ذهاب للمحتوى


صورة

مارينز


  • Please log in to reply
8 replies to this topic

#1 هشام آدم

هشام آدم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 931 المشاركات:

تاريخ المشاركة 06 June 2009 - 08:33 PM

قليل من الإيمان كان يكفي صلاح درار ليُخرجه من قناعته بأن جيوشاً من الحشرات الفضائية تنام معه على فراشه، وتقتات من ألياف شعره المجعّد. لم يستطع أن يُحدد علاقته معها على وجه الدقة، فتارة يشعر نحوها باحترام جمّ؛ وكأنها حشرات تخص الآلهة، وتتولى تنفيذ تعليماته بكل دقة، وتارة يشعر تجاهها بالتقزز والاشمئزاز. ينظر إلى وجوهها مباشرة وهي تُحرك قرون استشعارها التي كسياط فرعونية مصنوعة من اللبّاد، وأفواهها المليئة بالملاقط المُسننة، وظهورها المحدودبة كظهور فيلة هندية معتدة بنفسها.

أيامه في هذه الغرفة متشابهة؛ تماماً كما تبدو على ورقة التقويم باهتة اللون، وكل شيء من حوله يبدو رتيباً ومتسخاً كأنه نسق فوضوي مقصود في حدّ ذاته. الشيء الوحيد المنتظم في كل هذه الفوضى: ساعة معلّقة على الحائط، تُضيف دقات عقاربها إلى المكان ضجيجاً موتّراً، وجوقة إضافية إلى كورال الجنادب وعرير الصراصير. تنتابه –دائماً- ابتسامة طارئة كلّما نظر إليها معلّقة كمراهق قرر وضع حدّ لحياة بائسة مليئة بالمغامرات الفاشلة، والنكسات الخطيرة.

• لماذا جعلوها تدور كالبلهاء مرتين حتى يتأكدوا من تمام اليوم؟ تكفي اثنتا عشرة ساعة للتعبير عن هذا الجحيم، وبين كل ساعة وأخرى فراغ ثقيل كزئبق موبوء بالشائعات.


لا يذكر متى دخل هنا أوّل مرة، ربما قبل سبعة أعوام أو يزيد، قبل أن يصفرّ طلاء الحائط هذا ويتشقق، وربما قبل أن تغزل العناكب المنزلية خيوطها اللزجة على زوايا الغرفة كإشارات مرورية ورقية هزيلة، وربما قبل أن تتهدّل أعصاب السقف وتُسفر عن عروقه المسكونة بالأرضة والنمل الأبيض، ولكنه يتذكّر جيداً أنها كانت ساعة نحس لن تتكّرر.

ينظر في مرآة متسخة برغوة الصابون، فيضحك على منظر وجهه المختبئ خلف شعر كثيف ككلب لاسا مهجّن، يحاول استدعاء صور لوجهه قبل أن يدخل هذا المكان، فلا يتذكّر؛ فصدّقت أنه وُلد بهذا الشكل، وسيظل كذلك إلى الأبد.

في الظهيرة، حين تمرح حشراته الفضائية، وتعبث بأكياس الطعام الفارغة، وفتات الخبز المبعثر، يتنحّى جانباً، ويتكوّر على نفسه كجنين، ويُبالغ في ذلك حتى ليبدو كقنفذ أو قوقعة بحرية، يُردد بصوت خافت لا يكاد يسمعه غيره:

أنا ما لي وما البلد دا
أنا ماشي جبال المندرا

تُزعجه أصوات الباعة المتجوّلون والأطفال، وضحكات النساء العابرات، ورنين الدرّاجات الهوائية تتسلّل كلها دفعة واحدة كأفاعي ملعونة عبر نافذة عالية، فتسكن أُذنيه، وتعبث في دماغه كديدان المقابر النهمة. يتلوّى مثل شيطان مكابر، يُجابه ضجيج الشارع الموازي للجدار، بضربات قاسية على ذات الجدار، ينهض كإنسان الغاب، يرفع يديه العاريتين، يحاول الوصول إلى النافذة التي تُسرّب فضلات ضوئية تخبو قبل أن تصل إلى شبكيته. يصرخ بأعلى صوته:

• اسكتوا يا أيها الجهلاء؛ علام تضحكون

ليلاً يسير على أطراف أصابعه نحو جدار المتعة، وعبر شق ملعون يُراقب جمال وقيع الله وهو يواقع زوجته الشبقة، فلا يترك التلصص حتى تُطفأ الأنوار، وتنتحر التأوهات على شفاههما المعبأة بدماء الجنس الساخنة، وتغور في أعماقهم كقنبلة موقوتة لا تنفجر إلا مساء اليوم التالي.
زر مدونتي الجديدة ( مدونة هشام آدم )

#2 سمية البوغافرية

سمية البوغافرية

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1180 المشاركات:

تاريخ المشاركة 06 June 2009 - 10:37 PM

أستاذ هشام
تحية طيبة
من أين خرجت لنا بهذه الشخصية العجيبة؟؟ biggrin.gif ..
استمتعت بمتابعة أطوار حكايتها..
النهاية كانت جميلة ضحكت ملء فمي وأنا أتخيل المشهد/ نهاية يوم أبو الحشرات..
فشكرا لك

#3 هشام آدم

هشام آدم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 931 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 June 2009 - 08:57 AM

الأستاذة المبدعة: سمية البوغافرية
تحية صباحية عاطرة

"صلاح درار" شخصية روائية قيد التجريب، ودائماً ما أُعرّض شخصياتي الروائية الجديدة لتجربة صعبة كهذه قبل اكتمالها لأختبر أبعادها في فضاء النص الثالث وهو فضاء القارئ إذ أنّ إحساس القارئ بالشخصيات يختلف عن إحساسي أنا بها، وإحساسها بنفسها يختلف كذلك بدرجة ثالثة. تعريض هذه الشخصيات لتجريب كهذا طريقة لا أجزم بأنها صحيحة، ولكنها مفيدة كثيراً بالنسبة إليّ، ففي الوقت الذي لا أرى فيه صلاح درار إلا كشخص تعس ترين فيه غرائبية قد تُفيدني إذا أحسنتُ استغلال هذه الثيمة في تراكيب شخصيته.

أشكرك -سيدتي- على قراءة النص والتعليق، ودمتِ بكل خير
زر مدونتي الجديدة ( مدونة هشام آدم )

#4 موسى الثنيان

موسى الثنيان

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 427 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 June 2009 - 11:12 AM

استمتعت بتلاوة أحداث النص

الشخصية صلاح يعيش خلوة مع حشراته وأدوات غرفته ، كان كل شيء يبدو حيا

نتجية وحدته ، وهذا شأن الإنسان المنطوي على نفسه ، دائما يحس بأن الأشياء تتحدث

فالعناكب والحشرات والساعة الجدارية وكذلك جدار المتعة wink.gif يمثلان عنده أصدقاء

فالحشرات كما أشرتم يظنها أحيانا حشرات تخص الألهة...

كهذا يعيش صلاح مع هلوساته وأفكاره الضالة...حتى أنه لا يتوانى عن النظر من خلف جدار المتعة

أو أن أنه ينظر تارة لحشرات فراشه بالحترام جم وتارة اخرى يمقتها...بالفعل هي هلوسات

على الرغم من أن الشخصية بدت غرائبية ولكنها واقعية

على فكرة لم أفهم معنى العنوان؟!!


تقبل مروري

#5 هشام آدم

هشام آدم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 931 المشاركات:

تاريخ المشاركة 07 June 2009 - 01:24 PM

الأخ العزيز: موسى الثنيان
تحية طيبة

أشكرك يا عزيزي على قراءة النص، والتعليق عليه، وسعيد بمرورك الكريم.

هذه مقدمة لرواية أشتغل عليها هذه الأيام، وهي رواية تتناول الحرب الأهلية في جنوب السودان والتي استمرت لأكثر من خمسين عاماً. لا يهمني كثيراً أن أناقش أسباب اندلاع هذه الحرب، أو تفاصيلها، بقدر ما يهمني تناول الحياة السرية لبعض الذي خاضوا تجربة الحرب، والآثار النفسية التي تركتها عليهم بعد ذلك، وكيف أنها تركت الكثيرين منهم منفصلين عن واقعهم، دون أن يفطن أحد لضرورة تلقيهم لعلاج وتأهيل نفسي.

أما بالنسبة للعنوان (مارينز) فهي كلمة إنجليزية في الأصل (Marines) وتعني (جندي البحرية)، وفي السودان (وربما في دول عربية أخرى) يطلقون اسم المارينز على القوات النظامية الخاصة في الجيش.

تحياتي وأكرر لك شكري وتقديري


زر مدونتي الجديدة ( مدونة هشام آدم )

#6 عقيلة آل حريز

عقيلة آل حريز

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 1463 المشاركات:

تاريخ المشاركة 08 June 2009 - 07:20 PM



مرحبا هشام
لفتني النص لأنه يجسد حالة توحد تام بين الوحدة وصاحبها
التصالح مع الأشياء من حولنا
مصادقتها حتى وإن لم نتفق معها
هو نوع من مقاومة الوحدة ومعاندة الحياة حين تجبرنا على الانفصال عنها
لعل المرء يصل لفكر صلاح لأن شيء ما داخله ، انطواء، انعزال، اكتئاب
لا أجد الأمر غريب .. ربما نمارسه نحن مثله على أية حال
فقط حين نكف عن الصراح والتذمر
فقد أسقطت الأمور في يدينا
عندها سنفكر بأن نتصالح حتى مع طوب الجدار وتشققاته التي نتخيلها رسومات ذات معنى
هل يبدو بطلك غريب .. أظنه لا
تحياتي rolleyes.gif
عندما يكون هناك صوت أصيل في العالم فإنه يصنع مئات الأصداء.

