ذهاب للمحتوى


صورة

معطف الحرية


  • Please log in to reply
4 replies to this topic

#1 موسى الثنيان

موسى الثنيان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 428 المشاركات:

تاريخ المشاركة 17 May 2012 - 01:59 PM

معطف الحرية...


تجلس جدتي على كرسيها الخشبي وهي تحيك لي معطفا للشتاء المقبل، ثوبها القصير يكشف عن سروالها القديم والخيوط الصوفية بألوانهاالقزحية كأزهار ربيعية نبتت حولها للتو ، كانت تهيئ لغزل وردة حمراء عند الصدر ، كم انتظرت بشوق شكله النهائي لأريه زميلاتي.

في الصباح رأيتها تنظر إلى عصفور المنزل في قفصه وهو خائف ويزقزق ، خلتها تنقشه في ذاكرتها لترسمه في المعطف ، لم أكن لأتدخل في ما تختاره جدتي من نقش أو من ألوان الخيوط ، انطلقتُ للعمل وتركتها تتأمل العصفور .. مازلت أذكر معطف أختي في الشتاء الماضي ، بألوانه الربيعية ونقشه الجميل ، رسمت شجرة تستند على جذعها طفلة ألصقت على وجهها وجنتين من القماش الأحمر جعلتا منظرها يشي بالسعادة والفرح، فعلى الرغم من تقدم جدتي في العمر إلا أن روحها جميلة ومتفائلة ، كأنها فتاة في العشرين من عمرها، كنتُ دائما أقول لأبي لو تسنى لجدتي العودة شابة لأصبحت مصممة أزياء أو رسامة عالمية ، يكتفي أبي بضحكة وأحيانا يومئ بالإيجاب...

حين عدت في المساء ، وجدت العصفور ذاته في المعطف بلونه الرمادي ومنقاره الأحمر ولكنه كان ميتا ، وقد أغمض عينيه بحزن و الوردة الحمراء التي بالصدر سالت منها خيوط حمراء ، سألت نفسي ألف مرة ؛ماذا حل بجدتي؟!... أترى ذلك بسبب أخبار التلفاز التي يشاهدها أبي كل مساء...؟أخبار دموية ، رصاص ودماء تسيل هنا وعملية انتحارية هناك ودمار وعفونة وأرواح رخيصة لم تعد تساوي حتى الذباب...لا توجد سوى أخبار القتل...كنا نتأفف باستمرار... هل أثرت الحرب على جدتي ، هل أثر على خيالها الجميل ...لم أحب المعطف ، كيف سأرتديه أمام صديقاتي ، وزميلاتي في العمل .

تحيرت هل أخبر جدتي بأن تنقض غزلها وأن تحيك أي نقش غير هذا النقش ، أم أتركها تكمله ومن ثم أحتفظ به في دولابي للذكرى ، خشيت أن تسألني عنه إن لم ترني أرتديه في الشتاء القادم..لكن لم يشأ الرب أن يكتمل المعطف ، لقد ماتت جدتي بسبب المرض الذي ألم بها، بكيت كثيرا ، كانت تملأ البيت بضحكاتها بالحكايات التي تدفئ ليالينا وتملؤها بالأحلام السحرية ، ثرثرتها وامتعاضها ،تركت الكرسي الخشبي يهتز وحيدا ،ماتت وتركت المعطف تتدلى منه خيوط لم تنعقد وحكاية نقش لم تكتمل، تمنيت لو أنجزت جدتي المعطف ، كنت سأرتديه مهما كان نقشه كي تعرف صديقاتي مدى حب جدتي لي وحبي لها ... قادتني قدماي ذات مساء إلى غرفة جدتي ،تفقدت كل شيء فيها ، صندوق زواجها القديم، جدارنها العتيقة، دولابها الخشبي ، رأيتُ المعطف مطروحا على المنضدة وكنت أنوي الاحتفاظ به لنفسي ، أخذته و أشرعته وكان ضوء البدر يضيء الغرفة ، أصابتني الدهشة حين رأيت المعطف وقد نقضت جدتي غزله تماما لتحيك لي معطفا بخيوط خضراء ما أذهلني فيه الشجرة الكبيرة المثمرة و الصبي الذي يغرس بذورا أظنهاقمحا ...ما استطعت حبس دموع عيني في محجريهما ، ارتديته ؛ كأنني ارتدي ريشا جعلني أحلق إلى السموات ..

2012

#2 محمود ابو انجيلة

محمود ابو انجيلة

    عضو مشارك

  • الأعضاء
  • PipPip
  • 30 المشاركات:

تاريخ المشاركة 24 May 2012 - 06:29 AM

الأستاذ موسى الثنيان .. تحية محبة
نص رائع بلغة جميلة وسرد ينساب بلطف وهدوء,
الحرية .. الرحلة صعبة وشاقة ولكن ( من سار على الدرب وصل ).


#3 هدى حسين النجار

هدى حسين النجار

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 269 المشاركات:

تاريخ المشاركة 26 May 2012 - 04:26 PM

معطف الحرية...


تجلس جدتي على كرسيها الخشبي وهي تحيك لي معطفا للشتاء المقبل، ثوبها القصير يكشف عن سروالها القديم والخيوط الصوفية بألوانهاالقزحية كأزهار ربيعية نبتت حولها للتو ، كانت تهيئ لغزل وردة حمراء عند الصدر ، كم انتظرت بشوق شكله النهائي لأريه زميلاتي.

