[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
"جرف الخفايا" رواية تثير الغبار و لا تهطل المطر
التاريخ:الأربعاء 12 يناير 2005  القراءات:(4628) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عيد عبد الله الناصر  

بهذا النص ينقل الروائي عبدالحفيظ الشمري المشهد الروائي المحلي خطوة الى الأمام على مستوى الموضوع. فالرويات التي سبقت هذه الرواية تطرقت تقريبا الى مواضيع مشابهه ولكنها في قوالب و أساليب مختلفة. يحسب لهذا النص دخوله المباشر مع القوى المؤثرة اجتماعيا و طرح التحفظات على فكرها و ممارساتها بلا رتوش أو تورية، و هذا أيضا هو مصدر نقد سلبي على النص، حيث أن العمل الروائي عليه ان يتميز بالخيال و الاثارة والابتعاد عن المباشرة والتقريرية، واعتماد بنى السرد الحديثة التي لم تكن موجودة في النص، بل كان سردا تقليديا يمكن تصنيفه ضمن خانة الروايات التاريخية الاجتماعية. و هذا ليس تقليلا من قيمتها و لكنه تصنيف لواقع حال الأساليب الروائية.

حين يتحول وطن الى زنزانة تملأها الخفافيش فهل يتحول الانسان الى خفاش آخر و يلوذ بالصمت في زاوية من الزوايا و يتآكل ببطء، أم عليه أن يحاول كسر قضبان هذه الزنزانة و الخروج الى الشمس و الهواء الطلق؟ ولكن ماذا لو اكتشف هذا الانسان بأن حدود هذه الزنزانة غير معلومه بدايتها و نهايتها؟ فقضبان و أسلاك هذه الزنزانة ملموسة ولكنها غير مرئية، (وصفت على مدار الرواية بانها مبيدات حشرية)، كالهواء الساخن ترى فعله و هو يسلخ الوجه والجسد ولكنك لا تراه و لا تستطيع القبض عليه. زنزانة حدودها غير معلومة فقضبانها عبارة عن كومة من الأفكار و التصورات هي أقرب الى العدوانية الى كل شيء في الحياة، أفكار و تصورات تعشعش في عقول أقلية من البشر عن قناعة و ايمان مطلق بصحة هذه الأفكار و تفردها بالحقيقية المطلقة. هذا ما تحاول "جرف الخفايا" تلمسه بخفاء.

هذه قراءة في رواية "جرف الخفايا" و هي آخر (2004م) ابداعات الكاتب و الروائي السعودي عبد الحفيظ الشمري، صادرة عن دار الكنوز الأدبية (230 صفحة متوسطة الحجم) . و هذه الورقة تتكون من لمحة عن مضمون الرواية، ثم دلالات المكان و الزمان، و بعض تقنيات السرد في هذا النص.

المضمون:

"ثمة مشاجرة ..". بهاتين الكملتين تبدأ الرواية، وهي أقرب الى افلام "الأكشن". مشاجرة بين "صقر المعنى" وهو ضارب العود مع صديق له يدعى مبارك ضارب الربابة. من الطبيعيى أن تقفز التساؤلات لتستفز فضول القاريء لمزيد من الاشاعات: من هو صقر المعنى هذا و من هو مبارك؟ لماذا تشاجرا؟ ماهي أسباب الشجار، فلابد و أن يكون الشجار على أمر مهم و الا لما صفع الكاتب به وجه المتلقي منذ اللحظة الأولى. و تنداح الأسئلة تترى في نفس السياق .

الراوي أراد أن يتحدث عن وطن، عن جغرافية هذا الوطن الطبيعية والنفسية، فسمى هذا الوطن باسم مدينة تدعى "جرف الخفايا". و من أجل الولوج الى داخل هذه المدينة/الوطن بدأ بوكر لشلة من الأصدقاء أسماه "عرين السباع". وجمع في عرين السباع هذا عينات من شرائح اجتماعية مختلفه، ففي هذا العرين يوجد الطبيب المطرود من عمله بسبب غواية ممرضة، و يوجد الضابط، و يوجد المدرس، و يوجد الصحفي والشاعر، و يوجد الفنان، و يوجد التاجر، و توجد المرأة. عرين السباع هذا عبارة عن شقة تقع في الطابق الثاني من بناية على شارع الخيل في مدينة جرف الخفايا. هذا العرين مكان لهروب الجميع من معاناتهم و مشاكلهم (و ما أكثرها و ما أعقدها)، يجتمعون هنا لمعاقرة الشراب والتدخين و الغناء والطرب و الجنس.

و في إحدى الليالي و بعد أن ملأت الطاسات ب "مياة العصافير الثلاثه" نشب الخلاف بين الصديقين (أيهما أكثر تعبيرا عن الجمال: هل هو العود كما يدعي صقر، أم هي الربابة، كما يدعي مبارك)، ووصل الأمر الى مركز الشرطة. بعد التحقيق أخذ أحد الأصدقاء و يدعى "دحام المداوي" صقر المعنى ليقضى الليل في بيت المداوي. و في الصباح اختفى ضارب العود (صقر) تاركا عوده و محفظته و بعض ملابسه. و شكل هذا الأختفاء والبحث عن المختفي أو المخفي مسار الرواية بكاملها.