#7 هشام آدم

هشام آدم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 931 المشاركات:

تاريخ المشاركة 09 June 2009 - 10:27 AM

الأستاذة المبدعة: عقيلة أبو حريز
تحية صباحية عاطرة

إن ردود الأفعال البشرية متضاربة ومتباين للغاية، وذلك لتعقيد السلوك الإنساني المتربط بدوره بمنظومة (أيضاً معقدة) من المشاعر والاتجاهات السالبة والإيجابيه تجاه الأشياء؛ ولذا فإنني أرى أنّ أيّ ردة فعل أو موقف إنساني هو منطقي في حدّ ذاته، وليس خاضعاً لأي مقياس؛ إذ أنه من الصعب جداً وضع معيار للسلوك والاتجاهات الإنسانية وجعلها قاعدة يُمكن بناءً عليها تصنيف المواقف والسلوكيات إلى شاذة وطبيعية.

وعليه فإنني أرى أن صالح تصالح مع ما حوله (كما تفضّلتِ)، وبالتالي فإنّ موقفه منطقي ، وإذا كان ليختار الانتحار للخلاص من حياته وعبثيتها فإننا لا نملك إلا أنّ نعتبر هذا الخيار خياراً منطقياً كذلك، وإذ اكتسبت شخصية عدوانية مفرطة بسبب ما حلّ به، فإن ذلك يُمكن (أيضاً) اعتباره منحى منطقياً .. وهكذا.

أعجبني تحليلك لبنية الصراع النفسي في شخصية صلاح درار، وتعرية الميكانيزم التي اخترعها للتغلّب على مخاوفه الخاصة، أو تحييد مشاعره تجاه الأشياء من حوله .. أعتبر ذلك قراءة موفقة للغاية.

أشكرك سيدتي

زر مدونتي الجديدة ( مدونة هشام آدم )

#8 صالحة غرس الله

صالحة غرس الله

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 200 المشاركات:

تاريخ المشاركة 23 June 2009 - 10:44 AM

أهلا هشام
مجتمعاتنا العربية تزخر بمثل هذه النماذج من الشخصيات
ولئن كنت لم تحدد المرحلة العمرية لهذه الشخصية
ما إذا كان شابا أو كهلا فإني أؤكد أن هذا المثال يسجل حضوره في كامل الفئات العمرية
حتى الأطفال
ولربما كانوا يعوشون جماعات أحيانا لكن ليكون كل واحد منهم فردا في علاقته بالآخرين
يعني أنت تتحدّث عن مخلفات الحرب
لكن النص يقبل التأويل طالما أنك لم تحدد المكان جغرافيا والزمان تاريخيا
هؤلاء بعضهم يعمل ويكسب بعض الملاليم ليجد نفسه يرسلها لمن هم أشد حاجة منه إلى المال
فهو ليس منبتا وليس مجتثا ولكن لا خيار
لا بد أن تكون حياته على هذا النحو ليعيش غيره على نحو آخر
وقد يكون له زوجة وأولاد ويرضي غريزته بالفرجة على غيره
النص صالح لكل مكان وزمان في الوطن العربي ويفضح حالات الفقر والجهل واللاوعي التي يمكن أن تصلها فئة اجتماعية تعيش الموت
أو تموت الحياة
هذه الشخصية ليست غريبة
أبدا لأننا نستطيع بالإحصاء أن نثبت أنها تطغى عدديا وتمثل نسبة متقدمة
نسيت أن أشير إلى أنها ليست حكرا على الرجل
لا بد إنها تنتشر في صفوف المرأة حيث ينتشرن نهارا في قلب المدينة لينزوين ليلا في غرف كهذه التي تصفها
تحياتي


#9 هشام آدم

هشام آدم

    عضو مميز

  • الأعضاء
  • PipPipPipPip
  • 931 المشاركات:

تاريخ المشاركة 04 October 2009 - 08:09 PM

الأستاذة: صالحة غرس الله
تحيّة طيّبة وكل عام وأنتِ بخير

في الحقيقة أنا أدين لك باعتذار بالغ، لأنني لم أر ردك على النص إلا الآن وبمحض المصادفة، فأرجو أن تتقبلي اعتذاري الشديد. قد أتفق معك -سيدتي- في أن شخصية صالح قد تكون مشابهة لشخصيات كثيرة منتشرة في عالمنا العربي، أرهقتها السياسة أو الحروب أو الفقر أو حتى الأميّة وكل الشخصيات المُحبطة والبائسة التي لا نتفهم لها وضعها كما هي عليه. لا أعتقد أن ثمّة شخص معافى تماماً من هذه الشبهة، ولاشك أن هذا الأمر يترك بصمته بشكل واضح ومغري للكتابة عنه، وبالتأكد رصده ومتابعته من قبل.

الإحباط هو طاعون العصر، والجو مناسب تماماً لتناسل جرثومة هذا المرض الساكن، وأولى أعراض هذا المرض اللعين هو العزلة والقطيعة مع الواقع، والشعور باللاانتماء وهكذا يُصبح الفرد مرضاً ومريضاً في آنٍ معاً

لك مني كل التحية والتقدير
زر مدونتي الجديدة ( مدونة هشام آدم )




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين