ذهاب للمحتوى


صورة

ربيع الأبجدية


  • Please log in to reply
No replies to this topic

#1 سامر حيدر المجالي

سامر حيدر المجالي

    عضو جديد

  • الأعضاء
  • Pip
  • 20 المشاركات:

تاريخ المشاركة 20 May 2011 - 09:48 PM

إنه الربيع... ذاك الذي تأخر عن موعده سنوات طويلة. ربيع قلبك إذ تـَحُفُّهُ النسائم اللذيذة والزهور التي تفتحت أكمامها. أيها المـُتَّكيءُ على أعوامك الثمانين تمارس عادتك اليومية، تقف في شرفتك، تنتظر الشمس حين شروقها، تحادثها قليلا ثم تمضي إلى شؤونك الخاصة. اليوم لا أنت أنت ولا الشمس شمسك التي عرفتها. والحارة تتأهب لمخاض عسير. شوارعها الضيقة وأبوابها المغلقة على ضيم السنين، والكادحون الذين يستقبلون الشمس مثلك لكنهم لا يملكون ترف التحية في الصباح، هاهم اليوم يقلعون عن كآبتهم، هاهم يَلِجونَ إلى الفتنة حين تغدو الفتنة إكسير الحياة. وأنت معهم، تذوب الفروق التي طالما قيَّدتـْك، فتتوحد بينكم لغة الكلام. ما أسعدك بالثمانين، إنها الشرفة الجديدة التي تتأهب لالتقاط الفجر القادم من رحم الغيب. لن تُفْلِتَ منك المواعيد، حتى تلك التي ذَهَبَتْ تعود إليك، تأخذك بعيدا عنك. تصطف متجاورة، تحدق فيك، تتحاور فيما بينها، ثم تذوب مثل برق خاطف، ويسيل المداد....

ما بك؟ هل أنت خجل من صفحاتك؟ هل أتعبتك سطورها التي تضج بالتفاصيل؟ يحضر في ذهنك سؤال صاعق: هل عشت من أجل نفسك فقط؟ هل أغراك التصفيق والتبجيل حتى توهمت أنك نبي مرسل؟ اعترفْ: إن في سطورك إشارات كامنة استبد بك حضورها الطازج العابر للسنين. لقد عرَّتـْكَ تماما، أنت ريشة في مهب هذه الذكريات، لقد هرمتَ وحافَظَت هي على شبابها. إنها تمارس عليك جبروت الأقوياء، تشبع كبرياءها بإذلالك. هل تعلم أنها لم تنسك أبدا؟ لقد مررتَ بها مرور الكرام فانتظرتك عند الخطوة الأخيرة، كي تمد لك لسانها وتريك تفاهة ما مضى من شأنك...

يصحو ماردك من سبات طويل ويقول: "عليك أن تولد من جديد كي تخرج من هذا المأزق المهين". قلت لنفسك: "هل يولد الناس بعد الثمانين؟" فيهتف الهاتف: "إن من الناس من يولدون من رميم العظام، فامضِ نحو مولدك قرير العين ثابت الهمة"
أنت تكلم نفسك، تلك عادتك. لكنَّ أنفاسك اليوم أكثر حرارة. إذن لن تخلف الشمس موعدها ولن يغادر الربيع حتى تكسو الأرضَ جناتـُه. دع كل شيء جانبا، فالفتية يُهرعون إليك، ما عاد في الأرض موطيء للظل. الأفواج تتبعها أفواج، والحناجر تهدر....
الشعب يريد إسقاط النظام
حرية حرية حرية

هذا الكلام جديد عليك، أنت الذي امتهنت صناعة الكلام سنوات طويلة، وخضت بحور الشعر ومحيطاته، وظننت أنك بائع اللؤلؤ الوحيد في هذا الحي. اليوم تتفجر الأرض لآليءَ وتمطر السماء عقيقا فيخر سمعك ساجدا للذي خلق هذه الحروف. (يريد) أصلها (إرادة)، والإرادة وقود العدم حين سار نحو الوجود. ما أروعها من كلمة، مع كل حرف منها يتنفس فجرك الجديد مزيدا من ندى الربيع. لقد سَرَتْ فيك روح الحروف بعد عمر طويل من أمية الوجدان.

عند العتبة السفلى تلكأت قليلا. كاد الاعتياد يذهب بك. أم الأولاد تصرخ بك من فوق: "عد ولا تتركنا."فحضرت مع النداء صورة أحفادك، وانشقت الأرض عن تلك المنابر التي طالما اعتليتها فارسا لا يشق له غبار. اليوم تُحَدِّدُ مصيرك، تفكر قليلا وتتخذ القرار: لا يمكن أبدا للمرء أن يرجع إلى الوراء. الكل يسير. من أين يأتي هذا الدفع الرهيب؟ نحن مسافرون يا رفيقة العمر. لم نعرف منذ وجدنا غير الترحال. لن أبقى مع الغربة والوحدة، سأشق طريقي نحو موعدي.

حين وطئتَ الإسفلت أدركت أنك تخطو بغير رجليك وأن الركام الذي تغبرت به قدماك قد حضر للتو. أردت أن تتذكر اسم الحكيم الذي قال أن المرء لا يستحم في النهر نفسه مرتين فلم تسعفك ذاكرتك رغم أنك خبير في الفلسفة الإغريقية. وحين واجهت قرص الشمس أذهلك حضوره، كأنك تراه للمرة الأولى وكأنَّ اعتيادك كله خيال في خيال. أنت اليوم أبو الخيال، تزدحم الصور في رأسك فتنهال المعاني، وتتقافز الألوان، ويغدو قوس قزح بعضا من صدى صوتك. إنه طوع أمرك تديره كيف تشاء كالخاتم في إصبعك.
هل عرفتَ كم هي الحياة جميلة؟؟
الشعب يريد إسقاط النظام
حرية حرية حرية

يراك الفتية بشيبك وجسدك النحيل وعروق قدميك فيحملونك فوق أكتافهم. تخاطبهم قائلا: اليوم يوم الجهر، يوم الظهور واختراق الحجب. الذين يسمعون جيدا هم الذين يستطيعون التمييز بين الأصوات وأسرارها. أما الصم البكم العمي الذين لا يفقهون فلا يرون في الجهر سوى ضجيج ومؤامرات تحاك حولهم. من يستطيع أن يوقف الجهر؟ إن له رونقا خاصا، إنه السكون الذي أفصح عن نفسه. ما أدقَّ المسافةَ بين السكون والجهر!
ما زلت تمتلك لغة جميلة، لكنك اليوم مجرد نقطة في بحر هادر.

يمضي بك السيل الجارف إلى الأمام وأنت فوق الأكتاف. في كل بيت روافد للسيل، ومع كل خطوة تولد ألف حنجرة. إنك تسير داخل مسيرك، لكنَّ قواك تكثفت. هل تتأهب للإقلاع؟ يتسلل إليك حديث من وسط الجهر:
- لقد القوا القبض على (المجموعة) الأولى
- والثانية؟؟
- قتلوا كلَّ أفرادها...

لم تفهم. أو ربما أنك فهمت بطريقتك الخاصة. التفاصيل ليست مهمة في هذه الحالة فالفتية يتحدثون عن أشياء لم تألفها. لكل جيل لغة تخصه. المهم هو أن يكون للغة صفاؤها كي لا تضيع هدرا. عند رأس الحارة يقرر الفتية أن ينعطفوا باتجاه الساحة العامة فتنعطف معهم. فجأة يخرج لهم كمين من أحد الشوارع الفرعية. رجال متشحون بالسواد، بنادقهم مصوبة باتجاه الجمع الهادر. لقد عرفت أحدهم، إنك تراه كل ليلة فوق الصهوات الفضائية. يتحدث كثيرا بصيغة الجمع، شعبنا... وطننا.... وحدتنا.... رمزنا. لم يعجبك يوما أسلوبه في الحديث، والآن تدرك بدون شك أن أبعد الأشياء عن نون الجماعة هي فوهة هذه البنادق.

يتأهب المتشحون بالسواد ويطلقون رصاصهم، تستقبله الصدور العارية فيسقط بعض الفتية أرضا. ها أنت ترى الدم مسفوحا للمرة الأولى في حياتك. تكاد تسقط من فوق الأكتاف، لكنك تتماسك إذ يوقظ الدم فيك غريزة البقاء. إن بقاءك اليوم إرادة. دم الإرادة وإرادة الدم، لن يفترق هذان المعنيان حتى آخر الدهر.

تسأل نفسك: هل مات الفتية؟ فتدرك سخافة السؤال. لقد ضاقت المسافات بين الموت والحياة منذ زمن بعيد فوق هذه الأرض. يُحمَلُ الشهداء بعيدا عن المسيرة، فتتأهب البنادق لجولة تالية. عندئذ تنطلق الجموع بكل قوتها إلى الأمام، تلقي بنفسها فوق الرصاص المنهمر. تداهم فارسَ الصهوات الفضائية وزمرته، تدوسهم الأقدام، تسمع طقطقة عظامهم تحت الأرجل. ينتابك شعور بالغثيان فتدير وجهك عن جثثهم بحثا عن نسمة هواء نقية.
هل يحمل عزرائيل في يده عودا كي يلتقط به تلك الأرواح البائسة؟ تضحك في سرك وترسل تحية خاصة للمتنبي.

يقتحم الفتية الساحة، عندئذ تعرف كم هي قذرة لعبة الرصاص. ما عدت ترى رجالا متشحين بالسواد، لكنَّ الرصاص ينهال على الساحة من كل الاتجاهات. من بنادق غير مرئية، إنه الموت بكبسة زر. رصاص موجه إلى الرؤوس فقط. القتلة يسابقون الزمن، يريدون التقاط أكبر عدد ممكن من الأرواح قبل نشرة الأخبار الرئيسية. ينجحون في لعبة القتل ولكنهم يفشلون في إيقاف الحشرجات. تلك الصدور التي تبث العالم آخر مكنوناتها. إحدى الحشرجات تقول: الشعب....
الأخرى تكمل عنها: يريد....
والثالثة تضبط الإيقاع: إسقاط النظام.....

في هذه الكلمات مجتمعة أصل الحكاية، بل سرها الرهيب، بل كل تفاصيلها وهجرتها الممتدة بين الكاف والنون.
وترمي الأمهات أنفسهن فوق فلذات أكبادهن. تنهال دموعهن وهن يرددن بصوت واحد: حرية حرية حرية....
أما أنت...!! أين أنت؟؟

أكد البعض أن إحدى الرصاصات اخترقت رأسك فتركتك جسدا هامدا. وأكد آخرون أنهم رأوك في شرفتك بعد الحادثة بأيام تُذاكرُ بـجِدٍ حروف الأبجدية الجديدة
.
...

الكلمة هي كل آلة الأدب، ويالها من آلة في يد تُحسن البناء




1 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 1 الزوار, 0 مجهولين