ذهاب للمحتوى


صورة

الإنسان رقم سردي في واقع غير مرئي


  • Please log in to reply
No replies to this topic

#1 فهد حسين

فهد حسين

    عضو جديد

  • الأعضاء
  • Pip
  • 13 المشاركات:

تاريخ المشاركة 05 March 2012 - 08:42 AM

الإنسان رقم سردي في واقع غير مرئي

إن كنت جالسًا خلف طاولة القراءة، أو كنت مسترخيًا على كرسيك قرب نافذة غي غرفة التلفاز، أو كنت مستلقيًا على سريرك تداعب بعض أحلامك استعدادًا لنوم، فكل هذه الأزمنة، والأمكنة التي تحاول المكوث فيها، واحتضان الوقت، واللحظة، وأنت تستعد إلى عامل جذب لأمنياتك، فإنك أيضًا تنبري مستعدًا لمحاورة لغوية، وسردية، وفنية، حينما تحتضن مجموعة القاص إسلام أبو شكيّر( )، إذ تنهض من بين كل هذا وذاك، ومن حيث لا تدري، لمعانقة مفردات متراكبة ومتتالية، تدخلك في جوين ممتعين، جو من الاستغراب، والتعجب، والدهشة، والحيرة لتلك اللغة، والثقافة، والمخيال، والأسئلة، والتشابك بين السارد والكاتب، وفي الوقت نفسه تدخل جوًا من المتعة، وحب التلقي الجميل؛ لأنك تصادف لغة، وتركيبًا، وبنى فنية، وتقنية، تتصف بالجمالية.
إنها مجموعة القاص إسلام أبو شكيّر القصصية المعنونة بـــ (30 > 43)، الصادرة عن دار التكوين في طبعتها الأولى 2009، مكونة من اثنتي عشرة قصة، ذات عناوين ملفتة للنظر، والتأمل سواء في عدد الكلمات للعنوان الواحد، أم في التنوع بين مفردة عربية وأخر أجنبية، أم في البعد الثالث الذي جعل الرقم الحسابي أحد العناوين، بل عنوان المجموعة، وهو ما يجعل المتلقي ينظر إلى العنوان ضمن قراءته للنص، وقي سياق تأويله، لذلك نلحظ في هذه القراءة، أن كل هذه العناوين تحمل ذاكرة الإنسان، وثقافته، ومنجزاته، ومتغيراته، وما اعتراه، وما تعرض له من آلام التي عادة ما تأخذ مساحة واسعة من عمر الإنسان في محيطه المكاني والزماني، وفي محيط البناء التكويني لعقليته وثقافته. وهو ما يجل العنوان ينظر إليه بوصفه في مستوى " إنتاجيته الدلالية لبيته، ومدى تخطيها إلى العمل ومحفزة على الفعل "( ).
الويلات والألم
كشفت لنا المدونات التي دونها الإنسان القديم على الأحجار، وجذوع الأشجار، وأوراقها، كم من تلك المعاناة التي كان يعانيها هذا الإنسان لكي يحافظ على إنسانية، ويؤنسن الأشياء من حوله، ويطوعها، من أجل أن يعيش مستقرًا، مطمئنًا، لذلك يحاول التغلب على عقبات الطبيعة، وقسوة الحياة، وكل الصعاب التي تعترض طريقه، ولكن بالوسائل المتاحة له آنذاك، كما أن الإنسان العربي اليوم لديه من المعاناة، وإن اختلفت في شكلها، وطبيعتها، ومصدرها، وكأن المعاناة علامة بارزة، ومدونة على الجباه.
وما نراه الآن من تطورات في الحراك الشعبي، واستجابات من قبل النظم السياسة العربية، والحكومات، إلا من قبيل بث الاستقرار والاطمئنان، والعيش بسلام، يكشف كما يقول عبدالإله بلقزيز في حديثه عن فكر عبدالله العروي، بأن الإصلاح الديني، والاجتماعي، والتربوي، لن يكون ممكنًا من دون إصلاح الدولة نفسها، حيث إن أي نجاح يحرزه مجتمع ما إنما يحصل بواسطة الدولة، مثل: نشر التعليم، ومحو الأمية، وتنمية البحث العلمين والتصنيع وتوطين التقانة، وتنمية الموارد الاقتصادية، وجسر الفوارق بين الطبقات، وعقلانية الإدارة، وبناء دفاع وطني حديث ......"( ).
إن القصص المعنونة بثلاثين أكبر من ثلاث وأربعين، هي مجموعة صدرت ليتلقفها القارئ، معلنة محاولتها إلغاء الخيط الفاصل بين واقعية النص، ومتخيلة، وبين سردية الحكاية، وحقيقة القول، بين ناقل الحكاية، وراويها من جهة، وبين كاتب الحكاية الفارض نفسه على الراوي ليكون أحد المشاركين في هذا الهم العربي المقيد له من جهة أخرى، ولكل شخوص المجموعة من دون استثناء، وبخاصة في ضوء تلك التطورات النظرية حول الحكاية، والسرد، وما نتج عنها من تطلعات مهمة في دراسة العديـد من قضايـا المجتمـع، لذلـك " يحظى الاشتغـال بالسرد مكانة متميـزة تتجلى في الخطـاب اليومي، أو الصحفـي، أو التاريخـي، أو الأسطـوري، أو الأدبـي، سواء ظهـر من خـلال المستـوى اللفظـي، أو الصوري، أو الحركي .... "( ).
تطرح المجموعة قصصية أسئلة كثيرة على الذات البشرية، الذات الحاملة بحلم التغيير، والغد والمسئولية، والذات الإنسانية التي توأد من البدء في التفكير من قبل المحيط الاجتماعي وأعرافه، أو التناقضات السياسية وتموجاتها، أو التطرف الديني والطائفي، هذه الأسئلة تكشف لنا عن صفات الشخصيات القصصية، وأفعالها، ومقاصدها، وتطلعها، ومدى مركزيتها في النص، أو هامشيتها منه، وتعطينا إيحاءً عن طبيعة العلاقات الثقافية والأخلاقية عند كل من السارد، وشخصيات النصوص.
لقد سعى القاص إسلام أبو شكيّر بجدارة فنية، إلى التعاطي مع النصوص المجموعة في إطار قبول النص نفسه ضمن عمليات تحاول توظيف فنيات الحكاية، وكيفية التعامل اللغوي، والفني، والتقني الذي وظفه في هذه المجموعة المغلفة في جلها بالألم، والحزن، والموت، والحساب، وفي الأرقام الحسابية في عمر الإنسان، تلك القضايا التي ناقشتها نصوص المجموعة، باختلاف بعض النصوص القصصية العربية الأخرى التي كانت تركز على هذه المسائل ضمن سياق الجانب النفسي البسيط، وحالة الفرد الضعيف، من دون التأمل العمودي تجاه هذه المسائل كما فعل القاص أبو شكيّر، إذ برزت ثيمة الموت بصورة كبيرة، ومتعددة الجوانب والطرائق، فالموت قار على كل كائن حي في هذا الكون، وإن تعددت، أو تنوعت، أو تباعدت الأزمنة، والظروف، والوقائع، وكأن القاص يذكرنا بالبيت الشعري المشهور: (من لم يمت بالسيف مات بغيره .. تعددت الأسباب والموت واحد).
ثيمة الموت
ها هو الموت يأتي في حالة معينة، أو على شكل فعل يقع للإنسان في صورته المباشرة، وغير المباشرة، والتي جاءت بها معظم قصص المجموعة، بمعنى يأتي الحديث عن الموت وكأنه حدث فعلا ووقع، ويأتي في ظرف ما، أو موقع ما ضمن متخيل الحكاية القصصية التي يتعمد الراوي أن يجعل المتلقي ليس بعيدًا عن هذه الثيمة، حيث الموت مثل ذاك القادم ليستقبله من يقع عليه بكل جرأة، لذلك " كانت الكفاءة والجرأة اللتان أشهر بهما موته مثيرتين للدهشة "( )، فلم تكن الجرأة إلا إذا كان الموت والإنسان متحالفين في الهدف.
إن الشهادة والنضال والحصول على الحرية لا تأتي إذا بعد الإنسان عن الموت، أو هرب منه، أو خاف الوصول إليه، من يدخل في عالم المغامرة يعرف جيدًا أن الموت قد يكون حليفه، أي أن حالة الإنسان وعلاقتها بالموت لا تكون بعيدة عنه في كل لحظة، وبخاصة إذا آمنا بحتمية الموت، ووقعه على الكائن الحي الذي قد يأتي بأية لحظة، وفي أي مكان.
ولماذا هذه الدهشة إذا كان المرء قادرًا على بناء صداقة حميمة مع الموت، أليس عالمنا العربي يئن من وطأة الموت كل يوم، وفي كل ساعة، أليس الموت علامة بارزة في تاريخ الحركات النضالية، والمطلبية التي تتحول هذه العلامة من موت إلى استشهاد، وإن اختلفت مفاهيم، ومعاني دلالة هذا الاستشهاد عند المقتنعين، والعارفين بدورهم، لكن بعض الأحيان يخون متلقي الموت نفسه، فيوهن جسده، وفكره، وتطلعاته، فيموت في إطار من الضعف والوهن، وكأن حالة الموت هي مرحلة النقلة لا غير.
وفي الوقت الذي نرى أنها لم تكن مرحلة انتقال بقدر ما هي مرحلة بدء لحياة أخرى لا يعلمها إلا الباري سبحانه وتعالى، تقاس، وتحاسب، بقدر ما قدمت، وأعطـت، لكن هناك الموت الذي هو بعيد عن الحقيقة الماثلة لفعل الموت، أي المـوت المعنوي الذي يوهـن المرء عبر موجـات من الألم والحزن، أو من خلال بعض الحالات النفسية، والانفعالية، وهذا يعني أنه " لا يمكن أن يرضى سوى الوضيعين الذين يميلون إلى الاكتفاء بمشاعر الحزن والعطف والشفقة التي تتملك قلوب الأحياء في اللحظات الأولى من موتهم"( ).
وتأتي العلاقة الجدلية بين الموت والحياة في شكله المعتاد، أي انتقال المرء من عالم إلى عالم آخر، أي العلاقة بين البقاء والفناء، بين الموت الذي يصل إلى دلالة العدم، وبين الحياة التي تتجلى فيها الأجساد، بل الموت بعد الحياة، والعيش فيها مقبولاً؛ لأن الإيمان بالعبث، والحياة، والخلود، كان مؤشرًا لهذا القبول. لذلك استطاع القاص التعامل مع مفردة الموت في صورتها اللغوية، وفي كونها حالة انفصال بين عالمين، فهناك موت حقيقي في العبارة التي تقول: " الجسد الآن هادئ ومستكين. وقد أصطبغ بصفرة فاقعة بعد أن خلت العروق من الدم "( )، وهنا يتوقف الإيقاع الزمني للحياة، ويتحول إلى سكون.
إن هذا السكون فيه من الدلالات الإيحائية التي تحيلنا إلى العلاقة العقل والجسد، بين روح الإنسان التي انتقلت إلى بارئها بعد توقف المخ والقلب، وبين واقع في مجتمع لا يتمكن من التعامل معه أصلا في صورة العلاقة التبادلية والتعاضدية، فيهرع إلى السكينة السلبية؛ وبخاصة أن المجتمع لفظ كل عبارات الانفصال عن واقع هذا الإنسان، فلم يعد يعنيه عيشه، أو سكنه، أو مكانته، أو دوره، أو إمكانياته الآنية والمستقبلية، لذلك يكون الانزواء، هو حصيلة هذا المرء الذي يفضل الانفصال عن الحياة بما فيها طريق الموت.
غير أن حالة الموت نفسها تفرق في تقديرات الزمن بين وقت معيش، ووقت مفارق، فيجعل الإنسان نفسه في تساؤلات كثيرة تجاه واقع معيش يريد فيه تحقيق منجزاته المتعددة، ولكنه يبقى قصيرًا؛ لأن ذاك الوقت الذي ذهب لم يعد في صالحه، هكذا وضع القاص الحالة المتقاطبية بين الإنسان الذي سيموت في غضون أقل من ساعة، وبين مجموعة من الأحلام والتأملات الراغب هذا الإنسان أو ذاك في تنفيذها، " الساعة في حدود السابعة والنصف مساء. موتي يكون عند الثامنة. لا أدري .. هل التوقيت مناسـب؟ "( )، فأي مناسبـة يريدها فعلاً، هـل الموت في العيادة؟ أم المـوت في البيت؟ أم الموت فـي الشـارع، أو على أرصفـة الطرقـات؟ أم الموت بين أحضان الأحـلام التي لم تتحقق بعـد؟ هذا ما حـاول النـص القصصي أن يكشـف عن الحالـة الدفينـة عند من سيذهـب إلى عالـم آخر، " ليس من اللائق أن ألفظ أنفاسي الأخيرة ها هنا في عيادته "( ).
لم يعد النظر إلى المفارقة في الموت فحسب، بل في التوقيت الذي تفنن القاص بشكل جمالي ممتع ومدهش في نسج لغته وفنيته، فبين العمر الزمني الذي قضته الشخصية في القصة، وهو ثلاثة وأربعون عامًا، وهي فترة زمنية تساوي في هذه اللحظات نصف ساعة فقط من زمن الإنسان المتبقي، أي كل ما كان قد فعله أو ما ينبغي أن يفعله في تلك الفترة الفائتة، وهنا يأتي القلق من الموت المرتقب، والمحدد بوقت معلوم، كما يقول تمبلر : أن قلق الموت حالة انفعالية غير سارة، يجعل بها تأمل الفرد إلى وفاته هو، وكذلك يقول هولتر: أنه استجابة انفعالية تتضمن مشاعر ذاتية من عدم السرور( )، لذلك نرى السارد قلقًا في تفكيره، وشعوره، وفيما يسعمله، فكيف يقوم الآن بجرد الأحلام، وحساب التأملات، والرغبات المتعددة في تحقيق هذه الأحلام نفسها في نصف ساعة، وكأن هذه الفترة الزمنية المحددة بــ (النصف الساعة) تساوي بالمقابل العمر الذي يساوي عمر الراوي نفسه، أي عمر الشخصية القصصية، والذي انقضى فعلا عدا الثلاثين دقيقة.
وهذه جمالية العمل في القصة من حيث البناء، والتساؤل، والدهشة، والطرح. وفي ذاته يحاول القاص إيجاد دوافع أخرى للموت يعرفها الجميع، وإن جاءت بأساليب مختلفة، فالدوافع نحو الموت قد يكون بناء على حالة نفسية عند القائم به الذي ينوي قسرًا الموت، فهو: " كان في السابعة من عمره عندما ارتكب جريمة القتل الأولى "( )، هذا إذن قتل جسدي حقيقي، ولكن أين هو القتل المعنوي الذي يتساوى، بل يزيد في عالمنا العربي؟
إن عالمنا محاصر عند كل الاتجاهات الأصلية والفرعية، محاصر ليستقبل الموت أكثر من مرة في اليوم، أليست مصانع الأسلحة والدمار ينبئ بهذا الموت؟ أليس الاختناقات اليومية في شوارع المدن، والقرى العربية تندد بهذا الموت؟ أليست الأطمـاع الخارجية ضمـن هذا الموت؟ إنه الموت المعنوي الذي يصـاب به الإنسان العربي حيـن يصل الأمـر لعدم القـدرة على العيش، والاطمئنان على الـرزق، والأجساد والحياة، وإنـه الموت الحقيقي حين يستقبله المرء ليخرج وإياه إلى عالم آخر، هكذا هو " يخرج بندقيته .. يصوب النار نحو الجمهور .. أعضاء لجنة التحكيم يسقطون صرعى .. دم بلون الحبر "( ).
وها هو القتل الحقيقي، والمعنوي في وقت واحد، وهكذا يكون الدم والحبر سيان في حياة الإنسان، أليست هناك مقولات تشير إلى الفخر، والتباهي عند مؤيدي كل إنسان يسقط شهيدًا لمعتقداته؟! وإلا كيف تم الاهتمام، والتقدير إلى العديد من العلماء، والفلاسفة، والمفكرين منذ بدء الخليقة، وإلى اليوم ممن سقط على أيدي معارضين أفكاره وتوجهاته، مثل: سقراط، وجاليليو، وحسين مروة، وفرج فودة، ومجمل الثورات في العالم وغيرهم.
استطاع القاص إسلام بو شكيّر أن يجعل النصوص تنسج علاقة وطيدة بين الراوي الذي يسرد الحكاية بفنية واقتدار، وبين ذات الراوي نفسه، وهنا تدخل فنية الكتابة السردية، وإيهام المتلقي بتعدد الرواة أو بالأحادية، وفي الوقت نفسه تتمظهر مكامن المفارقة والحقيقة، وبروز فعل المتخيل، ومظاهر الواقع المعيش، مما يفرض على كاتب النص نصًا أو أكثر عبر جمله السردية تأخذك إلى حالة مشحونة بالذهول والاستغراب طالما تحاول استنطاق النص القصصي هذا أو ذاك.
دلالة الأرقام الحسابية
وفي مقابل الموت والألم والحزن، كانت العمليات الحسابية، والأرقام الرياضية مكتنزة بهذه المجموعة، ثيمة رئيسة أيضًا في النصوص القصصية، وهي ثيمة الرقم، ففي الوقت الذي تحسبه رقمًا حسابيًا، فإنه قيمة فنية، وجمالية حضرت في نصوص المجموعة من دون أن تشعرك بالعادلات الحسابية، بقدر ما تجعلك تلامسها ضمن قالب العمل الفني للقصص، وسياق الوعي بالعمل وكتابته.
ينبري الرقم سبعة بين نص وآخر سواء أكان مفردًا أم ضمن تشكله في دائرة الأعداد الأخرى، وإذا كانت ثيمة الموت قد برزت في النصوص، فهي لم تأت منفردة، وخالية من الارتباط بما في النص من سياقات أخرى، لذلك كانت الأرقام مساندة لثيمة الموت بشكل جلي، وتقني معًا، من هنا نعتقد أن ثيمة الموت جاءت وفق عمليتين حسابيتين دقيقتين تعمدهما الكاتب باقتدار.
وقد جاءت الأولى في تلك الثنائيات أو التقاطبات المتمثلة في العلاقة بين الإنسان والذات، بين المرأة والرجل، بين رغبة العيش وحتمية الموت، بين الوقوف والسقوط، بين الحب واللاحب، بين السفر والتنقل للمكان والبقاء والمكوث، بين نص قصصي قصير، ونص قصصي قصير جدا، أما العملية الحسابية الثانية فقد بدأها القاص من العنوان، الذي هو إحدى عتبات الكتابة الإبداعية المهمة التي تساعد المتلقي على فك الرموز، والاحتمالات، وانتهاء بالأرقام الحسابية المنتشرة بين ثنايا النصوص التي حاولت أن تخلق علاقة بين لغة العلم ولغة الأدب من دون أن يشعر القارئ بهذا المزج أو التعاضد.
لقد وقف القاص مؤكدًا الرقم (سبعة) وتداخلته وارتباطاته بالأرقام الأخرى ليكون علامة واضحة حيث يقول: " الطفل في السابعة من عمره، السابعة هي الحد الأعلى المسموح به "( )، و" الطفل .. ستنتبه امرأة تحتل الطاولـة المجـاورة إلـى أنـه لـم يعد فـي السابعـة مـن عمـره "( )، وكذلـك " السابعة عشرة .. الوقت يمر "( )، وأيضًا " الذي احتفل قبل أيام بعيد ميلاده السابـع"( )، و" لكـن فـي عمـر آخــر .. في السبعيـن تقريبًـا "( )، و" إسلام أبو شكيّر نفسه ولكنه في عمر آخر في السابعة تقريبًا "( )، وهذا ما ذكرنا آنفًا قدرة القاص بفنية وجمالية على إدخال نفسه باسمه أو شكله أو سنـه أو أفكـاره ضمـن مناخ العمـل الفنـي وتقنياته، وهذا ما قاله بعد ذلك: " لكنني اكتشفت أنه كان يتحدث عن أنا السبعيني "( ).
وهنا تكشف الجملة السردية عن جمالية الحكاية، والراوي، واللغة في وقت واحد، ففيها ضمير المتكلم، وضمير الغائب، جملة تتطلب تأملا فنيًا حيث عقارب الساعة لم تكن مع الإنسان أيضًا، فها هي " الساعة في حدود السابعة والنصف مساءً "( )، والنصف ساعة التي بدأ يعدها بكل دقة، وبحيثيات التفاصيل هي: " ثلاثون دقيقة: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7 .........."( ) ص36، وكذلك في قوله: " وتلتها جرائم القتل الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة "( )، وها هو " عبدالرحمن مازال في السابعة والثلاثين من عمره "( )، ليصل عند الرقم سبعة ويقف من دون مواصلة العد.
وكأن الرقم هنا يمثل الكثير ليس لكاتب النص فحسب، بقدر ما هو إلى الإنسان عادة، وتراثنا وديننا وثقافتنا وعاداتنا وأعرافنا تشير إلى هذا الرقم، أليس هناك سبع سموات، وسبع أراض، وسبعة أشواط حول الكعبة، وسبعة أشواط بين الصفا والمروة، وسبع بقرات، وسبع سنين، وسبع سنابل، وسبع درجات، وسبع دركات، وسبعة أيام للأسبوع، وسبعة ألوان للطيف، بل أن القرآن الكريم افتتح بسورة الفاتحة المكونة من سبع آيات، وعدد حروف اسم الآية سبعة أيضًا، ومن منطلق اللغة العربية فإن أحرف اللغة هي ثمانية وعشرون حرفًا، أي بمضاعفات الرقم سبعة أربع مرات.
أعتقد لم يأت الرقم مصادفة بقدر ما كان القاص معبأ بتراث عربي وإسلامي، وثقافة عالية، جعلته يتمكن من تناول الرقم، وتوظيفه بآليات مختلفة، ومتعددة بحسب مقتضيات البناء القصصي. وهنا يأتي التساؤل حول الرقم نفسه، فهل كان القاص متعمدًا أن يدخلنا في تراثنا، وتاريخنا، وحضارتنا التي تشير إلى الرقم سبعة، وكأنه رقم مقرب لنا ولابد أن يدخل في تفكيرنا، وثقافتنا، رقم نتعامل معه بشفافية وحميمية، عكس ما هو عند الغرب من تشاؤم تجاه الرقم (13)؟!
لم أتصور أن الرقم جاء اعتباطًيّا، وبخاصة أن النص السردي عند القاص فيه من الفنية والقدرة على حبك الجمل، وعلى إدخال الراوي والكاتب وبطل النص في عالم القص معًا مما يجعلك تزيد من الدهشة الجمالية في المرامي التي يريد أن يوصلها القاص لنا في ضوء ربط الحاضر بالماضي، ومعهما إلى المستقبل، أي قراءة الماضي والإتكاء عليه بعد غربلته، وعيش الحاضر وتطويره، واستشراف المستقبل الذي هو الضوء القادم لأناس لم يولدوا بعد، وكذلك ربط استمرار الحياة باستمرار الموت، وربط الحديث عن الواقع المعيش من جهة، وعن الحقيقة التي يراها القاص من زاوية ويراها الآخر من زاوية أخرى، وهذا كله لا ينفصل البتة عن المتخيل الذي هو لازمة أساسية من لوازم الكتابة الإبداعية شعرًا أو سردًا، والعلاقة التي ينشؤها الإنسان مع ذاته، وما تتخللها من الويلات والتناقضات في التفكير والتأملات والتعاطي مع واقعه الذي قد يراه في زمن ما مريحًا وسعيدًا يجده في زمن آخر عكس هذا تمامًا.

المصادر المراجع
1. إسلام أبو شكيّر، 30 > 43، دار التكوين، دمشق، ط1، 2009
2. أحمد محمد عبدالخالق، قلق الموت، عالم المعرفة -111، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، مارس 1987.
3. بسام قطوس، سيمياء العنوان، وزارة الثقافة، عمّان، ط1، 2001.
4. سعيد يقطين، قال الراوي – البنيات الحكائية في السيرة الشعبية، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1997.
5. عبدالإله بلقزيز، من النهضة إلى الحداثة، العرب والحداثة -2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2009.




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين