تناهى إلى إذني صوت عجوز كانت تقف على مقربة مني وهي تصيح بصوت أخنّ خالطه فرح : (ماء الطويييييييله عل يا ظااامي )

المحياني يصيح اسلك طريق القوافل...

كنت أرى القافلة رأي العين، وهي تلقي خلفها الجواد المتشابكة، تعبر باتجاه منابع الماء، وأسمع رغاء الجمال، وبكاء الأطفال المثقلين بالجوع ، أرى الشيوخ وهم يحدّقون في سهيل حتى لا يضيع منهم الطريق، أحد الشيوخ أتعبه التحديق في النجم, تنحنح، رفع رأسه إلى الأعلى ثم غرس سبابته اليمنى في أذنه وشرع في الغناء, اشرأبت أعناق الرجال إليه، أما النساء فرحن يتمايلن بطرب ظاهر ويهدهدن أطفالهن الجياع.

ذاكرتي مطمورة بالذكريات...

كان ذلك منذ زمن بعيد جلست قربه حدثني عن رمدان، ثم صمت، أخذ يعبث بلحيته ، كأنما كان ينصت لشيء لا أعرفه، عيناه معلقتين إلى الأعلى، يحدّق في اللا شيء، كنت أتفرس في تفاصيل وجهه، أنفه دقيق ، بشرته داكنة مائلة إلى السواد قليلا، من أثر شمس الصحراء، شفتاه طريتان بحكايات كنت أعرف أنه سيتلوها على مسمعي، أذكر جيدا كيف تهللت أسارير وجهه، وبرقت عيناه ، إلتفت إليّ وقال : لابد أنه سيجيء يوماً ما تتبع فيه قافلة البدو تلك الذاهبة إلى رمدان.

تبعت القافلة أو خُيل لي أني أتبعها.....

على حواف كثبان الرمل، و بالقرب من المرتفعات الجبلية، وقفت أنظر إلى البعيد كنت أرى جوادّ الإبل التي مهدتها بخفافها تتداخل مع الرمل، تمتد بعيدا ثم تضيع في الأفق الشاسع، غارسة في رأسي الحيرة.

تساءلت بنزق : أي هذه الجوادّ، ذاهبة إلى رمدان؟

تهاويت على ركبتي من أثر التعب ، واستسلمت لبرودة الرمال ، لا أدري كم مكثت حين أيقظني صوت دوي، أعقبه طنين حادّ أخذ في الخفوت تدريجيا، ثم صوت حداء خافت ومتقطع راح يتعالى شيئاً فشيئاً، اجتاحني شعور غامر بالفرحة فصحت كالملدوغ : أنه المحياني، ورفعت صوتي: أين أنت ؟ أين أنت؟
وصلني صوته من اللا مكان مثقلاً بالنشيد:

يا بكرتي درهمي يا بعد طِرقتنا
البدو شدّوا وأنا فـ المهمه الخالي

كنت أراه مثل طيف.

نشيده أطرب ناقته المحملة به و( بقلال ) التمر فراحت تطوي الأودية على تخوم الحجاز، سالكة الطريق إلى رمدان، تحفّها أسراب طيور ( السوادي) التي أخذت تسكب في أذنيه ضجيجها العذب، كان يمضي عبر المنحدرات مثقلاً بالشوق، عَبَرَ الطريق المحاذي للقطعان المتناثرة في الصحراء، ألقاها خلف ظهره، وحثّ راحلته إلى الغرب، أثاره فارس يمتطي فرساً دهماء، يعبر بها الأفق البعيد، فدمدم بأغنية بدوية، وراح يغور في الأفق شيئاً فشيئاً حتى توارى.

رمدان كل الطرق تؤدي إليه ، كل الطرق تخرج منه ! هكذا سمعته يقول ذات يوم.

الصحراء قاحلة يُعربِد في جنباتها طائر خرافي، يوزع الجدب في كل أجزائها.
صرخت بصوت مشروخ : أيها المحياني انتظرني فالمسير أوهَن قدمي.

انبثق المحياني من وسط الرمل مثل إعصار وقال : رمدان قريبة منك بعيدة عنك!
قلت: أرهقني الركض، وأورق في عيني حزن سرمدي، ورمدان بعض رؤيا يصعب القبض عليها . قال : تجلد فالقافلة تسير بسرعة كبيرة، ستمر على الوادي الكبير، تقيم هناك زمنا ليس بالطويل ثم ترحل، تمر على جبل العامرية، سيقذفها الطريق إلى الشرق، فتُعَرج على واحة (مغرق) تتزود بالماء، وتواصل سيرها إلى.... .... ....

دون أن يكمل حديثه ذاب في الرمل، تحول إلى ذرة من تراب، رحت أحدق في الحفرة التي خلفها وراءه والرمل يتداعى إلى داخلها بسرعة كبيرة ، لم أفاجأ لاختفائه. متيقن أنا أنه سينبثق في مكان آخر، ربما من صخرة سيولد، أو من سحابة في الأفق سيتنزّل.

لا أعرف كم مكثت هنا! فالزمن في هذه البيداء اللعينة، كائن هلامي لا أعرف كيف يبتدئ ولا متى ينتهي !

لا أعرف إن كانت رمدان المكان الحلم حقيقة أم أن المحياني عبأ ذاكرتي بالأوهام فرحت أركض في الفراغ !

لست أدري إذا ما كنت أهذي ، أم أن الحلم هدم حدود الواقع ، كل ما أذكره أن المحياني قبل موته كان يئن بتتابع رتيب ، فمه كان ينز ألغازا وأحاجيا ، قال أشياء تشبه الطلاسم جاهدت كثيراً في فهمها.

مازلت أتذكر جيداً آخر الكلمات التي قالها. قال: إن الطرقات والمسالك وجوادّ الإبل تنّمحي، تنّمسح، تندّثر بفعل الريح وحركة الرمل الدائبة، وقال أيضا: إن الطريق إلى رمدان مربوط في مؤخرة خفّ آخر جمل في القافلة، كان آخر شيء فعله أنه حرّك جسده بتثاقل واقترب مني ثم أسرّ لي: سترافق القافلة، وسترى تحت ساقي أول جمالها قلعة رمدان وهي تنبجس بأسوارها الحجرية من باطن الأرض.

اختلط عليّ الأمر، لم أعد متيقنا هل رمدان المكان الذي أشغلني طويلا واقع أم وهم!

موت المحياني رغم أنه كان متوقعا بسبب مرضه الطويل إلا أنه ملأ أهل بيتنا بالحزن وبالأخص أنا، وفجَر بدواخلنا حكايات تشبه الأساطير عن القلعة اعتقدنا أنا نسيناها، لكن حكاياتها أخذت تهمي مثل رذاذ شحيح، سرعان ما تلاشت، أمام عناد الموت الذي عاود شحننا بالحزن الممِضّ.

 

****

 


محمد ربيع الغامدي: سلام على رمدان
والحب لسماء تُظِله.

****


طلق المرزوقي: تنويه للزملاء : أنا أميل لكتابة القصة القصيرة أكثر من ميلي لكتابة القصة القصيرة جداً

 

****


ساعد الخميسي : الطريق إلى رمدان
..و السرد الإيقاعي

نص تشاكلت رؤاه وأحداثه من صميم البيئة البدوية المنبسطة على الصحراء، ولاتساع الصحاري وغياب معالم الطريق.. ضج السؤال: أين الطريق إلى رمدان؟

 من هنا جاء السرد أطول، سرد قوامه رصيد الحكايات، سرد يغوص في الرمل ينبش أصل التفاصيل، و الأصول أعمق.

لذا
اتكأ السارد في طريق رحلته للاشيء / للحياة والموت معا / لـ رمدان على ما يخفف السير، ويشحن همم القوافل.

فجاء بالنص مبنيا على الإيقاع، تلك الثيمة المتكررة في ثنايا النص، ثيمة الإرشاد التي كلما كلﱠ متن الطريق أوقد النجم مجددا لها (المحياني).

(المحياني يصيح اسلك طريق القوافل...

المحياني يصيح اسلك طريق القوافل...

المحياني يصيح عرج على الأودية...

المحياني يصيح اسلك طريق القوافل…)

( أنه المحياني، ورفعت صوتي: أين أنت ؟ أين أنت؟
وصلني صوته من اللا مكان مثقلاً بالنشيد:

يا بكرتي درهمي يا بعد طِرقتنا
البدو شدّوا وأنا فـ المهمه الخالي)

(انبثق المحياني من وسط الرمل مثل إعصار وقال : رمدان قريبة منك بعيدة عنك!)

هذه العبارات التي كان يبثها المحياني بعد كل حين مثلت إيقاعا سرديا وبوصلة تقود امتداد الطريق ولجج الحكاية..

 

نص رصين رؤية وسردا ودهشة
تحياتي لقاصنا الجميل أ.طلق المرزوقي

 

****

طلق المرزوقي: دام قلمك أستاذ ساعد على هذه القراءة.

****
 

 رشيد الصقري : أهلا بالمرزوقي
المرزوقي وظف التراث الشعبي في القصة بشكل متقن .

 

 

طلق المرزوقي: فتنة
‎حين أطلت من شق الباب الموارب انبجس الضوء،  و ارتبكت خطى العابرين فأنَ الطريق ، ثوبها الأزرق داعبته نسمة هواء كسولة ، لم تهتم، رفعت رأسها ، و رمقت بطرف عينها سرب حمام يعبر السماء فأشعلت فيه شهوة الهديل ، على الطرف الشرقي للطريق ثمة رجل كان متكئاً على حافة السياج الحديدي للشارع ، و يحدق في هذا البهاء الموجع  ، عدل قامته ، حتى استقام واقفاً ، طوّق فمه بكلتي يديه وعبأ حنجرته بالنشيد :

‎ياااااا  أيها الأزرق المكتنز بالفتنة أوجعتني

...


جبيرالمليحان : قصة عشق متخيل؛ فالضوء أنبجس، و الخطى ارتبكت، والطريق أنّ... إلخ. هكذا تخيل الرجل وهو يشاهد بهاء زرقة ثوبها. ربما تشير القصة إلى علاقة عشق تكونت من طرف واحد ،  فهاهو الرجل ينشد وجع الهوى مذ رأى زرقة ثوب التي لم تهتم.

****


 د. سحرشريف /مصر: صباح الخير  نص الطريق الى رمدان  عميق مليء بالدلالات  يشي بروح الراوي المتجذرة في البيئة الصحراوية  بما تحمله من صبر وجلد وتوق الى المجهول . لغة المرزوقي راقية مشبعة بالرموز .تأخذنا القصة إلى عالم الواقعية السحرية الذي يمزج بين حقيقة الصحراء وخيال قاطنيها من المخلوقات العجائبية التي تلقي الروع في النفوس .أعجبتني النهاية المفتوحة المناسبة لنص يحمل القاريء معه بعيداً مع الريح في الفلاة.

 

*****


عبدالحق هقي : والنص فتنة لكنها غير موجعة،،، تفتح شهية التأويل.. للأزرق دلالات سيميائية عديدة.


طلق المرزوقي: مرحبا جبير العشق من طرف واحد هو العشق الخالد و ققص التراث شاهدة على هذا.
دمت بخير  

 


طلق المرزوقي: صباح الخير ا. د. سحر شريف
ونستمد من قراءتك الجمال وشكراً على الدلوف إلى النص

 


طلق المرزوقي: رغم أني لا أحب نصوص المناسبات إلا أن بعض المناسبات الجرحة تفرض عليك أحيانا الانخراط في الكتابة
 

 ‏سرادق للموت

      إلى أهل الحولة.

وجهُ البنتِ الصغيرةِ المغموس بالدم ، صَفّ النوافدِ المخرمةِ بفعل الرصاص ، عويل النساء الذاهلات ، هول اللحظةِ المشحونةِ بالوجع ، والدمِ المتخثر ، يكشف قُبحَ ذاك الجندي الواقف هناك إزاء بندقيته والقَابضْ على أُخمِصها .

لقد رأيتُ ، أما رأيتَ :

سادةُ الموت يتناسلون خفافاً من أطراف الطرقات ، ينخرطون في نَصبِ سُرادقاً ضخماً للغياب ، الأطفال الموزعون على المكان يتمتّرسون خلف حائط البكاء الواهي ، الخفيض . آخر ماسمعتُ في تلك اللحظة الخاطفة كوميض برق ، حَشْرَجات الولد المَضّهود ،  ( حمزة فراس عبد الرزاق * )

صوت آمر يأتي من اللا مكان : احفظ اسم الولد .
أتمتم بالاسم كي لا يتخطفه غُول النسيان : حمزة فراس ، حمزة فرااا ،  إيوه : حمزة فراس.

مازلتُ أرى المكانَ عينهُ الفائض بالجنود المدججين بالقسوة ، والذين لا  يَفتأون يغّرسون التبدد الخَشن في أرواح الأطفال ،  
فتنطفي الكلمات في أفواه الصغار ، وتتحنّط الأعين قابضةً على ذاك البريق الحاد ، والبشع ، الذي يومض في تَينيك العَينين للجندي ذَاته ، تتلوها رجفة خفيفة تتصاعد من جسد الطفل أشبه بالرد الأخير ، والمتأخر على عراك غير متكافئ.     

طلق المرزوقي
_______________
* اسم أحد الأطفال الشهداء .

 

*****


آمنة الذروي: التقاطة رائعة للموت وهو يتوغل ويحصد بمنجله ارواح البشر ، خاصة ضعفاء الحروب الأمهات التي تخجل الدموع من عيونهن والأطفال المحرومين من طفولتهم وبسبب الخوف هم يكبرون في تلك اللحظة الف مرة.
الجندي وقبضة التي تسمرت على مقبض بندقيته كان السبب الأكبر في وجود الموت واطلاق عنانه ليختطف الأرواح بحرية . قساوة قلبه وخشونته كانت ايضاً من الأسباب.
أبدعت في الألتقاطة الرائعة التي ترأت لي بكل وضوح في أزقة الموت .
آمنة الذروي.

 

*****


طلق المرزوقي: شكرا آمنة الذروي فالموت حين يحصد الأطفال العزل يصبح أكثر بشاعة منا سواه وهذا ماحدث في مجزرة الحولة في سوريا

 

محمد مدخلي: وهل البهاء موجع؟
أي فتنة اكتنزها نصك أثار شهوة الهديل عند سربه !!!!
كنت فاتنا حتى في إختيارك الأزرق لذلك البهاء الموجع ....
لما يحمله الأزرق من دلالات تهيج الروح للعشق
نص فاتن

 


طلق المرزوقي: أستاذ محمد البهاء الفائض عن احتمال التصديق موجع عادةً
شكرا لقبك  و يسعدني رأيك

 

محمد مدخلي: الحولة : ذلك السهل الزراعي الممتد حياة وطبيعة غرب سوريا
أضحى سرادق للموت بفعل جيش القمع اللاإنسانية.....
حمزة فراس عبدالرزاق
ومثله أترابه الأبرياء ...
خلدهم التاريخ بصمة عار في جبين كل من حفر سراديقهم ...
وخلدهم المولى عز وجل طيورا تجوب براح الجنة الواسع ...
نص سيخلد بذاكرتي ماحييت
حمزة فراس عبدالرزاق

 

*****


طلق المرزوقي: نعم أستاذ محمد الأدب يجب أن يكون شاهداً على عار العالم في الحولة وغيرها


منيرة البقمي/قاصة: تحيه للأستاذ / طلق
اضأت الملتقى ..

سرد دامي مثخن بالجراح .. حملني بمخيلتي لاراقب بدقات قلب متسارعه  المشهد بانتظار خاتمة آمل ان تكون مطمئه .. احببت نصوص الموقف او الاحداث ان صح التعبير .. دمت بألق

 

*****


طلق المرزوقي: شكراً أستاذة منيرة وخيط الدم الطويل في عالمنا العربي لا بد يعقبه أمل


محمد علي قدس: نص يموج في لحظات كابة الموت خلف حائط البكاء. نص يجسد الموقف بكل تفاصيله بلغة لا يمكنك فصلها عن روعة النص  وبريقه الحاد..في عيون الموت.


محمد علي قدس: نص هو الفتنة نفسه باطلالتها من شق الباب الموارب وثوبها الأزرق. يتكئ القاص طلق على مخزون لغوي جيد مفعم بإحساس القروي الذي يفتتح الجمال ولو في لحظات العابرين.

 

جمعان الكرت: لست بناقد إلا أنني  - وكما أظن- متذوق للجمال والبهاء السردي لدرجة الاندماج بل الانصهار
والقاص المتميز  طلق حقق لي المتعة بكل معانيها في نصوصه القصصية التي قدمها بدءاً بالنص الذي يتماوج بين الواقع والخيال في بيئة رملية وكنا نسير في خطى المحياني لعلنا نصل إلى مدان. اللغة السردية الرائعة خلقت لنا دهشة عجيبة  وماتعة لدرجة أن الرمل أصبح كائنا حيا يشعر بالموجودات التي حوله..
أمّا صاحبة الثوب الأزرق فقد شاركنا عاشقها في الشدو الجميل.. 
وأدمى القاص قلوبنا بما تفعله الرصاصات التي  اغتالت أرواحا بريئة ونقية وبيضاء
لغة باذخة وسرد راق
دمت بهيا ياصديقي
جمعان الكرت

*****


محمد مدخلي: معك حق أستاذي القدير جمعان
ثلاثاء مدهش ماتع مشبع للفضول السردي

 


طلق المرزوقي: الأستاذ القدير محمد علي قدس يسعدني رأيك في النص.

طلق المرزوقي: دام جمالك الأستاذ الأديب القدير جمعان الكرت ورأي القاص الحقيقي في النص يكون أحياناً أهم من رأي الناقد الذي يعّبر كل النصوص بذات المسطرة نستثني منهم النقاد الذين يمتلكون القدرة على انتاج نصّ موازي للنصّ الأصلي.


طلق المرزوقي: يباس

حين استيقظ أزاح ستائر النافذة ، أطل برأسه فشاهد بقايا غبش الصبح يتثاءب في زوايا حيه القديم ، رأى الشارع الموحل ، فتيقن أن سحابة مرت قرب بيته ليلة البارحة و سكبت مهجتها هنا ، هرشَ رأسه  ، وأخذ يفتش عن امرأة فائقة الجمال أقامت في حلمه ليل البارحة فلم يجدها، شعر بما يشبه الملح يذوب على لسانه ، أغلق الستارة ، وعاد للسرير مرة أخرى.

******


 كفى عسيري: وهل نملك إلا الأحلام؟؟!!
 


طلق المرزوقي: الحلم جارة الضباب يمد خيط الأمل للبعيد دمت بخير

 

آمنة الذروي: احسن شيء أنه اغلق الستار فالأحلام تبقى أحلام مهما كانت لذتها تسيل على وسائد النوم.


طلق المرزوقي: الأحلام أستاذة آمنة حياة رديفة للإنسان
دمت بخير


ابتسام البقمي/ قاصة: أهلا وسهلا بالقاص المبدع طلق المرزوقي


طلق المرزوقي: تجليات الأستاذ حمدوس

قال الذي مسته نار الصالحين "

إذا رأيت البدر مكتملا بأحداق النساء

وقامت الجوزاء بين النخل سافرة

تدور الأرض دورتها الجديدة
"
( الثبيتي)

( من لم يقف على إشارتنا, لم تغنه عبارتنا )

( الحلاج)

خفيف كالليل أنا وأسمع حتى ضحك النملة.

المدير بدا محتقنا قال كلاما خطيرا فشعرت برعدة، أخذ يصف المدونة،شكلها ،حجمها ، وأشياء تتعلق بمحتواها ثم أمرني بالانصراف قبل خروجي رأيت يديه ترتعشان، أعطاني ظهره تقدم خطوات إلى الأمام ثم اتكأ على طرف طاولة المكتب ، تأوه وأطلق زفرات محمومة وقال : أنت وحدك من يستطيع جلبها وعليك أن تفعل.
لا أنكر أني شعرت بزهو كبير رغم توتر المدير الظاهر و سبب هذا الزهو أنه اختصني أنا دون غيري بهذه المهمة.

بدأت العمل فورا.

اقتربت منهم كان جالسا وسطهم وقد تحلقوا حوله قال أشياء كالطلاسم،لم أفهمهاجيداً ، مريدوه شكلوا دائرة هو مركزها أخذوا يؤرجحون رؤوسهم ، إلى اليمين تارة والى اليسار تارة، ثم يبدأون في الاقتراب منه حتى تضيق المسافة بينه وبينهم ، ينفث في وجوههم كلمات لا أفهمها ، ربما كانت سحرا أو تعاويذ. تمايل الرؤوس بهذه الطريقة تشعرك بأن له حضورا طاغيا ، كلما مرت الدقائق كلما أصبح أكثر سطوة على المكان.
في ذلك البهو تشعر أن الزمن غدا نسبيا لا تستطيع ضبط حركته ، المكان أخذ يضيق ، الناس يتوافدون إليه ينسل بعضهم من بعض بشكل خرافي ، صوته يصلني واضحا، أستطيع أن أسمعه جيدا كان يقول :
(عندما تكون الصورة زاهية الألوان ونقية في الذهن ، يحدث الكشف ، فيكون الفعل أكثر مفارقة للساكن.)

لم أفهم ، لكنني حذر وأرصد الموقف ، تيقنت أن معرفة معنى هذه الكلمات هو المفتاح لولوج عالم خفي ومرعب تكتنزه هذه المخطوطة مازلت أرفّ..أرفّ.. بجناحي الخفيفين حول الدائرة.

عرفت أن الكلام الغامض الذي يردده فيهيج به الحضور جزء من هذا المخطوط اللعين الذي بين يديه الآن ، بدأ المريدون يترنحون كالسكارى حدثت نفسي: إنها بداية التيه ولاشك.

كلمات المدير ما تزال ترنّ في ذاكرتي : يا حمدوس الناس مرعوبون فالمدونة الملعونة هذه يجب أن لا تتسرب للدهماء. العقلاء يؤكدون إن من قرأها تاه وانمحى عقله وضاع في دروب كثيرة متشابكة ومتداخلة لا يعرف مداها إلا الله, إن البلاد والعباد في خطر عظيم ، الجملة الأخيرة قالها وهو يرتجف.

خفيف كالليل أنا وأسمع حتى ضحك النملة.

الناس يتحدثون عن حمى البحث عن المدونة التي تلبست بعض فاعلي الخير فشكلوا مجاميع سريه وانتشروا في أزقة المدينة وأفناء المدارس وردهات الفنادق . المدير حدثني عن هذه المجاميع السرية، لكنه لا يعول عليهم هكذا فهمت منه.
اختلف العارفون في مدى خطورتها
البعض يقول  إن المدونة : كتاب مصقول بعناية أوراقها بيضاء ناصعة نقشت عليها كلمات بلون غامض، تصيب من يقرأ منها بالجنون وأن الذي كتبها شيطان في هيئة رجل ، يسكن إحدى الجزر البعيدة والمعزولة عن الناس.
والبعض يقول أنها طرس قديم افرغ السحرة فيه كل شرور الأرض ، وظلت مدفونة وقتا طويلا في سرداب بيت مهجور يقع على ضفاف بحر الظلمات حتى جاء هذا الرجل وأخرجها ليفتن القوم بها .
الفريق الثالث والذين يجزمون بأنهم هم الأعرف بسر هذا المخطوط أكدوا : أنها ألواح صنعت من طين لزج أحميت على نار عظيمة حتى تيبست و أن مردة الجن الذين كانوا يسترقون السمع من السماء قبل ألف ألف عام دونوا فيها ما لا يجوز للبشر معرفته وأن فيها من البلاء مالا يحتمل أحد البوح به.

خفيف كالليل أنا وأسمع حتى ضحك النملة.

انسحب الرجل إلى الوراء بخفة واختفى، فانفض الناس وتفرقوا ، التصقت بأحدهم فسمعته يقول لشاب اسمر البشرة : من عَقلَها أصبح من السالكين في دروب المعرفة ، وصار من الذين تنقشع أمامهم أبواب الظلمة، احفظها ينهتك لك سر البدايات وتبين معالم الدرب لك ، عندها ستشخص بعيونك إلى البعيد . البعيد .. فيغشاك ضوء أبيض كأنه فلق الصبح. المدونة يا بني : معين علمٍ ومورد حقيقة , بها يُعرف السر ويُكشف الخفاء.
التفت إلى ظانا أني أحد المريدين وقال : شيخنا الأول الشاهد بنور اليقين هو من خبأها رأفة بضعاف البصيرة الذين لن يصبروا على رؤية الحق .
مريد ثان اقترب منا وهو يترنح عيناه ساهمتان فيهما مسحة من بقايا دمع قال : اعلموا أن من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات , وبوادر الموردات، ذوق ، ثم شرب ، ثم رِي ، فصفاء يوجب كشف المعاني والأحوال ، واعلموا أن في الطرس أشياء مخبوءة الإشارة فيها تغني عن العبارة لو كُشفت أسرارها لجرت دموع المريدين واهتاجت مواجد المحبين ،وانفطرت قلوب العارفين لهولها.
تراجع إلى الوراء حدق فيّ تقلصت وجنتاه واحمر وجهه، بدا لي أنه ندم على بوحه بأسرار لا يجب أن يعرفها غير المريدين.

قال بتوتر: من أنت.

حاولت أن أتكلم بالطريقة التي يتكلم بها المريدون و قلت : أنا المفرد الذي لا يشبهني أحد خرجت من كتب التاريخ جدي الأكبر خدم في بلاط المعتمد بن عباد ، ذاق النعيم فورثه لسلالته منذ ذلك التاريخ البعيد. مهنتي يا سيدي هي رصد الفصول وهي تتوالى ومراقبة الشمس منذ أن تشرق وحتى الغروب،أنا يا سيدي أبحث عن المستور وأكشف المخبوء.

هدأ واستكان ، صمتَ قليلا ثم قال : مبارك أنت وتراجع إلى الوراء خطوات ، ثم أدار ظهره لنا، وقفل عائدا إلى الدائرة مرة أخرى.

خفيف كالليل أنا وأسمع حتى ضحك النملة.

الليالي تتوالى وأنا أجيء كل يوم بلا كلل ، عدتُ لذات المكان الذي صرت أعرفه كما أعرف خطوط كفّي.
عدت للدائرة التي مركزها ذلك الرجل المتأبط المخطوطة دوما. حتى الآن عجزت عن معرفة ما في المخطوطة ، المريدون متحلقون حوله رغم أن عددهم بدأ يقل، هو يقرأ وأنا مازلت أرفّ بجناحين خفيفين كالليل.

كنت أحلق حولهم ، أتسلل خلالهم ، أندس بينهم و أردد خفيف كالليل .. خفيف كالليل أنا.

صحيح أن كثيرا من المفردات التي يتفوهون بها لا أفهمها ،لكنني أتعلم بسرعة، فقد استطعت خلال فترة بسيطة أن أفهم بعض ما يقولون أحتاج مدة وجيزة كي أقترب أكثر ربما أكون أحد المقربين فأرى المخطوطة، عفوا هل قلت ربما أكون أحد المقربين !! لا..لا.. أخطأت أيها السادة ، بل أؤكد لكم باني سأكون من المقربين جدا.

خفيف كالليل أنا وأسمع حتى ضحك النملة.

مازلت اقبع على طرف الدائرة، أتابع حركة المريدين القلقة حول المركز ، أدرت عيني إلى حيث يجلس محاولا رصد تفاصيل وجهه ، رفة جفنه أو اختلاج شفتيه قد تفصِح لي أكثر من كلماته عن ما يدور في جمجمته المغلقة ، نهض ، أخذ يتلفت حوله ، تنقل بين جمهوره ، وقف عند أحدهم مسح على رأسه بحنو ، رفع بصره ناحيتي وحين رآني أرمقه بصمت، تجهم ، خفض رأسه ثم عاد مسرعا إلى مكان جلوسه ، تناول المدونة بتوتر، وغرس رأسه فيها وراح يرتل بصوت مرتفع . غريبٌ أمره لم أره يقرأ بهذه الطريقة من قبل ، اهتاج الجالسون لقراءته فاخذوا يترنحون بشكل هستيري ، وتعالى أنينهم ، أنين مفجع أشبه ما يكون بالنحيب ، أعترف أني ارتبكت للحظات ، خاصة وأنه أخذ يصوب نظراته إلي عند نهاية مقاطع الجمل التي يقف عندها حين يقرأ. الصوت يعلو... يعلو.. والضجيج ملأ البهو حتى غدا المكان شبيها بحجر من الصوان تطرقه معاول حديدية ضخمة، أما أنا فرغم التعب الذي اشعر به فمازلت أرفّ حول الدائرة وأردد بصوت منخفض خفيف كالليل.... خفيف كالليل أنا.

 

******


آمنة الذروي: ماكتبته تجليات لا يفهم معانيها الا منغمس في ذاكرة هذه المخطوطة المندسة في المرتكز وحولها نحن نتحلق.
سرد رائع ومعاني فارهة تجولت بنا وأمتعت بها قارئك.


د.سحرشريف /مصر: نص تجليات الأستاذ حمدوس يمتح من معين الصوفية  بتجلياته وكشفه الإشراقي وإشارات الحلاج ورموز الثبيتي  ويأخذ القاريء في رحلة غريبة الى عالم الأرواح التي تترك الأجساد بحثاً عن اليقين  لكنها لا تشفي الغلة ولا تبل الصدى   إذ تترك المتلقي مندهشاً حائراً وراء تأويل مرضٍ .ا.د/سحر شريف

 


سلطان العيسى: #
أما قبل:
1. إن أول مايبحث عنه المتلقي في المتن القصصي، الثيمات الواعية، والتي أسقطها المبدع داخل نصه.

2. المتلقي بوجه عام، يبحث عن اللامعقول والمتناقض؛ ليزداد قربه من النص المكتوب من حيث لايشعر!

أما بعد:
3. يتفوق النص ببناءه "الزمكاني" والذي فرّغ فيه الكاتب تجربتة الشعورية باقتدار.

4. الشخصية وإن كانت باهتة الحضور، إلا أنها أدت الوظيفة المطلوبة منها داخل النص.

5. تناوبت الأفعال الماضية والمضارعة في الظهور داخل النص، فخلقت بذلك قلقًا أفضى إلى سبْر المتلقي في ماهية الأزمة في القصة.

6. بعض الجُمل الفنية أضفت قيمة اعتبارية للنص، مثل: (غبش الصبح يتثاءب، سكبت مهجتها هُنا).

7.قصة سلسة، دافئة. يمكن احتساءها كقهوة مسائية، بعد إضافة القليل من التشويق في عقدتها.

بورك القلم وصاحبه.

#
أخوك سلطان العيسي

*****

 


مشرف ملتقى القصة العربية في منتدى القصة العربية


#5 مريم الحسن

مريم الحسن

    عضو مشارك

  • المشرفون
  • PipPip
  • 35 المشاركات:

تاريخ المشاركة 01 January 2017 - 02:07 AM

*****


 ابتسام البقمي/ قاصة: طلق المرزوقي لغة فارهة وصور شعرية جميلة وسرد موفق وفكرة جيدة
جميل أن يتفاعل الأدباء مع محيطهم الاجتماعي والعربي
كم هي مؤلمة خاتمة القصة لنضع بعدها فرااااغ .....
شكرا المبدع طلق المرزوقي
ابتسام البقمي

 

*****



محمد علي قدس: ليس من نافلة القول أن ندعي أن القصة التي تكتسب نكهتها من بيئها وتكتسي بلغة قد تبدو سهلة سلسلة لكنها عميقة حين تصبح جزءا من النص. أزعم واثقا أن القاص" طلق " قاص  له نفس خاص في سرده المتتابع الذي لا يترك أدق التفاصيل ..لغته موحية وساحرة بحيث لا يملك المتلقي إلا متابعة سرده  وهو مستمتع يقرأ  بلهفة المفتون.  

 

                                 ****

طلق المرزوقي: ا. د. سحر شريف نعم في النص  محاولة للتماهي مع النص الصوفي في بعده الاشراقي وأجد أني قبعت على حافة المتن و لم تسعفني الرحلة لبلوغ المنتهى.
وقديماً قال المتصوفة إن الفيوض أكبر من اللغة.
شكراً وتمام الامتنان

 

 

******


محمد مدخلي: يباس
بذكاء منك كان العنوان عتبة النص الأولى رغم مواراته للتفاصيل...
كل شيء في الحقيقة يرمز للعنوان
بدءا بإستيقاضه المالح مرورا بهرش رأسه ...
فأقفل ستارته ليعود لأحلامه المُخضرة.
نص ماطر رغم يباسه

 

*****


طلق المرزوقي: مرحبا أستاذ سلطان تسعدني قراءتك للنص و أعرف أن النص لا ينبني إلا في عقل المتلقي الذي دائماً ما يولد المعنى.
تمام الامتنان.

 


طلق المرزوقي: حضورك أيها القدير قدس اضافة للنص وشهادة أعتز بها.

 


طلق المرزوقي: شكراً أستاذ محمد العنوان أحد أهم العتبات في النص أي نص
دمت بخير


طلق المرزوقي: دماء الفيروز

ما قبل الطقس .

القمر الذي كان يتوسد غمامة زرقاء مثقل بالوسن ليلة البارحة ، استفاق هذه الليلة مانحاً الكون شيئاً من ألق الفضة . استلقيت على الأريكة تحت الضوء تحديداً ، لم تفتضني شهوة النوم هذا المساء ، ربما لأني تعودت ألاّ أسلم عيني للخدر إلا بعد أن تُرتج الظلمة فضاء الغرفة . كان القمر بدراً هذه الليلة ، أخذ يسكب كامل فضته على المدينة ، تركت ستائر النافذة مشرعة للضوء الفيروزي ، الذي بسط فتنته على أجزاء كبيرة من محتويات الغرفة واستسلمت للهواجس ، لا أدري كم لبثت !
المؤكد أني هيأت نفسي للنوم ربما كنت معلقاً بين الصحو والنوم , أو أني نمت بالفعل .
آخر ما أذكره أني كنت أحدق في الستائر ذات اللون الأحمر الخمري ، وكيف تهدلت على جانبي النافذة، فتعاضدت مع لون الفيروز لتمنح المكان فتنة وبهاء .
ثمة تمتمات تجيء من أغوار المجهول , كنت أسمعها بوضوح ، حيث كنت ما أزال ممداً على أريكتي وبقرب رأسي يقبع مجسم خشبي لشهرزاد ، كنت قد نحته مؤخراً . التمتمات أخذت تتراكم حتى تحولت لصوت غامض لكنه ما لبث أن تجلى حتى أصبح نقياً آسراً يردد:

- إنه القمر ، انبثاقه حياة ، واضمحلاله موت.

التفت متوجساً إلى يساري حيث الطاولة القابع فوقها المجسم الخشبي لشهرزاد , كانت جالسة وقد غرست ذقنها في راحة يدها اليمنى وتحدّق في ، وهي مبتسمة . الغريب في الأمر أني لم أخف بل أني رحت أشحذ الذهن ، فتذكرت أني حين نحتها بيدي كانت واقفة وقد أطبقت بيدها اليمنى على طرف قفطانها المزركش ..

طقس أول / الظهور.

هَمَسَتْ بصوت خفيض : قررت ألاّ أموت ، كان ذلك منذ ألف ألف عام .

نزلَت من على المنصة ثم أقعت بجانب النافذة , كانت تحت شلال الضوء الفيروزي , نهداها الباذخان يجثوان على صدرها برشاقة سافرة , شعرت بالربكة لكن رغم ارتباكي إلا أنني أستطيع سماع تنفسها المنتظم , وأرى صدرها العاري وهو يحرك نهديها بطريقة أخاذة ، عند كل نفَس. صوبت عيني إليها محاولاً رصد كل تفاصيل الفتنة في جسدها الفتي , قرطاها منسدلان على طرفي عنقها بأناقة مفرطة , عطرها يتضوع بخفة مانحاً أنفي لذة آسرة , كل ما حدقت فيها استباحت جسدي رعشة عميقة , أدارت رأسها إلى خارج النافذة تراقب القمر المشع , رحت أركز عيني على شعرها المسترخي على عاتقها العاري ، فلاحظت شريطا رقيقا خمري اللون ، جدل مع خصلات شعرها في المنتصف تحديداً ، بقية شعرها المنفلت من الشريط ، تناثر بفوضوية على ظهرها العاري ، أشعة القمر المنسكب على وجهها منحت قسماتها مزيدا من النعومة والرقة ، كانت ما تزال مصوبة نظرها إلى القمر مباشرة غارقة في لذة التأمل العميق ، تناستني لبعض الوقت .

أذكر أنها حين نزلت من المنصة هدهدتني وبدأت تروي لي سيرتها، كنت مستسلماً للحكي الآسر حتى أنها أوقفت تدفق الأسئلة على حدود شفتي .

وراحت تحكي :

- حاولت التمرد حاولت مراوغة الجلاد لم أشأ أن استسلم للتيه .كنت أراوغ الذكر وكان يراوغني كنت أحبه وأكرهه في الوقت ذاته .هو من يستطيع تأكيد أنوثتي وهو في الوقت نفسه من يستطيع محوها ، حين يهبط الظلام أنسُل الحكايا من بعضها البعض حتى يداهمني نور الفجر، فأعلن رغبتي في أن أتوضأ ببياض الصبح الذي تدفقت أضواءه .

الآن أُفلتُ من سطوة الخوف الذي أمارسه كل ليل حتى صياح الديك الودود ، الآن فقط وفي لحظة مسروقة من زمن مرعب أعلن لك عن رغبتي في أن أتعرى بين يديك ،أمارس الرقص وأطرق بأصابع قدمي الحافيتين أرضية الرخام اللامع في هذه الغرفة.

سألَتني : هل تشتهي الرقص ؟

- نعم ... نعم , ورحت أترنح على صوت إيقاع خطواتها فوق رخام الغرفة ، شعرت بخفة لم أشعر بها من قبل فقلت بلهفة :

- أيقظي نشيد الروح في برزخ الوقت الشهي ، فقد لا نلتقي مرة أخرى .

شعَرت أن صوتها وإيماءة يديها الناعمتين ، تزرع الربيع في تلافيف أوردتي ، وتحرث صحرائي المترقبة دوماً للمطر الربيعي .
أوقَفت الرقص فجأة ، تقدمت نحوي وأطبقت بيديها على عضدي ، حدقت في وقالت بصوت متكسر:

- منذ ألف عام كانت ملامح وجهي تفترشها الدمل فأقاومها بالحكي الجميل، حتى أتيت أنت وكشطت هذا الخبث، فتجرأت على الوقوف أمامك بكامل وعيي لأطارحك الوله ، فقم إني أشتاقك حد الوجع .

وأردفَت : سأرتديك وجهاً سرمدياً لا يمحوه الموت .

كيف وقفت متسمراً أمام امرأة بهذا البهاء ولم أمارس الجنون ؟ كيف تعاليت على رغبتي في أن احتويها بين ساعدي؟

لا أدري .......

كل ما أذكره هو أنني أمام رنين صوتها العذب إلتحفت رداء الصمت ،واستسلمت لحالة إصغاء عميقة.

- في المساءات الغابرة كنت أوقد في أوردة الليل دهاء جدتي الكبرى، فكنت أعلل المستبد بالحكايا المصطلية بنار الترقب الممضّ ، كنت أخشى أن يمتد ميسم الموت إلى أوردتي فيفصدها واحداً واحداً .
سيدي أعرف أنك مختلف عنهم وأن أصابعك اللدنة هي من شكل تفاصيل جسدي البهي .أي شيء فيك يشدني إليك ؟ أهو الصفاء الكامن في أعماق عينيك السوداوين أم صوتك ذو النبرة الخافتة الذي يشي بالزهد في كل جبروت الرجل ، أشعر أنك تشبهني حد التطابق .
كنت مفتوناً بهذا الصوت الذي ينبثق من حدود الأزل البعيد. كنت أخشى أن أستفيق فيتلاشى صوتها أو يذوب مع ضوء القمر الفضي ويتشتت في فضاء القبة السماوية الواسعة.
- حركة أزميلك المعدني حين كشَط الصخر أومضَ تفصيل صغير مثقل بالجمال الأنثوي السرمدي فابتهجت للحياة ، أشعر بأني أكثر بهاءً من النساء , أشعر بأني مؤهلة لمراقصتك أنت وحدك.

طقس ثان / التعاظم.

أخذ حضورها يتعاظم ثم توجته بالرقص .
نزلت من المنصة الخشبية التي كانت تقف عليها وأخذت تطرق أرضية الغرفة بقدميها العاريتين : طق ...... طرق ..... طق . أخذت توالي طرق الأرض بمقدمة قدميها ، العرق  أخذ يتفصد من جسدها العاري بغزارة ، جموح ، حمى ، سفر إلى حدود زمن لانهائي وبعض شهوة وأنا أتابع الرقص بفضول كبير ولذة غامرة .
- قفي ... قفي ، ارتبكت حركة الدماء  في أوردتي حين أيقظك نور القمر. أوقفت الرقص وانتصبت قبالتي تماما ، بدت وهي تقف أمامي بقوامها الممشوق فارعة كشجرة سنديان ، أشعلت داخلي شهوة عارمة حاولت كبتها عنوة ، وبأناقة مفرطة أزاحت شعرها المتناثر على وجهها بسلاميات مستدقة بيضاء غاية في الجمال .
الآن فقط تيقنت أن طرقات أزميلي اجترحت مكامن الجمال في بطن الحجر الأخرس , تيقنت أن استجداءاتي للحجر أن ينفلق لم تكن عبثاً ، طرقات الأزميل لم تكن في كتلة يابسة كما اعتقدت , يراودني شعور مخيف كلما تذكرت بجماليون , هل تعرفين بجماليون أيتها السيدة ؟ تجاهلتني وعاودت الرقص من جديد ، التقطَتُ بكفي أطراف أصابعها الناحلة ورحت اقرع الأرض بقدمي  راقصاً .

طقس ثالث / التناقص.

قالت : حين يتوارى القمر في السديم أنزل إلى رحم الأرض السفلى ,أخبئ في يدي النواميس ، أخترق البوابات السبع ، فيأمرني الحراس بأن أنزع ثيابي ، امتثل لهم وألقي عند كل باب قطعة منها ، و أدفن حللي الملكية تحت العتبات، وعند البوابة السابعة ، أقف عارية من كل شيء وأغرق في الديجور ، أمكث ثلاث ليال مشدودة إلى الأرض بخيط لا مرئي ، أظل أصارع الظلام والوحدة أحشو فمي بالصراخ المر ولا أحد يستجيب، وحدها الأرواح الشريرة والشياطين هي الحاضرة ، توغل بوحشية في طمس أضواء الفيروز ، فيصير القمر محاقا ، ثلاث ليال من الموت أنتظر أولادي الأبرار ليغسلوا الظلمة بدماء القرابين حتى ينجلي النور من جديد , وحين يكتمل القمر أغرق في لحظة من الإشراق ، تحتشد أوردتي بالدماء فأتيقن أن لحظة العودة بدأت، فأمر بالأبواب السبعة راجعة ، ألتقط ثيابي وحللي وأعتمر على رأسي تاج السهول المرصع بالفضة , ألتقط الصولجان المذهب، أشد ألواح الأقدار على وسطي وأهيئ السلال المعبأة بالقمح لبذرها في الحقول ، أمارس الصعود ثانية للسماء , أسفح الخصب والنماء على الأرض ، وأزرع الفرح في الأحداق ، فيتناهى إلى أذني غناء الناس المباركين :

مرحى ! مرحى !
مرحى ! لتلك المقدسة التي تظهر في السماء
مرحى ! سيدة السماء العظيمة
أيتها المشعل المقدس ، أنت تملأين السماء بنورك
أنت تجعلين النهار يتألق عند الفجر
مرحى ! يا ابنة القمر البكر
عظيمة ومهيبة ، ومشعة
أنت تسطعين بتألق في المساء.

شعرت بالربكة ، لم أعد أعرف ما يجري ، تقرفصتُ ، خبأت راسي بين ركبتي ،
لست متأكدا كم مرَّ من الوقت قبل أن أرفع رأسي وأباغتها بسؤال :

- من أنت ؟
- أنا كل النساء .
- من أنت ؟
- أنا التي تجمعت كل الأسماء في ذاتي .
أشاحت بوجهها إلى الغرب ، علقت عينيها في الأفق ، وران بيننا صمت ثقيل كأنه الرصاص المذاب.

ناديتها بتوسل:
- ليلى انظري إلى أخبريني لم كل هذا الحزن القابع في عينيك.
إلتفتت إلى  وهي تشير إلى السماء وقالت :

- إنه القمر اضمحلاله موت.

و أكملتْ بنبرة مثقلة بحزن كبير:
- عندما تشتاقني فتش عني في رقم الطين وعند حدود القصب , ستجد علامات دالة على أني هناك أستحم تحت ضياء القمر، وانبثق من جديد عند بداية ظهوره الأول.

طقس رابع / الغياب.

فتشت عنها الغرفة فلم أجدها , حتى أن القاعدة الخشبية للتمثال كانت فارغة تلفها سكينة مهيبة، ولا يوجد عليها شيء ، شعرت بحزن شديد يعتصرني.
رنَّة الحزن في صوتها وهي توصيني بأن أفتش عنها في رقم الطين , أشغلتني عن شعاع القمر الذي بدأ في التلاشي ، حين انتبهت رأيت غبش الصبح يداهم الضوء الذي أخذ يتبدد في خضوع ، شعرت بمرارة شديدة لفقدها، وقفت على سياج النافذة المعدني ، ورحت أحدق في البعيد ، أطراف أصابعي ترتعش وعروق يدي نافرة محتشدة بالدماء ، وعيناي معلقتان في الأفق البعيد ، حيث يقبع الضوء الآخذ في الاضمحلال ، بدَت السحب المتناثرة في الأفق وكأنها قباب موشاة بالفضة، تصارع كي لا تتلاشى في الغبش المستبد بالفضاء ، جحافل الضوء الفيروزي هُزمت تحت زحف الغبش الذي عبأ المدى و جعل الرؤية غير واضحة .

أنطقتني الفاجعة فصرخت :
" عودي أيتها المرأة المنحوتة من نبض أصابعي والمخلوقة من طرقات أزميلي , أنا من أنشأتك ، أنا من استولدتك من نبضي ، فهناك أسئلة حارقة مترعة بالقلق ما تزال محشوة في فمي . "
صوتي يضيع في الفراغ شعرت باللا جدوى فأغمضت عيني كل ما تبقى في ذاكرتي هي تلك المئذنة بأضوائها الراعشة والتي كانت تجاهد في الظهور من خلف غلس الفجر.

 

******


محمد مدخلي: ماقبل الطقس
أي ثلاثاء منحنا هذا الضوء الفيروي الممزوج بخمرة الإحمرار!!!

خيال سردي محبوك بوصف تفاصيل دقيقة
وممزوج بخيال ثلاثي الأبعاد  واسع  البؤرة ..
ليراعك هيبة قلّ نظيرها

 

*****


ظافرالجبيري : مرحبا أستاذ طلق المرزوقي
نقرأ تجربة تجربة عميقها تتماهى مع التجربة الصوفية بعرفانيتها وانفتاحها على على عوالم الروح مستفيدة من لغة شعرية حينا جمالية حينا آخر..
مهما  يكن  مع   إشارات البداية بمقتطفات من الثبيتي وتجلياته والنفري ومواقفه..مع قوة الاستهلال القرآني...كل هذا أعطى النصوص دلالات تحتاج قراءات وقراءات  للغوص أكثر وأكثر ..
ملحوظة:
اعتيادنا ال ق ق ج  جعلنا نشعر بطول النصوص هنا  نوعا ما..لكن أظن هذا المعتاد مع القصة القصيرة  قبل (ققجقتها !)
تحياتي للأخ طلق ونصوصه المنفتحة على عوالم الصحراء والروح والإنسان.
ظافر الجبيري

 

*****


ابتسام البقمي/ قاصة: بحق نصوص رائعة ومختلفة فعلا نتمنى حضور النقاد في مجال القصة ليسلطوا الضوء النقدي عليها لأنها نصوص باذخة

 


ظافر الجبيري : أعتقد أن عاشقا لمثل هذا الطرح المميز  كالدكتور عالي القرشي سيجد ضالته وعالمه النقدي وهو يجد ترابطا إبداعيا  بين تجربة النص الشعري الحديث في المملكة  ممثلا بتجربة الثبيتي (  والتعالقات  ) الجميلة مع تجارب كل من  الأخ طلق وعواض شاهر العصيمي  في عوالم الصحراء على سبيل المثال لا الحصر..
وأظن القرشي قد فعل بعضا من هذا .

 

****


طلق المرزوقي: مرحبا أستاذ ظافر وأنت الكاتب المتمكن وأذكر أني قرأت لك نصاً عشت معه لحظات لا تنسى إن لم تخني الذاكرة كان عن المستشرق تيسجر دمت متألقاً


طلق المرزوقي: شكراً أستاذة ابتسام لمرورك وأحب أنوه أن النصوص تمت عليها بعض القراءات من مجموعة من النقاد الكبار في السعودية


محمد مدخلي: وأنت كبير قدرا ورفعة وأدبا...
نحن فخورون بك


طلق المرزوقي: نعم أستاذ ظافر النصوص كتب عنها الدكتور عالي سرحان القرشي في أكثر من مناسبة

 


طلق المرزوقي: أظن أني سأكتفي بما نشرت من الصباح وحتى الآن
وافر التحايا و الاحترام لجميع الزميلات والزملاء أهل السرد.