في الصباح رأيتها تنظر إلى عصفور المنزل في قفصه وهو خائف ويزقزق ، خلتها تنقشه في ذاكرتها لترسمه في المعطف ، لم أكن لأتدخل في ما تختاره جدتي من نقش أو من ألوان الخيوط ، انطلقتُ للعمل وتركتها تتأمل العصفور .. مازلت أذكر معطف أختي في الشتاء الماضي ، بألوانه الربيعية ونقشه الجميل ، رسمت شجرة تستند على جذعها طفلة ألصقت على وجهها وجنتين من القماش الأحمر جعلتا منظرها يشي بالسعادة والفرح، فعلى الرغم من تقدم جدتي في العمر إلا أن روحها جميلة ومتفائلة ، كأنها فتاة في العشرين من عمرها، كنتُ دائما أقول لأبي لو تسنى لجدتي العودة شابة لأصبحت مصممة أزياء أو رسامة عالمية ، يكتفي أبي بضحكة وأحيانا يومئ بالإيجاب...

حين عدت في المساء ، وجدت العصفور ذاته في المعطف بلونه الرمادي ومنقاره الأحمر ولكنه كان ميتا ، وقد أغمض عينيه بحزن و الوردة الحمراء التي بالصدر سالت منها خيوط حمراء ، سألت نفسي ألف مرة ؛ماذا حل بجدتي؟!... أترى ذلك بسبب أخبار التلفاز التي يشاهدها أبي كل مساء...؟أخبار دموية ، رصاص ودماء تسيل هنا وعملية انتحارية هناك ودمار وعفونة وأرواح رخيصة لم تعد تساوي حتى الذباب...لا توجد سوى أخبار القتل...كنا نتأفف باستمرار... هل أثرت الحرب على جدتي ، هل أثر على خيالها الجميل ...لم أحب المعطف ، كيف سأرتديه أمام صديقاتي ، وزميلاتي في العمل .

تحيرت هل أخبر جدتي بأن تنقض غزلها وأن تحيك أي نقش غير هذا النقش ، أم أتركها تكمله ومن ثم أحتفظ به في دولابي للذكرى ، خشيت أن تسألني عنه إن لم ترني أرتديه في الشتاء القادم..لكن لم يشأ الرب أن يكتمل المعطف ، لقد ماتت جدتي بسبب المرض الذي ألم بها، بكيت كثيرا ، كانت تملأ البيت بضحكاتها بالحكايات التي تدفئ ليالينا وتملؤها بالأحلام السحرية ، ثرثرتها وامتعاضها ،تركت الكرسي الخشبي يهتز وحيدا ،ماتت وتركت المعطف تتدلى منه خيوط لم تنعقد وحكاية نقش لم تكتمل، تمنيت لو أنجزت جدتي المعطف ، كنت سأرتديه مهما كان نقشه كي تعرف صديقاتي مدى حب جدتي لي وحبي لها ... قادتني قدماي ذات مساء إلى غرفة جدتي ،تفقدت كل شيء فيها ، صندوق زواجها القديم، جدارنها العتيقة، دولابها الخشبي ، رأيتُ المعطف مطروحا على المنضدة وكنت أنوي الاحتفاظ به لنفسي ، أخذته و أشرعته وكان ضوء البدر يضيء الغرفة ، أصابتني الدهشة حين رأيت المعطف وقد نقضت جدتي غزله تماما لتحيك لي معطفا بخيوط خضراء ، لم ،،، ومتى حدث هذا !!ولكن ما أذهلني فيه الشجرة الكبيرة المثمرة و الصبي الذي يغرس راية في الأرض ...ما استطعت حبس دموع عيني في محجريهما ، ارتديته ؛ كأنني ارتدي ريشا جعلني أحلق إلى السموات ..

2012


لا احب الذين يغرسون الرايات... مللتهم يا صديقي
هلا غرس الصغير قمرا.... او ريحا او جنية وردية.. او حتى حبة رمان
ليكون الامل مختلفا هذه المرة
مع ذلك احييك على حيوية اللغة


#4 موسى الثنيان

موسى الثنيان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 428 المشاركات:

تاريخ المشاركة 27 May 2012 - 11:30 PM

الأستاذ موسى الثنيان .. تحية محبة
نص رائع بلغة جميلة وسرد ينساب بلطف وهدوء,
الحرية .. الرحلة صعبة وشاقة ولكن ( من سار على الدرب وصل ).


طريق الحريةذات أشواك وأنهار دم ولكنهاتثمر في النهاية

شكرا لك أخي محمود


#5 موسى الثنيان

موسى الثنيان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 428 المشاركات:

تاريخ المشاركة 27 May 2012 - 11:40 PM

لا احب الذين يغرسون الرايات... مللتهم يا صديقي
هلا غرس الصغير قمرا.... او ريحا او جنية وردية.. او حتى حبة رمان
ليكون الامل مختلفا هذه المرة
مع ذلك احييك على حيوية اللغة


فعلا أن غرس الريات قد تكرر كثيرا

حاولت أن أكتب بلغة جديدة غير الرايات ، ولكني تعجلت نشر النص

تعرفين فرحة الكاتب بنصه الجديد :rolleyes:

فقد تم تعديل النهاية

شكرا لمرورك الجميل





1 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 1 الزوار, 0 مجهولين