باسلوب أقرب ما يكون الى منظار الطبيب ،الذي زوده الرواي بسماعة و مكبر للصوت، تسلل الراوي الى جسم جرف الخفايا، وهناك التقى شلة "عرين السباع". عرف القاريء بهم و بشخصياتهم واحدا تلو الآخر، خاطبهم بصوته بوضوح و بشكل مباشر مرات، و بصيغة مواربة مرات أخرى، تظاهر بالسماح لكل منهم بالحديث عن نفسه و عن تجربته و معاناته في جرف الخفايا. و تمكن عبر تشكيلة رواد الوكر التي تمثل أغلب شرائح مجتمع "جرف الخفايا" من ملامسة كثيرا من القضايا الغير مسموح الحديث عنها بشكل علني و مباشر. و هذا ما يذكره النص بالتحديد في الصفحة 66 حيث يقول: "للجرف حالة محيرة و شاقة ستتكشف بعض معالمه في رحلة البحث عن "صقر المعنى" و بعض تفاصيل تناقضاتها ..".

الزمن و المكان:

عن قصد (على ما أعتقد) تمت تورية الزمان و المكان. فالزمن الذي وقعت خلاله أحداث هذه الرواية يغطية الغبار، عدا اشارة تعود الى وصول الهاتف الجوال الى المنطقة (صفحة 67)، أو عبر مسمى "جسر العولمة". أما المكان فلم يكن سهلا كذلك تحديده، وكلما استطعت فعله هو رصد الدلالات التي أشارت الى المكان، دلالات مرئية و أخرى معنوية و فكرية.

الدلالات المرئية للمكان:

مدينة أطلق عليها شخصيات الرواية أم الغبار ، أو الغبراء، و يتعامل أهلها بالدينار (صفحة 72 و 122). و شوارعها شبه مهجورة و ميادينها شاحبة، و بيوتها موسومة دائما بالصمت (ص 14). مدينة عجيبة ذات جبال عالية برؤوس مدببه، و أودية عميقة، وملامح كالحة وروائح مقززة عند الأطراف. ضاجة بالناس في الأطراف الأخرى. صاخبة في الوسط. متضورة جوعا في الطرف الآخر. متجشئة في الجزء الغربي. منهكة مقززة في الجنوب الغربي (ص 63 ).

في هذه المدينة تقبل يد السارق في أطرافها العليا، يحكم على سارق الخبز في أطرافها السفلى، و يطلق سراح مغتصب طفلة أمام نظر خادمتها في الطرف اللامع من أحيائها، فيما يتوعد الامام على المحراب في جانبها الشاحب أهل الغناء بالويل والثبور (صفحة 67). وهي كذلك مدينة تفصل فيها النساء عن الرجال في كل المرافق العامة و الخاصة (صفحة 70). المدينة ترقد على بعض التلال و تبين الجبيلات الداكنة من بين بناياتها غير الشاهقه. وحدها قلعة "الترك" هي التي تشمخ في الفضاء لتتحدى التاريخ بحكايات متناقضة (ص 128). و لها مطار اقليمي يقع في مكانا قصيا في الطرف الجنوبي من جرف الخفايا (ص 134).

و من معالمها كذلك مقهى "بج ستار"، و حي السراويل، و حي البلاش، و جسر العولمة، و مجموعة مقابر منها مقبرة نفدا، و مقبرة الموعودية، و مقبرة حي الشرق. و شارع الغنائم، و قلعة الترك، و جبل الشموم، و سوق الحريم.

الدلالات المعنوية والنفسية للمكان:

وهي دلالات تعبر عن احساس أهل هذه المدينة و مدى علاقتهم بها. لنبدأ بمعزوفة الرعب هذه: "بالله عليكم .. من يصف "جرف الخفايا"؟! من يجرؤ على قول كلمة حق واحدة فيه ؟ .. هو الجرف المتمادي في نيله من هؤلاء المثقلين بوصايا الأولين .. تلك المدينة التي لا تكف عن ترديد موبقاتها: ناموا في كهوف صمتكم. رزقتم بالصمت لا تأبهوا بما يقوله المرجفون بأن لكم حقوقا هنا غير ما تمارسونه الآن من غياب .. من ينصف هؤلاء ظلم طغاته؟ و يعتقهم من ربقة هذا الذل؟ .. الحق يقال انهم لم يروا في حياتهم وجوه العسس و المخبرين لأنهم على الدوام ملثمون". صفحة 61 و 62 .

يقول الراوي بأن مدينة "جرف الخفايا" تستيقظ عادة على أحداث و حوادث متفرقة. اطلاق نار. سطو مسلح وغير مسلح. مداهمات و اعتقالات. حوادث سير يذهب ضحيتها شباب يافعون و مغدورون و مسنون و أطفال أبرياء". صفحة 57

و يقول أهلها عن أنفسهم:"نحن في جرفنا مثقلون دوما بالوصايا القديمة .." ص 25 . و هي مدينة مضطربة و متناقضة تلقي بأهلها الى الجحيم لتستقبل الغرباء و تلبسهم أقنعة جديدة، و ما أن يصبح الغرباء أهلا حتى تبدأ في سحقهم و سحلهم لتغازل آخرين يبيتون على أعتاب رضاها (ص 15). مدينة لفرط خفائها و عتماتها، داهمتها موجات عفن جعلت الخفافيش و طيور الليل و الجرذان تتكاثر بشكل خطير (صفحة 15). و القتل في مدينة "جرف الخفايا" هو الوارد، و السجن و قمع المعارضين، و تفتيت عضد النشطاء هو المصير المحتوم .. بل خطف حتى المغفلين والدراويش تحت ذرائع واهية تكشف حجم خوف أهلها (صفحة 52).

وفي هذه المدينة يكون الأثم حالة عشق أبدي لأهل هذا الخفاء. لقد كتب على جبين كل واحد من هؤلاء شيء من هذا الشعور المؤذي. أنصت لصدى ما تفوه به امام الجامع الكبير قبل حين؛ عندما أكد ان حياة أخرى تنتظرنا على الطرف الآخر من معادلة الوجود ( ص 27 ). و هي مدينة مسخ (ص 44 و 190)، فهي مدينة مهلكة تبتلع أحد أبنائها؛ اعتادت أن تقضمهم واحدا تلو الآخر؛ حتى أنك تشعر بتلاشيهم التدريجي؛ فهي المارد الذي لا يقهر .. ذلك الذي يحرقهم، و تذيبهم مع أحزانهم حتى تتفتق من رمادهم قدارت أخرى تخلق من جديد .. تحمل معاني الحزن دائما (صفحة 50 )

وهناك عشرات من الأوصاف لجرف الخفايا لا تخرج عن الأوصاف التي ذكرت , و لكن لأختم هذا الجزء أورد تعليقا جاء على لسان الأملس (المدرس في ابتدائية الفاروق): ".. تف .. تف على هذا الواقع المتزمت؛ المدعي النبيل، هذا المثقل بالوصايا العشر بأن نلزم الحياد و ننادي بالوسطية حتى في نومنا و شربنا. نطيع الأوامر، نعصي من يراد لنا أن نعصيه. نحفظ عن ظهر قلب نشيد السلام المزيف. نصدق الكذب الواضح. نحارب الغناء. نقتل الفنون الجميلة. نتشرنق في جهلنا. نعلن الطاعة و الولاء لمن يركبنا باسم النظام". صفحة 142.

الشخصيات:

يهمني الانسان هنا، أي كما جاء في "جرف الخفايا"، كيف يرى نفسه؟ كيف يرى أحواله؟ كيف يرى خلاصه مما هو فيه؟ من هم أعداءه و من هم أصدقائه أو حلفاءه؟. حشد كبير ممن يمكن اعتبارهم شخصيات طبيعية و معنوية تجمعت في هذا النص. ولقد رصدت فيما يلي ما لا يقل عن 25 شخصية رئيسية و ثانوية و كان العود والربابة و مياه العصافير الثلاثه من بين هذه الشخصيات.

1. العزي فرقنا طبيب مخلوع وفنان رسم و نحت .. مؤسس عرين السباع

2. دحام المداوي يقرض الشعر بهدوء

3. الربابه

4. العود (و اسمه أصيل)

5. صقر المعنى مغني شعبي و شاعر

6. ضاحي الأبرق يناطح الفكر و يكتب

7. خليل المهبد معلم في الصباح و كاتب في انصاف الليالي

8. خويلد الأملس معلم في الصباح و كاتب في انصاف الليالي

9. رويان بن يفداك ريفي يعيش في المدينة و لم يتخل عن مسدسة و رصاصاته

10. مبارك راعي الربابة

11. حمد المزين ضويبط و كنيته الجديدة بين رفاقه "أبو ثلاث"

12. وحيد و فريد ابنا الشيخ "فادي الأبيض"

13. أم صقر المعنى بدوية فقيرة أنفطر قلبها على ابنها

14. فاتنة بنت هوى تزور عرين السباع

15. جوجه بنت هوى ....

16. لولو بنت الهوى الثالثة، و تقول عنها صديقتها بأنها شاعرة

17. فوله اسم مستعار لأمرأة في سوق الحريم تعرف عليها صقر وهي تتستر خلف البرقع، تحررت للتو من العبودية، و هي تستخدم البسطة كواجهة لاصطياد زبائنها من الرجال.

18. المداوي الأب رجل يمثل السلطة الدينية المتسلطة

19. المها زوجة المداوي الأب تمثل صورة المسخ العدواني لمن يختلفون معه.

20. العنود زوجة المداوي الأب الثانية و الشبيهة بالأولى

21. حرس ا لفضيلة

22. لحيان الأجرب رجل دين، أصدر فتوى أهدر فيها دم صقر و جميع الفنانين في مدينة جرف الخفايا.

23. الحكيم الجانوني المشعوذ

24. النخيعي مشعوذ آخر

25. ماء العصافير الثلاثه الخمر

الضغوط المعنوية و النفسية القاهرة التي يعيشها انسان "جرف الخفايا" أحالته الى مسخ بحيث "تحول الجرفيون الى دواب مدربة و بمهارة فائقة على العودة الى الحظيرة دون راع.. حتى أنهم ألفوا هذا الترويض و داوموا العيش فيه؛ لو كتب لهم الخروج من هنا فانهم حتما سيحنون اليه و يتوجدون عليه بأغان عاطفية تشدهم نحو الغبراء ليعودوا مدججين بوصايا أسلافهم "لا تترك قردك ...". صفحة 118. و لهذا كان توقعي كقاريء هو أن تدفعنى أحداث النص للتعاطف مع القضية التي تمحورت حولها أحداث و شخصيات الرواية، و لكن ما حدث هو العكس. فالنص بشكل عام لم يستطع (أو ربما لم يشأ) كسب تعاطف القاريء مع حالة الفنان المفقود.

قال الراوي ووصف أمورا تدفع بالقاريء للنفور من رواد العرين. مثلا على الصفحة 63 نقرأ: "نعم هذا ما تفعله شلة "عرين السباع"؛ و مجموعات أخرى: هؤلاء الذين يتحدون – و بجنون – قوائم المحظورات؛ و لوائح النواهي؛ والزواجر. يمارسون حياتهم اللاهية لكن من وراء أقنعه الخفاء، بل لم يكتف هؤلاء و لم يقفوا عند حد اللقاءات في وكرهم؛ و انما بدوا و كأنهم أخذوا على عواتقهم مهمة المجازفة كاملة غير منقوصة عندما مزجوا حياتهم الذكورية بعوالم الأنثى .. فها هي زيارات النساء المخاتلة .."

و يضيف أيضا واصفا اياهم " .. فهم متورطون دائما بالأحاديث المجانية رغم انهم يصنفون في دائرة الوعي. مولعون بالنميمة وتقصي الأخبار أيضا. هذر طويل في كل شيء لكنه يأتي بعد عنائهم و جهدهم من ترديد النعيق لثقافة بالية و مهاترات في أدب رخيص؛ و ادعاء في شعر بائس؛ و فجاجة في مقولات فضفاضة؛ و أفكار مسها التهالك". صفحة 13. و هم كذلك بدو همج و الراوي يدعو القاريء لتخيل دموية الصراع بين العواد و صاحب الربابه فيقول: ".. ولكم أن تقدروا حجم عنف الصراع بين بدويين موغلين في القسوة". ص 17. و فوق كل هذا و ذاك فان الشجار و الخلاف بين هؤلاء الناس ليس من أجل مباديء أو قيم و لكنه خلاف و صراع : "مبني دائما بحجارة التنافس على أمجاد اللواعج و الجذل الغنائي، أيهما يغوي ..؟! الغواية تاج فوق رؤوسهم لا تجرؤ على نيله أنت ..". صفحة 19

بل و الأكثر من ذلك نجد ظاهرة الشذوذ الجنسي متفشية بين أفراد هذه الزمرة: "لاحظ "المداوي" و "الأبرق" أن خلوة "الأملس" بالعامل قد طالت .. ربما أدى الخبيث أدوار الصحبة مع هذا الحليق لكل شيء". صفحة 77 . و تناول الحشيش لم يكن بعيدا عن سهرات سباع العرين، فعلى لسان فاتن نقرأ :"..أذكر أننا شربنا معا بطريقة شرهة و تناولنا السجائر الصاروخية التي رمت ببعضنا في مدار الخدر .. أستعيد الآن تفاصيل ما فعلته صديقتي السمراء المغرية معي حينما قدنا قطيع الرجال فوق وهادنا". ص 101

تقنيات السرد:

هناك مجموع من الملاحظات حول الصيغ الأساليب الفنية التي صاغ بها الكاتب هذا العمل منها: التقريرية، و التشبيهات، و التكرار، والأحلام، و السخرية، و حالة الغربة والاغتراب.

على رأس هذه الملاحظات استخدام اللغة التقريرية المباشرة. تدخل الكاتب بلغة تقريرية أثر كثيرا على جمالية النص، هذه الصيغة من التدخل برزت بشكل مفضوح في كثير من المقاطع بحيث تحولت الرواية الى مجرد مساحة لاسقاط قناعات الكاتب على تصرفات أشخاص الرواية. و هذه الصيغة أثرت سلبا على النص لأن هذا التدخل التقريري من قبل الكاتب أفقد الاشخاص حرية التعبير عن ذواتها و ضيق من هامش الحركة لديها. و للتمثيل على هذه الحالة أورد هذا المقطع الذي جاء على الصفحة 13 : " جمعيهم اعتادوا تغييب ما تبقى من عقولهم بدثار الخدر؛ ليثرثروا و يعيدوا تفاصيل شحناء متوارثة؛ فهم متورطون دائما بالآحاديث المجانية رغم انهم يصنفون في دائرة الوعي. مولعون بالنميمة و تقصي الأخبار أيضا. هذر طويل في كل شيء لكنه يأتب بعد عنائهم و جهدهم من ترديد النعيق لثقافة بالية ومهاترات في أدب رخيص، وادعاء في شعر بائس؛ و فجاجة في مقولات فضفاضة؛ و أفكار مسها التهالك".

و في موقع آخر نقرأ صوت الكاتب يقيم سلوك المرأة المتعصبة متمثلة في زوجتى المداوي الأب، و ذلك في وصف نسب الى مداوي الأبن :" يثير الأمر به مكامن الألم حينما طرد الأب أمه و استبدلها بهاتين المرأتين السليطتين اللتين لا تكفان عن التهجد والصلاة والصيام والسباب و الشك والظن بالآخرين سوءا؛ بل تحويل حياة من حولهما جحيمالا يطاق باسم الالتزام والتزمت وفعل الحسنات الكثيرة و مزجها بالأذى و الصفاقة والقسوة و التدخل في شئون الآخرين من مبدأ "الوصاية على الناس" طالما انهما تنتسبان الى جماعات نسائية ترعى شئون الخفاء و التقى والخفر". صفحة 54

و كذلك لعب الكاتب دور المعلق و المراقب على بعض الأحداث، ففي الصفحة 33 نقرأ التالي: " ها هو صقر يواري سوأةالتاريخ بغطاء من الصبر والمعاندة، لكن دموعه هذا الصباح الاستثنائي تنسكب بسخاء. قلبه ريما يقرر المجازفة.. ربما يرد النهاية على نحو فاجع .. كدره يدفعه لأن يمارس المشاكسة .. دور جنوني يرشح من ذاته؛ سيلعبه مهما تكن العاقبة و مهما تكن النتائج ..ترى هل سيطرق "صقر" تلك الدروب المخيفة والغامضة ...". و نلاحظ نفس الأسلوب على الصفحة 129: "خطط الكاذبين والملفقين و المأجورين الخمسية منها والعشرية والخمسة عشرية .. هراء .. كثير من الثرثرة ووعود التطوير والتجميل، وقليل من الصدق و الموضوعية .. تصورات زائفة ووعود أدعياء جهلا قبض الريح..".

التشبيهات:

حافظت اللغة السردية على علاقتها المرتبطة بالواقع الاجتماعي المباشر، كان ذلك واضحا من خلال التشبيهات التي تلبست البيئة الصحراوية بحيواناتها و طيورها. و نورد هنا بعض الأمثلة التي تناثرت عبر الرواية.

ففي الصفحة 13 يقول: ".. ظل يطالب مبارك بأن يكف عما يراه و يسمعه من فوضى و زمجرة و هدير يشبه حالة الثور لحظة أن يقبل على المعالف ". وعن العلاقة التي كان تربط بين صقر و مبارك يقول: "ها هما الآن يفترقان .. قد يبتعدان يوما أو بعض يوم لكن سرعان ما يعودن أحدهما الى الآخر غرابين في عش واحد". صفحة 19 . و يشبه تفرق أهل الفلاة في كل مكان بتطاير الغبار فيقول: "ما كان لقلبي أن يخفق كالطائر الجزع لو لم تتم حياة آبائي جميعهم منذ أن تطايرنا كالغبار في كل مكان..". ص 27

وعن تمرد صقر و رفضه لحياة البداوة و الحضر فيقول: "لكنه حينما شعر بتيار القطيع ينجذب اليه ارتكب الفرار .. أليس هو الهارب من ملاحقة البهائم في الفلاة .. ظل يقول و بجنون و عصبية و استعلاء : لا أريد تربية قطيع آخر في هذه المدينة التي لم أتصالح معها بعد .. " . صفحة 39. و هو كذلك شبه الصحراء بالأم، و كيف ان قسوتها تطردهم من بين أحضانها. على صفحة 55 نقرأ: " فذاك يفر من أم قاسية وغليظة تسمى البداوة .. تلك المفازة المهلكة التي لا تربي الا الجمادات و الأشجار المتوحشة .. تلك التي يثير ليلها في "صقر" الألم و نهارها يهلكه لفرط حرقتها أو زمهريرها العنيف .. حياة النقيضين .. العطش و الغرق هي التي تتناهبها و تجعل منها حياة غاية في الألم و القسوة".

و يصف الجموع التي تجمعت عند بيت المشعوذ قائلا: " ما كان من الجانوني الا أن أدار أكتافه منصرفا محاولا تهدئة الجموع التي تتدافع و تتناطح كالتيوس على المعالف طلبا لرذاذ سعاله ودهاناته البائته ..". صفحة 121. و الأملس يصف جلسته على الجبل بالقرد فيقول: "أعدل جلستي القبيحة .. تلك التي تشبه جلسة القرد حينما يفلي قملاته باصطبار ..". صفحة 133. و حين تحاول شلة العرين رفع معنويات المداوي يشبهون صحته بصحة الحصان والسبع :" يا واد أشبك .. خرفت .. هيا قوم؛ الغزلان حيشوفوك .. كيف سيكون منظرك يا هوه. انت فاكر انك مريض والا ايه .. انت مثل الحصان أو السبع". صفحة 185 .

و لكن الأكثر طرافة و اثارة للفضول هو تشبيه حساسية العلاقة لأهل العرين ببركة الجمل: "جرف الخفايا جعلتنا أشد تطرفا و أشد حساسية في علاقاتنا مع ما حولنا .. بل هي من جعلت العاطفة تبرك على علاقتنا كالجمل الهائل؛ تماما مثل الحنين الذي قلت عنه انه هو سبب من أسباب تعاستنا". صفحة 195.

التكرار :

هناك تكرار الى درجة الملل الى نفس المفردات و المعاني بخصوص حالة الجرف، هذا التكرار أظهر نوعا من الترهل الواضح في النص.

ففي الفصل الثاني عشر

- 12 -
بأكلمه وصف معاد و مكرر لتجمع الشلة في عرين السباع، لا أعتقد بأن أضاف أي جديد الى الرواية لا من الناحية الجمالية ولا الموضوع ذاته. و كذلك فقد تم التعريف بأبطال عرين السباع منذ الصفحات الأولى للرواية، و لكننا نلاحظ اعادة التعريف بهم أيضا على الصفحة 186 تحت مبرر زيارة ضيفة جديدة للوكر هي "لولو". و هذه واقعية مفرطة القبح (ان صح التعبير).

و الأكثر وضوحا في التكرار الغير مفيد كان مرتبطا بقصة اختفاء صقر المعنى بعد أن ذهب معه صديقة المداوي، لقد تكرر سردها مرات عدة بين الأصدقاء ومع المشعوذ و في اقسام التحقيق بالشرطة. والمشكلة ان هذا التكرار لا يضيف شيئا البته.

الأحلام :

شكلت الأحلام جزء من عملية البناء السردي في هذه الرواية:

صقر المعنى، وهو الشخصية المحورية في الرواية زارته الأحلام في فراشه أكثر من مرة: على الصفحات 27 و28 : "الفراش يتحول الى جحيم. تعيد هواجسي المنفلته رسم تفاصيل صورة "فاتنة" و صديقتها "جوجة" .. أخذهما معي في رحلة الى جحيم الذاكرة المضطربه داخل سيارة هوجاء تسير الى الخلف بسرعة جنونية؛ نسقط في الهاوية. أمسك بالمقود و أحاول يائسا أدعس على مكابح "الفرامل". تواصل سيرها الى الخلف بطريقة جنونية..". و حلم آخر يرد على الصفحة 29 حيث يحلم صقر بانه يسير الى حديقة السلام العامة، يصف معاملة حراس الفضيلة و التزمت ، و يصف المقعد الذي اعتاد الجلوس عليه ، يرى نساء و أطفال يطلبون النجدة فيهب هو و رواد عرين السباع لنجدتهم.

أما خويلد الأملس فانه رأى في هلاميات منامة: ".. أن صقرا يحلق في الفضاء بثياب خضراء و عيناه معصوبتان بشال أسود يقبض بكلتا يديه عوده مهشما .." صفحة 34. و لكثرة همومه مع مدير مدرسته فكوابيسهم لا تتركه في حاله حتى وهو نائم: ".. في الفجر غط في نوم متقطع رأى فيه مدير المدرسة وهو يصافحه و يحييه على هذه التضحية والفداء .. لم يكن المدير صادقا انما جاءت على هيئة تهكم. صف الطوابير الصباحية وتلا على الطلبة والمدرسين مواقف زميلهم الزنديق السكير الذي أصبح لا يأبه برسالة التعليم المقدسة .. شعر الزملاء بأن وجه "الأملس" يذوي و أن حالته تسؤ؛ بل أصبح في حالة من الخدر الذي لا يقبل أبدا. صرخ المدير اضربوا هذا الأفاك الشري. لقنوه درسا لا ينساه ...". صفحة 182

و كذلك زارت الأحلام "فاتن"، و "فرقنا"، و المداوي. أما "فاتن" صديقة رواد عرين السباع و مطفأة رمضاء الجوع، فأثناء مرضها في المستشفى :"رأيت في منامي سريري في الشقة يطير بي .. أكاد أسقط. يسرع في الطيران ويعلو؛ أطالع وجه "صقر المعنى" و كأنه يتشفى بي و بأهلي .. لم يمسك بي أو يقدم لي مساعدة تذكر .." ص 110. و "فرقنا" روي عنه: "في نومه المتقطع و المتأرجح بين النعاس و الثمل رأى انه أصبح صالحا ورعا. لحيته مخضبة؛ تصل حدود سرته. يتبتل و يستعيذ و يحوقل و يربت على أكتاف الناس زاهدا متنسكا...". ص 117. و روى المداوي لأصدقائه و بصوت واهن يكشف حجم ألمه تفاصيل رؤياه قبل ليلتين؛ حينما رأى صديقهم "صقر المعنى" يطير في الفضاء و في كلتا يدية قبضتان من قذالة شعر فاحم يوحي بأنه لامرأة، صفحة 201

السخرية المرة :

وكان للسخرية المرة مكانها في النص. سخرية من الواقع، واقع العرين، و واقع الجهل والتخلف لدى الناس، واقع الحالة السياسة، و واقع الأجهزة الأمنية و أجهزة الحفاظ على الفضيلة (كما يسميها النص).

سخرية من أجهزة الحفاظ على الفضيلة، فيسرد قائلا: "فبعد نجاحهم المذهل في فصل الرجال عن النساء في كل المرافق العامة والخاصة؛ ها هم يفكرون و على نحو جاد في مشروع فصل الرجال كبارا و صغارا؛ و كذلك النساء؛ و مشروع فضيلة خالص يتمثل في فصل الدواب بعضها عن بعض فالذكور في حظيرة و الاناث بأخرى ". صفحة 70. أما عن حالة غسل الأدمغة فيصف المشهد التالي: "تجمهر الناس عند المقبرة بسبب موت لاعب فريق "الوردة المبهجة" الذي اشتروه بعشرة ملايين دينار . و الأبرق ينصح صاحبه بالابتعاد عن المكان قبل أن تسحقة جماهير الشجن الكروي". و يتابع سرده قائلا: عالم جرف الخفايا غريب فعلا؛ يظهرتناقضات جمة .. ألا ترى يا "ضاحي" أن الكرة و التعصب لها يكسر ظاهرة الخفاء هنا .. ألا تعول على هذه الجماهير يوما أن تسهم في كسر الصمت و جار الخفاء أم تراها من قبيل الهرج والمرج فقط. صفحة 72

و سخرة كذلك من حالة تخفي أبطال "عرين السباع" أثناء هروبهم من واقع الحياة عبر الخدر فيقول: ".. أخذ العزي فرقنا على عاتقه مهمة ترتيبات وصول السيدتين؛ و ذكر أصدقاؤه بأنه تكفل بتقديم هديتين جميلتين للضيفتين و ستكون مساهمة باسم أعضاء "عرين السباع" لبطلتي الكفاح الوطني من أجل قتال الخفاء". صفحة 79 .

الغربة و الاغتراب:

أبن الفلاة أو ابن القرية غريب حين يصل الى المدينة. غريبة عليه حياة الناس من مأكل و ملبس و وسائل ترفيه، غريب عليه كل شيء، يشعر بالوحدة والعزله، فان صبر و تحمل المعاناة اعتاد الحياة الجديدة و بدأ يقلد أهلها و ضاع بينهم مع الأيام، و صار له منهم أصدقاء و زملاء و معارف. و لكن تبقى حالة الاغتراب، و هي حالة فكرية و ثقافية، تضرب أطنابها في هذا الانسان لفترات طويلة. هذه الحالة من الغربة أو الاغتراب يمكن تملسها في مجمتمع جرف الخفايا الذي هو عبارة عن تجمع اشتات من البشر بحثا عن لقمة العيش. صور كثيرة عكست حالة الاغتراب هذه.

يقول الراوي: "الكل يغني على ليلاه. الجرف يغني ولعه بتعذيب أهله، و الناس يعذبون ذواتهم بالجهل في حقيقة وجودهم، و "صقر" يغني من ألم الجوى و الهموم المفرطة، و "مبارك" تضوع من حناياه آلام خاصة أيضا .. أهمها و أقساها الغربة التي تصور مقدار و حشيتها بأنين ربابته". صفحة 19. وفي موضع آخر يقول: "لم يكن ثمة اتفاق مسبق بين المدينة والفلاة على توزيع أدوارها، فكلما جاد الريف بالبهاء والجمال والدعة انعكس – لا محالة – على المدينة التي تتاخمه، و كلما صار الريف مفازة مهلكة سيكون رافدا لمدينة يفد اليها أهل الطباع الجافة .. ". صفحة 37

و لسان المعنى تحدث عن غربته في أكثر من مكان: ".. أوهمني الواقع الزائف بأن أكون أكثر تعايشا مع من حولي لكنني أرى خصامي يقوى و قطيعتي معهم تزداد .. ها أنا أسير – كما يبدو – الى الوراء لأصبح وحيدا في هذه الغرفة المقفرة". ص 24. وقال: "تذكرني هذه العزلة الآن بتلك الحياة التي حاولت أن أرتبها في غرفة خلفية حقيرة في "حي السراويل". استكريته وعشت به وحيدا تشاركني الصراصير و الفئران التي أعجز عن مكافحتها. لتعبث بملابسي الرثة. كنت أتوارى بها لحظة أن أكون مصابا باكتئابي الذي ولد معي؛ و لم يفارقني حتى بعد هبوطي الى هذه المدينة المتناقضة". المعنى: ".. هي (أي الغرفة) وجدت للتعساء و المحبطين الذين يأتون الى جرف الخفايا خدما و سائقين هاربين من بطش الحياة و البشر بهم أو من منغصات حياة أسرهم أو من بداوة شقية لا تزيدهم هنا الا ذلا". ص 24 و 25 . و يضيف المعنى متحدثا عن غربته قائلا: "لحياتي؛ و حياة من هم على شاكلتي شكل النشاز في نغمة الحياة هنا. لنا أن نذهب الى الجحيم ان هممنا بتشنيف آذان هؤلاء المتوثبين للطم الحقيقة ذاتها؛ بل طرحها أرضا و فعل كل أمر ينتهك كيانها ان هي أشارت الى شيء من الحريات ..". صفحة 31

أما الأملس فتذكر صديقية صقر و مبارك حينما جاءا الى المدينة الموسومة بالمرض الحضاري المتناقض وقال: ".. كانا يحملان أوزار البداوة رآهما وهما يحتسيان الشاي بطريقة مؤذية و يأكلان بطريقة مقززة و يتعاملان بخشونة معهودة لكنه يدهش حينما يرى طريقتهما البارعة في أدائهما في الغناء على العود والربابة". 36 . و مبارك لأحبته :"كيف لا أكون ذلك و أهلي يوقظونني كل يوم بوصايا تحذرني: انتبه لا يأكلك الذئب .. كانوا يقولون ذلك ضمنا لأنهم يخافون على الدواب أكثر من خوفهم على ابنهم الشقي .. في المدينة ظل هاجس الذئاب يطارده. صفحة 40 . و مداوي وصف غربته و اغترابه داخل بيت والده: "ماتت علاقتنا ببعض عندما أصبح يرى بحالتي ذلك الولد المنتهي؛ و أدركت أن لا فائدة من وئام هش ينبني الآن بيننا بعد مرضي". صفحة 191

ماذا أرادت "جرف الخافيا" أن تقول؟

ويمكن القول بأن أهم القضايا التي سلطت الرواية عليها تتمثل في ازداوجية الشخصية و تناقضاتها، و حالة الفساد، و تخلف المجتمع عبر تجذر الخرافة، و الأمراض الاجتماعية مثل الشذود الجنسي والسحاق، و فساد التربية المدرسية و تفكك الأسرة.

التركيبة المتناقضة لمن يتلبسون مظهر التقى والتدين. مثال ذلك ما استذكره دحام بخصوص علاقته بوالده و زوجتي أبيه: " يثير الأمر به مكامن الألم حينما طرد الأب أمه و استبدلها بهاتين المرأتين السليطتين اللتين لا تكفان عن التهجد والصلاة والصيام والسباب و الشك والظن بالآخرين سوءا؛ بل تحويل حياة من حولهما جحيما لا يطاق باسم الالتزام والتزمت وفعل الحسنات الكثيرة و مزجها بالأذى و الصفاقة والقسوة و التدخل في شئون الآخرين من مبدأ "الوصاية على الناس" طالما انهما تنتسبان الى جماعات نسائية ترعى شئون الخفاء و التقى والخفر". صفحة 54 .

و حالات الفساد في الأجهزة التي يفترض بها أن تحارب الفساد، ففي الصفحة 90 يورد قصة بأن أحد المرتزقة جاء الى البلد في مهمة غريبة، هي ليقضي محكومية يتقاضى خلالها أجرا ليفر بعد ذلك عائدا الى حياته العادية.

و تجذر الخرافة و الاعتقاد بدور المشعوذين و الدجالين (متمثلا في الجانوني) في حل مشاكل الناس. "وجدوا بيت الجانوني كالعادة تحاصره السيارات و يتجمهر حوله الناس و كأنه يوم عزاء أو فرح. يعج بالرجال والنساء من كل الأجناس". صفحة 119

و ظاهرة الشذوذ الجنسي. "لاحظ "المداوي" و "الأبرق" أن خلوة "الأملس" بالعامل قد طالت .. ربما أدى الخبيث أدوار الصحبة مع هذا الحليق لكل شيء". صفحة 77 .

و فساد التربيةالمدرسية: "خرج (مدرس) برفقة الغلمان في نزهة خارج "جرف الخفايا" .. تتطلب هذه الرحلة المبيت لليلة أو ليلتين. ما كان من صاحبي حينما استشعر خطورة هذه النزهة التي جمعت هذا الخليط من التيوس؛ و خوفا من أن تركب بعضها بعضا في الخفاء طبعا فقد أسقاهم هذا الداهية الملائكي المحتشم "ماء الكافور" مما جعلهم يصابون بالدوار و الغثيان و التقيؤ وحملوا جميعا بدلا من بيوتهم الى مستشفى ناء .. أرأيتم كيف أسم حالتنا بالقبح؛ و أنعتها بالسخف والتهالك والوضاعة". صفحة 132

و التفكك الأسري في مجتمع "جرف الخفايا" : "أطفال يافعون يسردون لي و أمام أقرانهم في الفصل تفاصيل ادانة قوية لبيوت "جرف الخفايا" تلك التي تجعل الأب مع امرأة أخرى بالحلال، و الأم مع رجل آخر بالحلال .. نعم أبغض الحلال يرقص في كل بيت. أخت معها ثلاث مجموعات من الأطفال؛ كل طفلين من رجل صنفتهم بالحلال. بعض الحرام يطرق الأبواب ملثما؛ يلج الأقبية يتلو سيرة الهروب الواقعي من حياة الذل و المهانة؛ في الخفاء يمارس أهل "جرف الخفايا" تناقضاتهم مع الخدم والسائقين؛ الأطفال و المسدسات؛ و أنواع أخرى من الأسلحة؛ والمهدئات والمنومات و المسهرات و المسكنات و المخدارت وال ..؛ الطفل يشكو لمعلمه أمه القاسية و زوج أم يبتهج حينما تزورهم خالته الصغيرة ..!". صفحة 132

هذا الغبار الكثيف الذي أثارته "جرف الخفايا" في عيون و عقول قارئها فمتى سينهمر المطر ليعيد الغبار الى وجه الأرض مشربا بالمياة ليخفف من هذا التصحر الروحي والنفسي والفكري لانسان جرف الخفايا.

27/7/2004م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007