محمد مدخلي: أرهقناك ردودا
وأرويتانا أدبا فاخرا

 


طلق المرزوقي: أود شكر الملتقى و جميع الأدباء الذين تعالقوا مع النصوص
و أشكر القائمين  على الملتقى خاصة الأستاذة مريم الحسن والأستاذ هاني الحجي.

 


آمنة الذروي: هنا فن عالي الحس لا يتقنه اي قلم الرقص والضوء المتسلل الفيروزي والستائر الحمراء ووصف انثى مكتملة وتمرد طغى وزاحم الوقت في الروح وتفاصيل عدة الهبت هذا النص الفاتن.
شكراً لك عاى  هذا الجمال.

طلق المرزوقي: مسارب الرمل

عيناه تحاولان رصد التفاصيل بدقة، تتبعان حافة الأفق البعيد المندس خلف الخيمة تحديدا ، حيث ينسرب رتل من الإبل في خيط  يكاد أن يكون لا مرئيا ، تلك الجمال التي في بداية الرتل توغلت في غبش الأفق المزّرق فغابت تماما ، أما بقية الجمال القابعة بالمؤخرة فظلت ظاهرة تكابد فكرة التلاشي في الأفق.

أمامه ينبسط الرمل حينا فيمنحه فرصة لرؤية أوضح ، لكنه لا يلبث أن يخذله حين ينتصب على شكل أكوام رملية لها  أشكال مخروطية غير متشابهة الأحجام، شجيرات السّلم المتناثرة يخيِّل إليه أنها وزعت بشكل يجعلها تساهم في ضبط حركة الرمل السريعة ، المتبدلة. في الجانب القريب من الصحراء أمامه مباشرة حيث يقف ، انتصبت خيمة حال لونها الأبيض إلى اللون الترابي بفعل الغبار ، مقدمة الخيمة مفتوحة على الرمل مما جعل الشمس تدلف إلى منتصف الخيمة وتلامس حافة الرواق الخلفي المتهدل إلى الأسفل . داخل الخيمة يقبع رجل سبعيني  مجللة لحيته ببياض ناصع ، متغضن الوجه ، إنه جده الأعمى الذي  يعرفه جيدا رغم أن تفاصيل وجهه كادت أن تمحى من ذاكرته ، فهو قد مات منذ زمن بعيد في ظهيرة يوم شتائي ، بعض ما بقي في ذاكرته  عنه هو  مشهد احتضاره المروع : كان واقفا يصرخ والنار تلتهم ثيابه وجسده النحيل إثر محاولته إشعال غليونه ، فالنار التي انبعثت من أسفل ثوبه علقت بكامل ثوبه و بجبته  الكثيفة الفرو ، فتهاوى إلى الأرض بطريقة مفجعة ، أخذ يتلوى ، مصدرا فحيحا مروعا ، ثم مات ، لم يكن هناك أحد سوى أمه التي ملأت الفضاء صراخا وعويلا ، كاد صراخها أن يذهب سدى غير أن أحد أقربائهم  كان يمر بالقرب من الخيام مصادفة ، فهرع إليهم مسرعا للمساعدة ، لكن وصوله المتأخر فوت عليه فرصة  إنقاذ العجوز من الموت .

‎‫ ذاك كل ما يذكره، تقول أمه بكلمات متعثرة ، أنهم دفنوه تحت طلحة ضخمة ذات جذع داكن ضخم كثير الثقوب ، وتردف : أكره شجر الطلح ثم يكسوها صمت مهيب.‬

‎‫رأى جده الأعمى الذي غيبه الموت يمشي داخل الخيمة بخطى واهنة وحذرة، سار حتى وصل إلى العمود الأوسط للخيمة ، اتكأ عليه ثم انزلق إلى الأرض وجلس ، صمت قليلا ، ربما كان يفكر  في شيء ما ، فتح علبة اسطوانية الشكل بالعناية المتأنية التي يتميز بها دائما ، واستخرج من جوفها مجموعة من الفناجين البيض ، مد يده اليسرى وأطبق على المقوس النحاسي الملتصق بمؤخرة دلة ( الرسلان ) الصفراء ، ورفعها إلى مستوى صدره ، ثم أمالها بأناة الحاذق ناحية الأسفل ، فانسكب سائل القهوة المائل إلى الصفرة، و قبل أن يصل طرف السائل إلى جوف الفنجان ، تجمدت  يده وتفاصيل وجهه ، وظل خيط القهوة معلقا في الهواء .‬

‎‫إيقاع(السلو ميوزك)  في المكان يتسلل عميقا إلى روحه ، فيترعها بشجن ثقيل.‬

‎‫ما يقلقه فعلا هو هذا الطنب الذي لا يظهر ظله رغم أن الشمس غادرت توًا كبد السماء ، كان( عميرين ) بعير جده يبرك في بلادة وقد غاص قائماه الأماميان في الرمل ، وراح يمارس اجتراره المعتاد والرتيب بلا اكتراث ، ركز نظره إلى  فخذ البعير الخلفي الموسوم بإشارات تبدو لمن لا يعرفها وكأنها طلاسم هجس : ( مطرقين وهلال ) إنه وسم جدي ، الظل المديد (  لعميرين )  استطال ناحية الشرق فانكسر بحدة على طرف رواق الخيمة ، شعر بفتنة المشهد ، دوما ما تشده لعبة الضوء والظل ،التي تضخم الأشياء فتظهرها أكبر من حقيقتها .‬

هواء المكيف يتسلل من خلل ثوبه فيشعره بالبرد ، عقد ساعديه على صدره ، وانكفأ إلى الأمام قليلا.

يعرف تماما  تلك اللحظات الأولى التي خطى في قلب تلك الخيمة الكبيرة الصامتة ، وكيف شعر بنوع من الصدى المكثف للنسائم وهي تحرك قذال الخيوط الكثيفة والمجدولة من شعر الماعز ، المعلقة على حافة السقف الواطئ ، في تلك اللحظات الغائرة في الزمن يتذكر كيف أحس أنه في بيته الحقيقي ، وأن المدينة التي أتى منها لا تمثل له سوى ساعات ثقيلة من الدراسة ، و زعيق الأستاذ لأسباب غير معروفة .

الآن ، يغمِض عينيه،‪ ‬يشعر بسطوة ذلك المشهد غير الاعتيادي، هو ذاته المشهد القادمُ من زمن بعيد:

 

 جده الضرير يقوم واقفا و يمشي بمحاذاة صف المخدات المتراصة لصق القائم الخلفي للخيمة ، يمر بين الأشياء ، بدا كأنما يعرف مواقعها بدقة بصير ، لم يكن الطفل يفهم كيف لشخص هرم بطيء الحركة وضرير أن يقوم بقضاء حاجاته بتلك الدقة المتناهية.

ما يزال يقلقه ظل الطنب الذي لا يراه ، فقد  اختفى بطريقة غامضة ، وغير مبررة .

الصور تتداعى بوتيرة عالية: الشيخ بأنفه الكبير وشعرات لحيته البيضاء ، يظل ماكثا جل الضحى مسترخيا على متكأ أعد له، هو عبارة عن شداد أحد إبله ، كان  يبدو للطفل القادم من المدينة وكأنه من ملائكة السماء .

حك أرنبة أنفه ، وعاد إلى حالة السكون التي كان عليها طوال وقوفه ، حين كان ساكنا  لا يريم سوى عينيه اللتان تتحركان بتؤدة المتأمل ، محاولة رصد كل التفاصيل ، كان خاضعا لإغواء شديد يجعله يحاول إعادة ترميم  ذلك المشهد البعيد الشفاف ، يجتهد في استدعائه بكل وضوحه غير القابل للنسيان ، بدا غير قادر على تحرير نفسه من تلك الذكريات التي لا تنفك تدفعه إلى حنين مفرط تجاه تلك الخيمة القابعة في رمل وادي ( الخشابة ) ، يعرف أن تلك الذكريات الغابرة ، والراسية في قاع ذاكرته ذات جاذبية باهرة لا يقدر على الفكاك  من سحرها ، مهما تقدم به العمر ، في هذه اللحظة تسكنه تلك الرغبة شديدة الوطأة التي تجعله غير راغب في إزالة التخوم بين الذكرى اللذيذة الماثلة أمامه بكل زخمها الآن ، وبين واقعه الجاف . مازال يسكنه يقين مستبد يجعله بحاجة إلى استعادة كل شيء من زمن الطفولة الشفيف ، يحاول إعطاء الذكرى شكلا محسوسا . تستبد به رغبة ملحة تدفعه ليرى الأشياء تعاود البدء من جديد ، لا يريد أن يحس بفكرة أنه تعرض للهزيمة بفعل تقدم العمر.

بعيد المغرب مباشرة يبدأ تحول لون السماء الشاسعة إلى دكنة مدججة بثقوب صغيرة، ولامعة، لا حصر لها، لم آلفها في ليل المدينة المصمت.

حين تجلى الليل بكل عظمته المهيبة ، تحلقت العائلة حول جدي في مكانه الأثير بالقرب من الخيمة  كعادتهم كل مساء ، ندت عنهم حركات صاخبة ظهر لي أنهم  منفعلون أكثر مما يجب ، وهم يتهيئون لسماع حكاياه العديدة التي يسكبها في أفئدتهم كل مساء.

جاء صوت جدتي نورة وهي تهلل :( لااااااا إله إلا اللللله  ) ممطوطا كأنما يصارع سطوة الظلام.

 وراء الخيام كان صوت ثغاء النعاج الغارقة في الظلمة يجيء حادا أشبه باستغاثة كليم،  تخلله رغاء طويل ممض لأحد النوق.

أمي كانت تلوب الخيمة بخطى سريعة ومتوترة بحثا عن قدح الحليب الذي اعتاد جدي أن يشرب به دون غيره ، و أنا أقبض على طرف ثوبها ممتلئا بخوف كبير ، كنت أتمنى لو أن في خيام جدي كهرباء تبدد هذه الظلمة .

جدي القابع هناك في مجلسه المسائي ، لا يفتأ كعادته يرسل تعاويذه إلى السماء: ( ياااا االله مسا خير لا شر فيه ).

ثم يردف بسؤاله الدائم :

( ورد عميرين يا نورة  )

فترد جدتي بإيجاز شديد :

ورد ( حراضة )

لم أشاهد مثل هذا الليل المخيف من قبل ، لم يكد ينتهي طقس دخول المساء البدوي المخيف والمدهش في الوقت نفسه ، و تتطامن حركة الأشياء ، وأصواتها حتى ارتفع صوت عواء كلب خالي سعد قادما من بعيد.

حين أنهى جدي تعبئة غليونه بالتبغ كانت حركتهم الدائبة قد انتهت ، فتحلقوا حول جدي الذي مسح وجهه بكفه اليمنى مرورا بلحيته وقال :

( يقولون يوم أبو زيد ورّد فرسه على الماء شاف بنت عند البير تروي قربتها  أعجبته هاك البنت المزيونة نشدها عن اسمها قالت عليا بنت جابر قال في نفسه هذي الحرمه إلي تصلح لي بس المشكلة إن‪ ‬شيخ بني هلال مانع عيال بني هلال ما يا خذون إلا من بنات بني هلال راح لأميرهم حسن بن سرحان وقال يا شيخ اباك تفزع لي على أمير عبيدة الشيخ جابر وتروح معي نخطب بنته عليا )

الفانوس المعلق على العمود الذي أركي على قائم الخيمة ينز ضوءً شحيحا لا يكاد يضيء إلا هامات الجالسين ، ما كان يخيفني هو ذاك الانبثاق المباغت لبعض الفراشات الصغيرة من سواد الليل ، ثم ارتطامها بزجاج الفانوس بقوة ، تظل ترف بجناحيها ثم تسقط الى الارض ميتة .‪
‬(  رفض الأمير وقال يا أبو زيد ما تزوج ألا من بنات بني هلال

قال يا الأمير أنت بس شفها وتعذرني رفض الأمير ألح  أبو زيد على الأمير قال تدري يا سلامة أنا بارسل ناس يشوفونها ويوصفونها إن كان هي تستاهل فزعنا لك.)

‎‫سعل جدي بشدة ، فألقى الغليون إلى الرمل وخبأ وجهه بباطن يديه للحظات ، ثم التقط غليونه مرة أخرى وأكمل:‬

( أرسل المراسيل ويوم رجعوا ما مدحوها  وقالوا يا الأمير الحرمة نحيفه ولاهي على وصف أبو زيد‪  ‬رفض‪ ‬الأمير  كرر عليه أبو زيد وقال هذي طال عمرك إذا وقفت  أوسط البنات بالطول وإذا‪ ‬جلست تصير أطولهن أنت بس رح وشفها بنفسك يوم كثر عليه قال‪ ‬الأمير بينه وبين نفسه أنا ليه ما أروح أشوف ها اللي أخذت عقل أبو زيد ركب الأمير‪ ‬ناقته وراح‪ ‬ يشوفها واخذ معه واحد أسمه أبا العلا  وقف ناقته وراح يمشي لها يوم شافها انبهر من‪ ‬جمالها يقولون إنه  ما قدر يمشي  يوم شاف زينها قام يغني بقصيدة يقول فيها‪ :

‬

أبا العلا قد لي مع الدرب ناقتي بحسناك‪ ‬والا ناد لي من يقودها‪ 
‬يقولون لي عليا نشاش دقاقـه  وأنا أقول ريان من الغي عودها‪ 
‬إن وقفت دق العسيلي
بوركهـا 
وان دنقت ما رده ألا نهودهـا‪ 
‬قولو لطراد الهوى يطرد الهوى 
وأنا كفيلك عن بلاوي حسودها )

 

كاد أن يلصق وجهه باللوحة ، لكنه انتبه لمرور الزائرين حوله ، التفت إلى صالة الإتيليه ، فإذا الموسيقى تملأ رحباتها.

شيء ما يشده وبعمق إلى هذه اللوحة.  

رفع يده ، وأخذ يمرر أصابعه على الخطوط الناتئة للأصباغ الزيتية على اللوحة ، لامس وجه الشيخ ثم مرره على السائل الأصفر المتجمد بين الدلة  ، وفنجان القهوة ، أدرك أن كل مواسم البهجة تلك لم تكن سوى حلم توارى ، ولن يعود، أحس بجسامة الفرق بين واقعه وبين خيال يجتهد دوما كي يستعيده ، وعرف أن أصابعه لا تعدو كونها تنكش زمنا بعيدا ولى بلا عودة ، رغم أنه يسمع صداه الآن واهنا في أذنيه .

كان يفكر بتلك اللحظات التي سحرته ذات ربيع بعيد في وادي ( الخشابة ) ، بشياهه البيضاء ، وجماله الحمر، التي تنسرب كل صباح  في الأنحاء ، مشكلة لوحة من الجمال الأخاذ الذي ينطوي على سره الخاص ، العصي على الوصف، تساءل : كم في هذه اللوحة من تلك الحياة ، التي كانت بالنسبة له شيئا خارج التعريف؟

مسح بعينيه كل اللوحات المعلقة على الجدران ، انسحب باتجاه الباب الخارجي ، و قبل خروجه التفت إلى للوحة ذاتها ، فإذا بعير جده ( عميرين ) يمارس اجتراره غير مكترث لأحد.

 

******


كاظم الخليفة: عندما نستعير مفهوم "السلاسل النصية" من حقل التقنية والبرمجيات، فذلك من أجل القبض على "الدالة" التي تربط بين تلك السلاسل في نص القاص طلق المرزوقي (دماء الفيروز). القاص يقدم مفردة "طقس" لوصل سلسلة النصوص، وهي هكذا: الظهور، التعاظم، التناقض ثم الغياب. لذلك يجب أن يقرأ النص من خلال هذه العناوين كمحددات لمفهوم استحالة صمود النموذج أمام الواقع.
نص مذهل، ولا أعلم لماذا ومضت قصيدة "أنا والنساء" لنزار قباني فجأة في ذاكرتي:

أريد الذهاب ..
إلى زمنٍ سابقٍ لمجيء النساء..
إلى زمنٍ سابقٍ لقدوم البكاء
فلا فيه ألمح وجه امرأه..
ولا فيه أسمع صوت امرأه..

أريد الذهاب.. لما قبل عصر الضفائر
وما قبل عصر عيون المها..
وما قبل عصر رنين الأساور

أريد الرحيل بأي قطارٍ مسافر
فإن حروب النساء
بدائيةٌ كحروب العشائر

*****

ابتسام البقمي/ قاصة: نص جميل طلق لولا أنك أسهبت وأطلت وأظن النص سيكون أحلى لو انتهى في المنتصف خاصة عند مشهد جده الذي مات أو خياله
الإسهاب في النص أفقد جزء كبير من جاذبيته وشعرت أنه مال إلى جانب السيرة
مجرد رأي انطباعي لا نقدي
تحياتي طلق

 


طلق المرزوقي: نعم أستاذ كاظم النص انبنى على هذه المتتالية التي ذكرت تبدأ  بلوحة ماقبل الطقس
وينتهي بلوحة الغياب.
دام وعيك

 


طلق المرزوقي: أحترم رأيك أستاذة ابتسام و لي وجهة نظر أخرى.
دام قلمك



سلطان العيسى: أ.طلق يستحق الحفاوة والتكريم.
متمكن من قلمه، ويكتب بسطوة واضحة.
ربما قد ينعتني بالمتزمت! ولكن لازلت متمسكًا بالمعمار الشكلي المتعارف عليه في القصة القصيرة.
أ.طلق
في مجمل تجربته التي عرضها لنا اليوم للأمانة يملك نفسًا روائيـًا ملفتًا.
بالتوفيق لمبدعنا
سلطان العيسي

 


طلق المرزوقي: تمام الشكر لكل الزملاء من الكاتبات  والكتاب الذين تفاعلوا مع النصوص وأرجو أني قدمت ما يضيف للملتقى


الكاتبة أسماء الزرعوني: اعتذر لعدم المشاركة بالأمس لأنني كنت في الترحال من وطن إلى وطن  كنت احلق مع حلم جميل بين سحابة  ماطرة وصور في الذاكرة  سامر بقدر الإمكان على ابداعك استاذ طلق  دام صباحكم مع عبير الورد   أسماء الزرعوني

 

 

******

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
لاشك أنني هنا أمام نصوص قد تخالف قواعد القصة القصيرة في بعض شروطها ،  لكونها تعتمد على إبراز جمالية محددة ،(وهو جمال يتطلبه الإبداع الأدبي ) وهو التركيز على رهافة اللغة وقدرته على تشكيلها بالنحو الذي يتخادم مع رصيده الثقافي و المجتمعي والفلسفي وكذلك الخيالي ، والتي (الأخيرة) وظف من أجلها كل خزينه البلاغي واللغوي ..
وبعكس ما افتتح به نصه ( الطريق إلى مدان)
( كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) فإني أرى أنه اتسع في العبارة ولم يكتفي حتى جعلها واسعة بفصول يتكرر فيها الطلب ذاته لطرق مختلفة ..

" المحيائي اسلك طريق القوافل
المحيائي يصيج عرج على طريق الأودية
المحيائي ... "
تذكرني هذه المقاطع براوية ( مكتوب ) ل باولو كويلو ، حيث لاتعدوا في حقيقتها سوى مجموعة لمواقف متعددة، متأثرة بالفلسفة الصوفية وشيء من اللاهوت المسيحي تؤكد حتمية المصير .
وقد استخدم الكاتب الاستاذ المرزوقي ذات التقنية لكنها مرمزة جدا موشاة بشيء من الفلسفة ، معتمدا على نزعة جمالية تعتمدها المدرسة السلوكية في علم النفس ، تدرك قيمة الإستجابة السلوكية التي تخلقها الصحراء بسحرها ومجهولها لدى المتلقي العربي خاصة فتعمق عملية التذوق بغض النظر عما إذا كان النص يفتقر إلى أحداث حقيقية ماثلة ، وحبكة فاعلة ، ونتيجة ما ..
إذن (قلعة رمدان) هي نوع من الإنفعالات والصور العقلية المرتبطة بشبكة معقدة وخصبة لتجارب وحياة ورؤى طفولية وأحلام غارقة بعيدة ، وامنيات لم يتم الكثير منها ، فمن يدري قد يخيل للقاريء أن ( قلعة رمدان) لم تكن سوى امرأة صعبة المنال وأن دونها مهامه وأودية وسفر في المجهول وأزلية لاتنتهي لهذا الهيام الذي كلما تلاشى من بقعة ظهر في ركن آخر من ..
" ذاكرتي المطمورة بالذكريات "
نحن أمام نص خصب انفعاليا وتصوريا ووجدانيا لواقع سائد يميل للجميل والسار من المفردة و تلك الحكايا الغائرة في القدم التي تصاغ بطريقة انفعالية والتي يستجيب لها الذوق العام ، لكنه ينزع بها للعقل .
في (فتنة) يجنح الكاتب لما أسميه بالرمزية المفضوحة ، فهو بالرغم من إطلاقه مسميات أخرى للحقيقة كلما تجلت الصورة بوضوح أشد ولست هنا في معرض إعطاء معاني لرقمه الأزرق .
يبدو النص ميالا للخاطرة النثرية لولا أن يتدراكه ب ..
" على الطرف الشرقي للطريق ثمة رجل كان متكئا ..... ) ويختمها بلغة شعرية ..
يا اااا أيه الأزرق المكتنز أوجعتني ..
وأعتقد انها ..يا أيها الأزرق ..

سرادق الموت ..نص يرتدي زي القصة القصيرة في الأغلب الأعم من شروطها ، فيتلمس القاريء أنه يتحسس قصة بحدث وشخوص و تنهل من واقع حاضر بكل ما فيه من ظلم وطغيان و قسوة ...
هذا النص يضربك كفا لشدتها تضطر لأن تنصب سرادقا للعويل ، وأن (حمزة )   ليس له بواكي ..

يباس ... هو ككل النصوص الأخرى ممهورا بلغة جميلة وفذة وبنفس الوقت لايمجها الذوق ، بعيدة عن كل ما ينفر من غريب اللغة ،إلا أنها تعكس ذلك العطش الآدمي الأول لحواء و خبزتها ، فالمرأة هنا هي السحاب وهي المطر وهي الحلم الذي مهما حاولنا القبض عليه تفلت منا ، وانسكب في مهمه آخر إلى ما لانهاية ، أنها تشبه الملح للطعام والماء للحياة وما دونها ليس إلا عدم وشبه موت .. شيء من الإنهاك يختفي وراءها ومن الحقيقة ..!

في تجليات الأستاذ حمدوس ..نجد الكاتب يعتمد ذات الطريقة والاسلوب في نصه (قلعة رمدان) حيث يستفتح النص بمجتزءات من شعر الثبيتي والحلاج فكأنها مفاتيح لغرف النص بما تحمله من شارات وإشارات ، ثم يبتدأ الطريق بعبارة واحدة تتكرر أمام كل مقطع من مقاطع القصة ، وكأنها دروب سوف تلتقي في النهاية عند الخاتمة ..
لايمكنني أن أعتبر مثل هذه النصوص رغم بذاخة اللغة وعمق فلسفتها وإشاراتها الصوفية نصا قصصيا لأنها ببساطة تقوم على أركان أدبية أخرى غير أركان القصة ، صحيح أنها ساحرة في لغتها ودلالاتها الفلسفية والصوفية العميقة، لكنها ليست قصصا بالمعنى التام ..
إنه يحاول اجتذاب اهتمامنا لقدراته البلاغية واللغوية ، فمن المؤسف أن يحصر الكاتب قدراته في هذه المكنات دون أن يمنحنا شيء من الحيوية التي تكمن في الإثارة و المتعة ووضوح الهدف والإدراك الحي،فالقصة يجب أن تكون أكثر من مجرد زاوية من زوايا البلاغة والفلسفة ، لأننا نريدها أن تمثل الواقع المعاش بكل ما يتصف به من قوى روحية ونفسية وفكرية وحضيضية ، تجسدها لنا الآداب بنوع من اللعب بالانفعالات وبنفس الوقت رفض للانخداع بها ..

دماء الفيروز بطقوسها هي نسخة لبجماليون بثوب جديد كما فعل توفيق الحكيم حين أعاد صياغتها بأسلوب عربي ، فبجماليون هي كما يعترف الكاتب هي المرأة المنحوتة من ضلع الرجل ، الممتدة عميقا في تأريخه فهي شهرزاد وهي بجماليون وهي عشتار وليلى ..
فالمرأة هنا هي تتابع من الحوادث في الماضي ، فتاريخ المرأة هو تاريخ المأساة ، هو ماؤنا الذي لوثناه ، فلنحصل على الماء النقي لابد أن نسكب قذارتنا ونعيد نحت هذا المخلوق وسيظهر ذلك في صورة مإذنة ترعش بضوئها في الفراغ وكأنها فنار يهدي إليه ماضل من تيه البشرية ..
في الطقس الثالث لفت انتباهي أن الاستاذ (المرزوقي) يكاد ينقل بشكل تام أسطورة عشتار رغم أنه يحاول اضفاء اسلوبه الخاص ، حتى في النشيد الأخير ..
مرحى ! لتلك المقدسة التي تظهر في السماء
.......
......
مرحى ! ياابنة القمر البكر

فقط لم يقل ياابنة اوروك ..!
أستطيع أن اسميها تنصيص كامل لكن بصياغة أخرى ..
المرأة تطغى على بشكل كامل في أغلب نصوص (المرزوقي) إنها همه الوجداني وفي الحقيقية هي هم الرجل الوجداني منذ الأزل ، لكنه كأي شاعر فيلسوف يصيغها بطريقته ، لأنها هاجسه البعيد والممتد بعيدا عبر مهامه لازال يعتقد بأنها تؤدي به ل قلعته رمدان ..
المتلقي لايملك إلا أن تبهره قدرة الكاتب وثقافته الواسعة وفلسفته في الانجرار مخدرا بقدرات الكاتب الفريدة في صياغته لنصوصه وهذه ستراتيجته التي تقوم عليها نصوصه وليس مافيها من حبكة وشد انفعالي .. هناك متعة سلسلة غير الاثارة الحدثية ، إنها سحر البيان .. !

النص الأخير ..مسارب الرمل يمكن أن أدعوه بمسارب الجمال ..
هذا النص هو تاج النصوص دون منازع ، لايمتلك القاريء حين يتوغل فيه إلا أن يصرخ في كل مقطع ..الله ..الله ..!
أقف أمام هذا النص بإجلال وإجدني و قد عجزت عن تناوله لأنه ببساطة ككل الأشياء الهنية والسعيدة يصعب تدوينه ..
وعلى كل حال فإننا نقف منذ البداية أمام لوحة أدبية ولوحة تشكيلية حقيقية جسدها المرزوقي ببراعة متناهية بكلمات قدها من بحره الزاهر والزاخر ..
يفتتح النص بلوحة أشبه ما تكون بوجيز سينمي للحياة بطبيعتها الفطرية وللجغرافيا بشكلها الجنائني ، التي من أسمائها الحسنى (الخشابة ).
فالقصة تتغذى من مرجعية واقعية ربما عاشها الكاتب نفسه بكل تفاصيلها مسلفنة بهذا الطرز الجميل من البلاغة واللغة ، فهو يتعقب الموروث الشفاهي الجمعي ويسبكه ويسكبه في إجناسية سردية يتماهى فيها الحكائي مع الروائي ..
نلاحظ أن العقيدة الصوفية هنا أيضا تكشف عن نفسها ، رغم أنه ليس في الوسع التعبير عنها ، إلا أنه هنا يجيد رسمها بطريقة فذة ، حيث يتضح له معنى الحياة ، فتتوسع لديه العبارة ، فهو يضع السؤال أمام الجميع ...
" كم في هذه اللوحة المعلقة على الجدران من تلك الحياة ؟"
فهو يدعونا لاعادة النظر للوحة مرات عديدة ليتضح لنا المعنى كما في العقيدة البوذية التي تأمر بإعادة الأقوال الحكيمة ليتضح معناها ..
فتكنشتاين يقول إن إطار الفلسفة الوحيد هو اللغة ، وأن هناك أشياء لايمكن للغة أن تعبر عنها ..
إذن هنا يبتدع الكاتب لوحاته للتعبير عن فلسفته العربية لانها بظنه هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع المرء أن يتحدث عن معنى الحياة وذلك عن طريق عرضها بصورة بعير يمارس صبره مجترا بغير اكتراث ..
------------

تحياتي الكبيرة للاستاذ الاديب القاص (طلق المرزوقي)

عبد الباسط العباسي
بغداد.28 كانون أول 2016

 

******

 هاني الحجي: جزيل الشكر للقاص طلق المرزوقي لما منحنا من وقته ..

 

 

مريم الحسن: وفي الختام نشكر القاص المبدع
طلق المرزوقي
على امتاعنا في هذا اليوم المميز بالابداع ونشكر لكم أيها الأعضاء حسن المتابعة والشكر خاص لكل من داخل وأثرى الملتقى ..

                                      إدارة ملتقى القصة القصيرة الإلكتروني (التفاعلي)


مشرف ملتقى القصة العربية في منتدى القصة العربية


#6 جبير المليحان

جبير المليحان

    مؤسس شبكة القصة

  • الإدارة
  • PipPipPipPip
  • 4471 المشاركات:

تاريخ المشاركة 01 January 2017 - 02:44 AM

جهد كبير أستاذة مريم

:D 


صورة




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين