عندما أنسلخ نصف الليل تركت فراشها وأيقظتني لتستقوي بي على خوفها الغريزي من الظلمة وخوفها المضاعف من ساكني الوادي
نضحتني بالماء حتى تنبهت من نومي وهي تقول
ـ هذا هو الوقت المناسب لمواعيد الحب
حركت الرماد في جميع أنحاء الموقد ( الملة ) ثم جمعته مرة أخرى ووضعته في إناء ( طاسة) ثم عصبت رأسها كأنها تريد أن تركز انتباهها صوب ذلك الخوف وخرجت من البيت وأنا في إثرها صامتين كأننا في طقس جنائزي، هبطنا السلم الحجري الذي ازداد نعومة من كثرة الصعود والهبوط، كنت في تلك اللحظة أشعر بنعومته أكثر من أي وقت مضى، ربما حرك الخوف الذي تشبعت به، هذا الشعور المليء بالحنين، لحجارة لم ألقي لها بالاً في يوم من الأيام.
عبرنا السور في صمت بدا وكأنه مشمول باتفاق التحدي الذي أعلناه.
حين تركنا البيوت خلفنا انعطفت شرقاً، وأنا أبحث عن أثر خطاها لأضع قدماي عليه، علني أطرد هذا الخوف الذي أستبد بي.
كان الصمت أكثف من الظلمة التي نسير فيها، وكان كلما توغلنا في الطريق إلى الوادي يتحول إلى صراخ داخلي، يحطم كل عزيمة فينا على المضي قدماً، فيما ترسم الظلمة أشباح الليل في منحدرات الطريق، كاحتفال بنا في رحلة الخوف.
حين فقدت عيناها، تسأل الخوف في أعماقي، كغيري من أقراني ماذا حدث لتلك العينين، هل غابت إلى الأبد، من سيبيعني الحب بعدها.
كانت تكفيني رؤيتها، لأشعر بشاعرية من يتوهم الحب، عندما تمنحني عيناها نظرات الإعجاب، حين أشتري منها ما أرفضه من أمها، فقد كنت كغيري أشتري الحب ، لا البضاعة الكاسدة.
كانت عيناها قادرة على أن تزرع طفولتنا بالحب، ونحن نحمل في جيوبنا ريالاتنا المهترئة، بسعادة طفولية صرفه.
غابت عيناها، وتركت لنا فناء دكانها الصغير، المجاور للبيت،
في البداية ظننا أنها تقضي بعض شأنها، وستطل علينا قبل أن نغادر الفناء ساعة الغروب، لتفتح الدكان عندها ستتفرق بنا الطرقات، ونحن لا نرى غير تلك العينين.
تسألنا حين أزف وقت العودة، أين اختفت، وفي اليوم التالي لم تنتظرنا الأسئلة كثيراً، لنبحث لها عن إجابة، فقد غادرنا المكان بعد أن طردتنا أمها، عندما لم ترى الريالات دون أن تطفئ ظمأ الأسئلة، عندها تركتنا أسئلتنا الصغيرة، لتكبر وتغزوا رؤوس الكبار، علها تستريح من عناء البحث ،
وقتها لم ندعها ترحل هكذا، فقد تشبثنا بها لنطفئ ظمأ اعتقدنا أنه يسري في أحشائنا، كنا في الحقيقة نبحث للآخرين عن إجابتهم ،بينما كانت مكانتهم ووضعهم الاجتماعي وظروفهم الخاصة تحول دون ذلك، فاكتفوا بإيقاد الأسئلة في رؤوسنا الصغيرة،وبعد فوات الأوان عرفت كغيري أننا لم نكن وحدنا المعنيين بذلك الغياب، فرجال القرية أيضا كانوا أكثر لهفة منا، لمعرفة ما حدث.
تجاسرنا أكثر من غيرنا على السؤال، ربما كان سر جسارتنا هي براءة الطفولة، التي كانت تحملنا على البحث الدائم، عن سر هذا الغياب، فقد كنا ندخل كل الأماكن، ونغشى مجالس النساء التي كانت المجال المعرفة الإجابة، لأسئلة أشغلت القرية بصمت، فنطقنا نحن عن الكبار، الذين كانوا يحملوننا همهم وفزعهم ولهفتهم لمعرفة ما حدث، كانت أسئلتهم أكبر منا ولم تكن تكترث لخوفنا، فيما أتضح لغير طفولتنا أن هذه الأسئلة أمال الكبار بشكل دقيق أكثر منها حب طفولي، يمارسه أطفال لا يدفعهم في البحث عن الإجابة سوى الفضول، وحب من الوهم، فهم بالتأكيد سينسون تلك العينين مع تتابع الأيام، هذه هي الحقيقة التي اكتشفتها بعد أن أصبحت لا تساوي هم البحث عنها ومعرفتها، عندما حملت أمي على الذهاب ليلاً إلى وادٍ تسكنه الجن في وضح النهار، حين تناقلت القرية خبر سحرها، من امرأة كنا نعرفها جيداً، ونعرف سر كرهها لفتاة قريتنا الحسناء.
حملت إلى أمي قصص الأطفال ولعبهم وخوفهم وغبائهم، حين دخلت إلى البيت وهي بقرب الموقد ( الملة ) وعيني تكادان تفوران من الدمع من شدة الفرح،
كنت حينها أثرثر بكلمات لم تفهم منها شيء، سوى أن لدي خبر مهم،وقتها أوقفتني بنظرة حادة تبعتها بجملة مقتضبة.
ـ ماذا حصل ؟
زوجة بن جبلي هي من سحرت غاليه.
ـ كيف عرفت ؟
يقول ولد بن سعدى أن أمها قالت ذلك لأمه.
ـ كذاب ولد ابن سعدى، وأمه وأبوه أكذب منه.
لا ،يقولون أن أمها عرفت من عرافة ( غائبة )، راحت عندها في قرية النصب
ـ متى راحت؟
لا أدري.
ـ وأعطتهم علاج لها، أو فكت سحرها.
لا يقولون أن علاج غاليه، رش رماد في الوادي
ـ كيف ؟
يرش الرماد واحد ما تعرف حسنه أو بنتها غالية، أو زوجة بن جبلي أنه فعل ذلك.
كانت أمي متحمسة ربما بغريزتها الأنثوية، لمعرفة أدق التفاصيل، أو ربما لأنني كنت في قمة حماسي، لذا لم تخذلني، وشاركتني حماس طفولتي.
كانت أمي هي الوحيدة في نساء القرية، التي لا تكره غالية، والسر في ذلك أنه لم يكن لدى أمي رجل تخاف عليه من جمالها ومن سحر عينيها، كنت أنا وحيدها، وكنت أعلم أنها تفعل أي شيء من أجل أن ترضيني، عندما كبرت عرفت أن أمي خاضت ليلة من الخوف، وعمراً من البحث عن سعادتي.
ـ يقولون إذا رش الرماد في الركية التي تتوسط الوادي، ستشفى غالية من السحر.
ـ ومن يقدر يصل للركية؟
أنا وأنت.
ـ وما دخلنا نحن ؟
يقولون لكي تشفى غالية، لا بد أن يرش الرماد سراً في الركية، واحد يحب غاليه
ـ وأنت ـ وبضحكتها العذبة ـ تحب غاليه!
.........
ـ بس غاليه أكبر منك وهي في سن الزواج الآن!
.........
ـ متى رش الرماد؟
بعد منتصف الليل.
ـ لا بد أنك مجنون، الناس في القرية يتحدثون عن رؤيتهم للجن في الوادي نهاراً، وتريدنا نزورهم في الليل.
.............
عادت إلى قدرها الذي يغلي على النار، وتركتني أغلي في بحر هواجسي وصمتي.
كنت أعرف أنها تحب غاليه مثلي، فقد كانت تحدثني عن جمالها الذي يعود إلى قبائل استوطنت الرحيل، وفضلت الترحال على الخلود إلى الأرض، وحرثها والارتباط بها
كما كنت أعرف أن صمتي سيهزم رفضها، وستذهب حتماً معي إلى الوادي، لن يكون ذلك في الليلة الأولى، ولكن بالتأكيد في الليالي القادمة.
بعد عدة ليالٍ من الصمت، خرجت من هذا الحصار الذي فرضته عليها، بقبول الذهاب إلى الوادي، في الليلة القادمة.
تركت تلك الليلة للحديث عن قريتنا، التي خرجت عن وقارها بسبب عيني فتاة ، حدثتني عن حجب غالية، وعن أمها التي لا يعلم أحد من أين جاءت، وعن سر لجوئها إلى قريتنا، وعن نساء القرية، وسر غيرتهن من غالية، و ما أثرنه حول حجبها،
كانت أمي تطوح بكلماتها في وادِ سحيق، فقد كنت هناك وحدي أنظر إلى تلك العينين، التي شكلتا عالم من السعادة والفرح في مخيلتي.
في الليلة التي عبرت فيها الوادي، وجدت حبي لغالية أكبر من خوفي ، ومن خوف أمي، ومن الجن، ومن وادينا الذي اسكنا فيه الجن، كما اكتشفت أننا نصنع خوفنا بأيدينا، لنرقبه فمنا من يبدده في الوقت المناسب، ومنا من يؤججه حتى يبتلعه، وتبقى حياته سلسلة من المخاوف المتتابعة، عرفت كل ذلك بعد أن تركت طفولتي، وتجاربها، وعواطفها، وقريتي التي لا زالت ترقب خوفها، الذي تكلس في الوادي، بعد أن غادرت غالية القرية، التي لم تحتمل عيناها، فقد كانت مجبولة فقط على صنع الخوف ، لذلك خضت من أجلها خوف كل رجال القرية، وكنت أكبر الخاسرين.
الدمام 2005