ذهاب للمحتوى


صورة

شيفرة الثقافة في غابة مصطفي الخطيب

نص وقراءة (2)

  • Please log in to reply
No replies to this topic

#1 د. وصفي ياسين

د. وصفي ياسين

    عضو جديد

  • الأعضاء
  • Pip
  • 2 المشاركات:

تاريخ المشاركة 27 December 2016 - 06:16 PM

شيفرة الثقافة في غابة مصطفي الخطيب

د. وصفي ياسين

1. القاصّ

مصطفى الخطيب، قاص مصري ليس له تعريف على موقع القصة العربية سوى ميلاده في عام 1974م، نُشر له بالموقع حتى الآن تسع وعشرون قصة، بدأت منذ عام 2014م وحتى اليوم، وسوف تتوقف القراءة أمام إحدى قصصه القصيرة بعنوان: الغابة.

2. النصّ

جُرِح ملك الغابة، فهرولت الحيوانات كلها إلى عرينه لعيادته، والدعاء له بالشفاء ..

وفى طريق عودتهم وقفوا لبعض الوقت يتحدث كلٌ منهم بحرية ..

قال حمارٌ وحش فى استخفاف: هرِم سيدنا.. ما عادت لياقته فى الصيد مثل الأول .

وقال الكلب: أخشى أن يفرض علينا نصيبا من أقواتنا له .

وقالت الجاموس ذات القرون: لابد أن نقف بجانبه حتى يتعافى، ولا ننسى أنه مذ وُلدنا وهو مليكنا .

وبينما كان يدور هذا الحديث كان فردان منهم يقفان صامتين؛ أحدهما يفكر فى الخطة التى سيصبح بها الملك الجديد على هؤلاء، أما الآخر فكان يسجّل – فى ذهنه - لكلٍ منهم مقالته حتى يعيدها على مسامع الملك الجريح.

نُشرت بموقع القصة العربية في 3 من مارس 2015م

3. مجتمعان وغابة واحدة

اعتمد عنوان القصة على  التركيب الإسنادي من المبتدأ والخبر، مع حذف النصف الأول للتركيب ليكون التقدير (هذه/ هي الغابة)، ما يغري بالتدخل الصياغي أولا ثم الدلالي والثقافي والسيميائي بعد ذلك. لفظة الغابة تحمل دلالتين؛ الأولى معجمية تعني المساحة الواسعة المغطاة بالحشائش والأشجار الكثيفة والتي تعيش فيها الحيوانات المفترسة وغيرها من الكائنات. والأخرى نسقية تشي بميدان كبير للصراع والمؤامرة والبقاء. يدفعنا هذا التأويل المباشر للسؤال عن ماهية الغابة: هل غابة القص تختلف عن غابة الواقع؟ إن الغابة التي بين أيدينا ملكُها مصاب بجُرح، والحيوانات لديه تعوده وتدعو له بالشفاء، بينما خلت هذه الحيوانات لنفسها لتتباين مواقفها بين الإقرار بضعف الأسد عن الصيد، والتخوّف من التكفّل بإطعامه، وضرورة دعمه ومساندته في محنته، والتخطيط للانقلاب عليه، والتجسس لحسابه. وفي ذلك تخالف غابة القص الواقع؛ لأن مجتمع الحيوانات ليس لديه هذه التوجّهات العقلية المختلفة حيث يحكمهم جميعا قانون واحد هو البقاء للأقوى. من جهة أخرى، توافق غابة القص الواقع؛ لأن الحيوانات تقف في تنوعها واختلاف مواقفها كعلامات سيميائية وأنساق ثقافية تكشف واقع الإنسان المضطرب وتوجهاته المتناقضة.           

4. ثنائية الحضور والغياب

اكتنزت وقائع وشخصيات القص بشفرات سيميائية وأنساق ثقافية، برزت في: الحضور والغياب، الانتهازية والاستغلال، النسقية الضائعة، تعرية الواقع. ما ساعد على نقل القص من سرديته الضيقة إلى عالم أرحب من التأويلات المتوسّلة بالدلالات العميقة والحمولات السيميائية والأنساق الثقافية.

لقد حضرت ثلاثة حيوانات بصوتها، وحضر آخران بفعلهما. فلماذا حضرت هذه الأصوات؟ ولماذا غاب صوت الأسد والصوتان الانتهازيان؟ ولماذا غابت الحيوانات الأخرى القوية والماكرة؟  

خلق الحضور والغياب في القص توازنا بين عالم المتناقضات؛ فالحضور وازن بين المتخوّفين الشامتين والداعمين، كذلك الغياب وازن بين الانتهازي لنفسه والانتهازي لغيره. الأسد غاب صوته، وحضر تأثيره بقوة، غيّبه الجُرح، وأحضرته المعايدة والاستماع لكل الآراء متوسّلا بالوشاية. الحكم حاضر بالفعل لسيطرة الأسد بحكم العادة أو بمساعدة بطانة السوء، لكنه سوف يغيب عنه مستقبلا بالانقضاض عليه. نعم غاب الأسد، وحضرت الحيوانات بنفسها، لكن الأسد حضر بغيره، وكان حضوره الأقوى لأنه كان بؤرة القص التي دارت حولها الشخوص، فاحتل بحضوره المتن دون أن تشعر الشخصيات الفاعلة بذلك، فغيّبهم جميعا بسطوته، وهمّشهم بقوة تأثيره.

غاب أيضا، اسم الشخصيتين الصامتتين، رغم التصريح بأسماء الحمار والكلب والجاموس. غاب اسمهما وحضر فعلهما، وفي غياب الاسمين إشارة إلى التعميم والكثرة أي أن الكثير من أفراد المجتمع مرشح للقيام بفعلهما؛ الانقلاب أو الوصولية. أما عن التأثير السردي لغياب الحيوانات القوية والماكرة كالفيل والنمر والذئب والثعلب وغيرهم، فإنه يمثّل دليلا على غياب عوامل قوة المجتمع، ما أدى إلى أن يحتل الضعفاء والجبناء والعملاء، وغيرهم من غير المؤهلين، المشهد العربي العام، ما أظهر هشاشة المجتمع وتفككه، وكأن في غيابهم مقابلة سردية سوداء لغياب القوة. 

5. الانتهازية والاستغلال

توسّلت كل شخوص القص بالانتهازية والاستغلال. لم يذهب الحمار لعيادة الأسد اطمئنانا عليه، إنما للتأكد من فرص بقائه آمنا. فإصابة الأسد نفسها لا تشغل باله بقدر ما يؤرقه جاهزية الأسد للركض والانقضاض، وقد غابت الأولى لغياب الأخرى. هذه المسألة أربكت الحمار كثيرا فغاب عنه التقدير والإجلال للأسد، فاستخدم في غيابه مفردات الاستخفاف والسقوط والاتهام بالشيب.

أظهر الكلب تذمّره من فكرة الجور على طعامه، فرأى في الجُرح عجزا تستتبعه إعالة مفروضة عليه، لذا اكتفى بإظهار تخوّفه متأثرا بطبيعته القلقة، ليس قلقا على مستقبل المملكة بقدر ما هو قلق على معدته. أما الجاموس فلم يدعُ لدعم الأسد ومؤازرته إلا احتسابا لحياة أطفاله الصغار وحماية لهم من الافتراس المحتمل. 

كما أن الصوتين الغائبين كلاهما انتهازي؛ فالأول ينتهز لحظة الضعف للقفز والاستيلاء، والآخر ينتهز لحظة الضعف الإنساني للتملّق. الأول يفكر في الانقضاض على الملك إيمانا منه بحتمية هلاكه، والآخر يسجّل حوارات الجميع جيدا ليتمكّن من نقلها فيما بعد تقرّبا وزُلفى. لقد اختلف موقفهما وطريقتهما، فالأول يفكر ويخطط للحكم، طامح مهموم بأمر إيجابي يحققه لنفسه مستغلا نقاط الضعف المختفلة. بينما الآخر يلغي عقله ويحوّل ذهنه لآلة تسجيل، وصولي مهموم بأمر سلبي يتقرب به مستغلا السذاجة وحسن النية.

6. النسق الضائع   

لقد تخلّت حيوانات القص عن طبائعها؛ فالحمار ليس غبيا والكلب ليس وفيا والجاموس ليس مندفعا قويا، رغم ترصد الانقلابيين والوصوليين بهم. إنها الرموز المكتنزة بالمشاعر والمفاهيم والدلالات، والشفرات الموخزة حدّ الوجع.

يرى كل واحد من حيوانات القص، الأسد من زاويته الخاصة. الحمار نسقيا هو رمز الغباء، لكنه يتحلّى بما ليس فيه، حيث تؤرّقه المطاردة التي تستهدفه شخصيا والتي يختطف، بعد كل مرة ناجحة فيها، عمرا جديدا، فيكرّس نظرته للملك الجريح من خلال ضعف اللياقة البدنية. بينما الكلب وهو رمز الوفاء نسقيا، يتخلّى أيضا عن ميزته، ويرى الملك بعيون طفيلية، حيث قوت الكفاف الذي ينزعه بصعوبة بالغة كل مرة، لذا فهو يتخوّف من اقتطاع نصيب من ذلك القوت لكفالة الأسد. على الجانب الآخر؛ يقف الجاموس موقفا إيجابيا، فيدعو لدعم الملك الجريح ومؤازرته والاعتراف بفضله وسيادته، ورغم أن الجاموس رمز للقوة والاندفاع لكنه يتخلى عن نسقيته ويتحلّى بالعطف والشفقة. لكن، لماذا اتخذ الجاموس هذا الموقف؟ هناك تأويلان؛ الأول، أن الأسد لا يجد حيلة أمام قوة الجاموس سوى الطمع في صغاره، لذا فالجاموس يتمنّى على الأسد أن يتحلّى مع صغاره في المستقبل بقلب الأم الرحيم. إنه يطالب الأسد بالتخلّي هو الآخر عن نسقه المعروف بالافتراس. والآخر، ربما لأن الأقوياء جدير بهم اتخاذ مواقف قوية، حيث لا تليق بهم الشماتة ولا نشر الذعر ولا الانقلاب على حكامهم ولا التجسس ضد رعاياهم، حتى لا يطمع فيهم الضعفاء وسفلة القوم وتضيع هيبتهم وملكهم.

لم تضع أنساق الحكمة والوفاء والرحمة فقط، بل ضاعت أنساق أخرى أيضا كالحرية وانتقال السلطة. شخصيات القص لا تشعر بحريتها إلا بعيدا عن أعين السلطة، فالحيوانات تحدّثت بحرية أثناء عودتهم بعيدا عن عرين الأسد، وكأن العودة الحقيقية تكمن في الحصول على الحرية غير المنقوصة والديمقراطية غير المزيفة. وإذا حاصرنا المفردات الدالة على السلطة وجدنا أنها محصورة في التراكيب التالية: "ملك الغابة، عرينه، سيدنا، الملك الجديد، الملك الجريح". لقد تكررت مفردة "ملك" ثلاث مرات اقترنت كل مرة بدال مختلف: الأولى؛ ملك الغابة، التي توهمنا بأن أحداث القص وقعت في غابة الحيوانات وحدها. والثانية؛ الملك الجديد، التي تنقلنا إلى الحلم والرغبة الجارفة في تدوير كرسي السلطة بين أفراد الشعب. بينما الثالثة؛ الملك الجريح، التي تضعنا في مواجهة الواقع الأليم، فالحاكم العربي ملتصق بكرسيه التصاقا سياميا مهما أصابه العجز والعيّ، فهو السيد وسيظل.  

7. بين الواقع والمسكوت عنه

إلى أي مدى يكشف القص عن المسكوت عنه في الواقع؟ إن الأطياف والشرائح القصصية لا تمتلك يقظة الفكر التي تمكّنها من الخروج من التيه، والاستبصار لتحقيق الكينونة في ظل ظروف مجتمعها. إنهم يهربون من خوفهم الوجودي بالحماقة أو بادّعاء الشرف أو بالتملّق. إن وجودهم على الهامش، كالعرب تماما، أفقدهم الإحساس بقيمتهم وعبّأهم بالقش.

لقد الأسد جُرح دون أن يبين القص مصدر الجرح وخطورته، ما يدل على أن الحاكم مازال يحتفظ بقدرته على إدارة شؤون الحكم، وبحنكته في إلهاء الرعية وقتما يشاء، وبخبرته في كشف حقيقة المحيطين به ودرجة ولائهم له، وبتمرّسه الطويل في تقديس نفسه.

أضف إلى ذلك، أن الغباء والتسرع السياسي يتصدّران المشهد القائم، كما تصدّر الحمار ناصية القص وأدلى باعترافه سريعا. كذلك الوضع العربي الراهن سياسيا؛ البعض يبادر بإصدار الأحكام واتخاذ القرارت المصيرية مع أن الرؤية السياسية غير كاملة أو أنها مفقودة في الأصل، ما يضرّ بمصالح الشعوب ومصائرها. كذلك المتزلفون ولاعقو أحذية السلطة تكتظ بهم المنابر العربية باختلافها ويتمسحّون كالكلاب في كل حاكم ومسؤول، ويتفنّون في إلهاء الشعوب بلقمة العيش بعيدا عن الأخطاء السياسية الفادحة. كذلك، المستميتون في الدفاع عن السلطة الحاكمة، كالجاموس؛ نراهم يتبنّون مواقفها ويقفون بالمرصاد لكل معارض، لأن بقاءهم وبقاء قوتهم مرهون ببقاء تلك السلطة. أما الانتهازيون والمنتفعون، فما أكثرهم، حيث يجيدون القفز على كل المناصب واستغلال كل المواقف لصالحهم وتأويل كل المبادئ لخدمتهم. لقد كان القص مجتمعا كاملا بمعظم أطيافه وشرائحه، مجتمعا ناقصا بأمراضه وأزماته الطاحنة.    

إن الصامتَيْن، سرديا، ينقلان هوس العربي بالخوض في شؤون الغير إيمانا منه بفكرة المؤامرة أو بضرورة الانسحاق لصالح الأقوى للاحتماء به. وهذا موقف سلبي، وهو أقصى ما يمكن أن يفعله، لذا لن يصل لقيادة العالم أبدا؛ طالما أنه يقف في صفوف المنسحقين ولاعقي الأحذية أو المقموعين والرافضين. الفكر القبلي لا يزال مهيمنا على الرؤوس العربية التي لا تزال تتحين الفرص لاستغلال لحظات الضعف السياسي والاقتصادي والعسكري والإنساني، كما كان الحال قديما أيام الإغارة والسلب بين القبائل.

ربما لا يحمل هذا النص القصصي كل هذه الحمولات الثقافية والسيميائية، لكنه فعل التأويل الذي يقدم نصوصا موازية للنص الأصلي.    

     






0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين