ناح باب المنزل الخارجي ورائي وأنا أتجه إلى سيارتي. كعادته كل يوم كان ابن الجيران،الذي لم يتجاوز العاشرة، يربض على عتبة باب منزلهم يرصد تنفس الشارع وهمسات النوافذ. وجه أسمر، دائري الشكل، منتفخ الوجنات والكرش. كانت يمناه تقبض على إصبع آيسكريم باللبن (لابد أنه اشتراه من أم سلمان وهي نار على علم في حارتنا، بيتها لا يهجد ساعة من وطأ الأطفال).
داخل الفرن الزجاجي اختلط لهيب الصيف بهواء المكيف، و نغمات "بين العصر والمغرب مرت لمة خيالة ..." بهدير السيارة، و رائحة المقاعد برائحة برميل القمامة، و فحيح عيني ابن الجيران بأشعة الشمس المنعكسة على الزجاج الأمامي. كان ابن الجيران يتابع مكانا ما بطرف خفي من عينية و فكيه يزدردان المثلج الأبيض، أما ما يعجز عن شفطه في التوقيت المناسب فيرسم نهرا من السوائل يمتد من شفتيه إلى الذقن مرورا باليدين والثوب و صولا إلى بطن النعال البلاستيكي المسحول والمغطى بطبقة سوداء.
تحركت السيارة إلى الخلف بما يكفي لأستطيع رؤية البقعة التي كانت تربض فوقها، اقشعر بدني لرؤية ما وطأته عجلات السيارة....