![]() ![]() |
![]() |
جبير المليحان - مؤسس شبكة القصة |
![]() ![]() ![]() ![]() |
1-02-2007, 09:41 pm
مشاركة
#1
|
|
|
|
حب في السعودية .. واقعية فظّة ليس بمقدور الراوي، حسب خوسيه ساراماغو، إلا أن يكون شخصية أخرى في قصة ليست قصته، وهذا هو جوهر الورطة السردية التي حاول إبراهيم بادي الالتفاف عليها في روايته " حب في السعودية " الصادرة حديثاً عن دار الآداب، حيث أبدى شيئاً من التنازل المصطنع - كراوٍ - عن بعض صوته، بخدعة أسلوبية ذات مرجعية مسرحية، تواريه خلف شخصية تحاول هي الأخرى كتابة رواية داخل رواية، للتخفيف ربما من واقعيته الفجة، ومن تمركز ذاته الفاقعة في عصب الرواية الأصلية. هكذا بدا على درجة من الاستعداد لأن يكون مستلباً في مادة وسياقات وفضاءات روايته الأم، ليستولد شخصية تتقاطع معه حد الإنابة عنه داخل اللعبة السردية، وذلك ما يفترضه التحليل النفسي للأنا المسرودة، التي تنزع وحدتها الوهمية عن المحكي، بتعبير بول ريكور، أي ابتداع ذات على هيئة حكاية شخصية مروية، فهو لا يستعرض الأحداث والشخوص باعتبارهم علامات مرئية، بل لأنه يعيش لذته الخاصة في وصفهم والتعريض بهم من خلال تواتر سردي يقوم على التكرار. ولأنه - كذات راوية - كان مثقلاً على ما يبدو بوعي أو إحساس " سيري " على درجة من التعقيد المعرفي والجمالي، أقام في منطقة ملتبسة ما بين الأنوية والذاتية، وقد تجلى ذلك من خلال نبرته الحوارية العابثة، التي فيها من الإعتداد بأناه المكتنزة بخبرات اليومي ما يفوق الحاحية البوح الذاتي، الأمر الذي جعل من حس التوصيف هو السمة الغالبة سردياً، فهو لا يؤدي دور المحلل بأي شكل من الأشكال بقدر ما يتقصد الإخبار بالوقائع الصادمة، ويبالغ في تلوين المشاهد المغوية للاستحواذ على كل من يحدث تماسه بروايته، إعلاء من شأن القارئ في تشكيل مجريات الرواية، دون اعتناء بالتصوير الإجتماعي لحركة الحياة وكثافتها، ودون حفر في الماهيات المدفونة عميقاً تحت مظاهر الشخصيات والحالات والوقائع والفضاءات، خصوصاً مع اتكائه على حكايات تدعم شخصياته المتطرفة من الوجهة الحسية. كأنه بذلك الدفق الوصفي، يستجيب أو يوظف بمعنى أدق الطبيعة الدينامية لممكنات الرواية، حيث يتحول إلى صحفي/مخبر مهمته نقل ما يعتقده حكايات على درجة من السرية والخطورة، فشخصياته لا تبوح بقدر ما يتم استعراضها بلسان السارد، وهو ما يعني انتفاء الرغبة لتحريك ضمير الحكاية ذاتها وآلية تشكلها، والاكتفاء باغراء المتلقي بالتوحد مع بطله بعد تعريضه لنوبات من الإثارة الحسية المعبر عنها بطاقة لفظية مبعثرة على سجادة السرد ومبثوثة كحوار تلقائي ومعبر عن روح الشخصيات، وذلك من خلال ما يسميه ر. م. البيريس " الاتجاه الواقعي الفظ " حيث حمى العالم الشهوانية، حمى الحب التي تجعل من الاستحضار الروائي عالماً عجيباً، فالسرد لا يتشكل تواتره من خلال راوٍ موضوعي، بل تتحرك سياقات الرواية عبر اندفاعات بطل مستهتر وقح، يكاد أن يكون هو الأس الذي يشكل كل قيمة الرواية، لدرجة يتعطل بموجبها أي تحوير للحقائق، ويتم ادخال حقده - كراوٍ - وغضبه وذكرياته الملونة إدخالاً مباشراً، وحيث تنعدم المسافة بين الرواية باعتبارها أثراً أدبياً وبين الاعتراف الشيق الحاد لانسان يتحدث متابعاً تيار دوافعه. وكنتيجة طبيعية لحيلته الأسلوبية تلك، يبدو أحياناً متربعاً فوق النص بسلطة لا تسمح لأي عنصر من عناصر السرد بالتدفق الحر أو التملص من سطوته، وفي أحيان أخرى يبدو منسلاً منها، وغير معني أو قادر على التحكم فيها، كما بدى ذلك واضحاً في التكرار الذي غلب على الرواية في آخرها، وفي الدوران داخل حلقة ضيقة، من خلال لغة خطابية استعرض فيها جوانب سلوكية شكلية للتدليل على تجاوز المحظور وتحديه بممارسات صادمة، وكأنه كان يريد أن ينتهي من الرواية بأي شكل من الأشكال بعد أن استنفذ طاقته الوصفية، حيث بدى المتن السردي مجرد رواية معادة، الأمر الذي أدى إلى ضمور الحدث، وتحييد حركة الزمن، أو تحجيمة في المساحة التي تتحرك ضمنها شخصياته. ومن نفس المكمن الذهني صمم شخصية بطله ( إيهاب ) الفارطة في الطيش، فجاءت شخصية ممتنعة الوجود، إلا من خلال شاشة تفكيره وأحاسيسه، رغم محاولاته الصريحة والضمنية للتبرؤ من ارتكاباتها، لولا أن لا وعي الرواية يفصح عن شيء من التطابق من خلال الرغبة في التجاوز والتدمير، وعدم الجنوح بفعل الحب إلى المكمن الإجتماعي، بما هو المحل الذي يموت فيه الرومانسي، وهو انتباه يدل على دراية وقصدية فنية، فقد وصف نفسه بالراوي المتعجرف النرجسي، إلى الحد الذي مجّد بموجبه شكل تلبسه لشخصية الجيغولومان " الرجل المومس " فيما يبدو تحريضاً للقارئ للتوحد به، واعتناق مذهبه كقيمة كفيلة بتخصيب الذات وتحريرها من أوهامها خارج وداخل السرد. وهذا التمازج المقصود بين ذات ساردة وأخرى مستنفذة لحيل السرد وسطوته، داخل رواية مركبة من سيرتين يراد لهما أن تتطابقا ولو بشكل ضمني، لا يعني أن ابراهيم بادي قد أراد بتلك البانوراما الحكائية أن يروي سيرته الذاتية، بمعنى أن يستعرض نتفاً من حياته من خلال استدماج صوته كراوٍ بصوت بطله، إنما يتعلق الأمر بالحكاية الأخرى، أو كما يحللها خوسيه ساراماغو من الوجهة الروائية، الحكاية العميقة، المتناقضة، التائهة، والتي بدون اسمه الخاص سيصبح من الصعب معرفته، أو لا يجرؤ أحد على روايتها، أو هكذا يبدو الأمر في مطابقة الراوي ما بين الرواية الافتراضية " رجل وخمس نساء " وما يقابلها في رواية " أنا وهي والرواية ". يبدو هذا الأمر واضحاً بدرجة صارخة عند تأمل كثافة العبارات التي تؤكد على هاجس كتابة رواية مختلفة، متجاوزة، لا تراعي متانة السياق الروائي وتوسيع دائرة الحدث، بقدر ما تبدي انفعالها بتمزيق النسيج الاجتماعي، وتخطي كل ما تم طرحه سردياً، بمقاربة موضوعات على درجة من الحساسية يمكن اختزالها في ثيمة " الحب " كقيمة صدامية، ولكن بلغة ليست سافرة بما يكفي أو يتناسب مع جرأة الطرح، لولا بلاغة الحوار المعادل لفعل الكلام، إذ تم تعطيل الحساسية اللغوية اجتناباً للبذاءة ربما، فعبارة مثل " لست أعاني فوبيا المنافسة. ستكون روايتي هي الأجرأ " لا تعطي لإبراهيم بادي فرادة أو أسبقية لتلك القيمة المتفجرة، كما يردد داخل وخارج الرواية، وكأن روايته مجرد منصة لخطاب يستكمله من خلال تصريحاته الصحفية، لدرجة يبدو أن ما زال يعيش أجواء روايته، ويتحدث بالنيابة عن أبطاله. محمد العباس ![]() |
|
|
|
![]() ![]() |
1 عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع (1 الزوار 0 المتخفين)
0 الأعضاء: