تعجب السيد عوني عندما وجد نفسه سائراً في جنازة أحد ما , فِلمَ يتكبد رجل مثله عناء مشوار طويل كهذا !! لم يجد في نفسه سبباً مقنعاً لسيره في هذه الجنازة غير أنه أكمل سيره , و هو يقلب الأفكار في رأسه .
و مما أثار دهشته أيضاً أنه هذه المرة لا يركب سيارته الفارهة, ذات النوافذ المعتمة التي أخفت من أسرار مغامراته ما أخفت ,سيارته تلك التي تجعلك تفهم من الوهلة الأولى , أنه يستحسن أن تبتعد عن طريق صاحبها ,لأن له نفوذاً و سلطة ليستا بقليلتين مطلقاً يطلان على من يراها من أول وهلة.
فما الذي جعله يمشي في موكب الجنازة المتواضع هذا !!و بدون سيارة ؟ و جنازة من هذه؟ إنها كما تبدو جنازة إنسان فقير ..أو ربما هي لرجل غريب , فليس وراءها الكثير من الناس , و حتى هذه القلة القليلة لا تبدو من أهل الميت و أحباؤه ,إذ أن أحداً منهم لا تبدو عليه علامات حزن و لو بسيطة.
إن أحداً لم يتلفظ بكلمة( الله يرحمه ) كما جرت العادة , بل راح كل منهم يمشي مشية من أجبره واجبه على المسير , و لم يكن السيد عوني من أصحاب الواجب , بل كانت تضحكه هذه الكلمة الساذجة , فالواجب بالنسبة له شئ يٌجبر المغفلون على فعله , لأنهم لا يستطيعون أن يرفضوا ذلك, أما هو فالحال بالنسبة له مختلف تماماً, فلديه القدرة و السلطة على أن يرفض ما لا يرغب أن يتكبد عناءه , خاصة عندما لا يكون هنالك مصلحة ما تخصه في ذلك , لذلك فكر في نفسه انه سيجد سبب خروجه هذا قريباً , فهو إما سيرى أحد كبار المسؤولين في صدفة , هي في الحقيقة ليست من دون ميعاد مطلقاً , أو لغاية أخرى في نفس يعقوب , لا يدري لماذا و كيف نسيها .
أما الواجب فهو ليس مدون في قائمة اهتماماته مطلقاً .
لا بد أن لدى أخته الجواب الشافي لذلك , سيسألها حالما يعود إلى المنزل فتتلقفه من الباب كعادتها , مستفسرة عن أدق تفاصيل أحداث يومه , ليسرد عليها من الألف للياء ماذا فعل؟ ومن قابل ؟ و ماذا قال له؟؟؟ و تفاصيل أخرى ليست قابلة للنشر , فهي الوحيدة على سطح البسيطة التي تعرفه و تفهمه جيداً , ربما أكثر من نفسه , فكثيراً ما شرحت له دوافع لتصرفات فعلها لم يكن يعلم أنها بهذا النبل , بل ربما وجدها في قرارة نفسه تصرفات دنيئة , إلا أن أخته سرعان ما تجد له دوافعه الحقيقية التي لا يعرفها , و تفاجئه بمدى نبلها و إنسانيتها .
منذ المرة الأولى التي سرق فيها الحلوى من دكان أبي محمود , كان يومها يعتقد أنه يريد الانتقام من أبي محمود, لأنه اخبر والده عن هروبه المتكرر من المدرسة , فسرق من الحلوى ما استطاع , ثم امسكه مرة أبو محمود و هو يسرق, فأخبر أباه , يومها ضربه أبوه ضرباً مبرحاً , و عنفته أمه , أما أخته هذه و التي تكبره ببضع سنوات , فقد فسرت له الأمر بأنه من أجل حفنة من الحلوى , و ما الضير في أن يأخذ ما يريد , طالما أنه لم يقصد أذية أحد من الناس ! و هل ستقتل حفنة من الحلوى أبا محمود , يومها تقاسما معاً الحلوى التي كان قد أخفاها .
و منذ ذلك الوقت و الحال كما كان عليه في المرة الأولى, هي تفهمه و تساعده و تعطيه الذرائع المنطقية التي تجعله ليس من الشر في شئ, و هو يقاسمها كل شئ, حتى أسراره العميقة.
إنها ضميره إن جاز التعبير و إن كان ضميراَ متحيزاً حتى الثمالة, حتى زوجته..عفواً أقصد طليقته لم تستطع أن تفهمه كأخته, خالفته الرأي مراراً, كانت تجد تصرفاته كلها خاطئة, و تقف في وجهه كجدار أصم يرفض الفهم مطلقاً, لقد وصل بها الأمر إلى اتهامه بقتل جاره, حتى الآن هو لم يفهم كيف تفكر هذه الغبية, إن جّل ما فعله كان إخبارية صغيرة عن جاره هذا, الذي أجبره بعناده على فعل ذلك, بعد أن وقف في وجهه مانعاً إياه من بناء غرفة في فناء داره, بحجة أنها ستحجب الشمس عنه, و تكشف حرمات منزله , ومن يعبأ بشمسه أو بحرمات منزله ,و هكذا اضطره جاره إلى الإبلاغ عنه , مزيحاً إياه عن الطريق , و لم يكتف بذلك , فكان لا بد للجار العزيز أن يدفع ثمن وقوفه في وجهه, فاستغل بعدها كرسيه ذو الأرجل الأخطبوطية , التي تستطيع التسلل إلى أبعد ما يتصوره العقل , و جعل مسؤول السجن يذيق الجار ألواناً من العذاب , لم يكن الجار أصلاً يعرف أنها موجودة , لكنه لم يكن يقصد إيذاءه , كان فقط يأدبه ليتعلم كيف يتحدث مع أسياده .
و هكذا فيما كان الجار العزيز يستجم في سجن انفرادي يتناسب مع ذنبه العظيم , و يُساق منه يومياً ليرى من العذاب ألواناً , ثم يتناول السجان رجولته على مائدة التعذيب , كانت الغرفة ترفع رأسها شامخة , مسترقة النظر إلى ما وراء جدرانها , ثم ما لبث أن مات الجار في السجن , ماذا في ذلك أليس لكل منا يوم سيموت فيه , أليست الأعمار في يد الله يفعل بها ما يريد , فإذا أراد الله إنهاء عمره في ذلك اليوم ما الذي يجعله قاتلا في عيون تلك الغبية , ثم أنه فعل كل هذا ليبني غرفة , ما شأنه هو و الجار , لو لم يعترض لكان الآن يتناول فطوره مع زوجته و طفليه , و ما الضير لو علم هو ما الذي يتناولونه على مائدة الإفطار و غير ذلك من التفاصيل اليومية , إلا إن كان لديه ما يخفيه , و عندها يكون الله قد عاقب الجار و ليس هو ...
أما هي .. زوجته فقد كانت تقول له , إن ذنب الرجل و عياله في رقبتك , فقد مات الرجل .. إما تحت تأثير التعذيب ..أو من جرح الكرامة التي امتدت عميقاً في داخله ..و هو يعجز عن اقتلاع عيون اقتحمت عقر داره عنوة .. أو من هول الظلم الذي وقع عليه .
و سرعان ما وجد التفسير عند أخته , فلا بد أن زوجته معجبة بالجار , و من يدري ربما كانا يتقابلان سراً , و هو في عمله المضني من أجلها , لذا فقد حزنت لموته كل هذا الحزن , مما جعله يبرحها ضرباً , و يطردها من المنزل في ثياب النوم , بينما الليل قد أرخى سدوله , و لم يعد في الطريق إلا السكارى و الكلاب , مانعاً إياها من أن تأخذ حتى حقيبة يدها , و هو ينعتها بأقذر الأسماء, و لولا لطف الله , لما مضت ليلتها تلك إلا بكارثة مميتة .
كان يعتقد أنها غبية .. لم يكن يجدر به الزواج بها , أما الآن فهو مؤمن تماماً بأنها قذرة ,لذا فقد كان من حقه طردها شر طرد , و لتنهشها كلاب الشوارع .
أما أخته فقد هدأت من روع أخيها المخدوع , و أعطته سبباً آخر مقنعاً , أن ما يفعله هو عين الصواب تماماً و لا غبار عليه .
أما أمر الجنازة هذه , فما زال لغزاً يحير لبه , بينما يبدو الطريق طويلاً , و كأن هذا الميت يريد الهروب من قبره , كان يسمع من أبيه قديماً , أن الجنازة تجري بالرجل الصالح جرياً , فهو يتوق إلى لقاء ربه , بينما الرجل الفاجر تتعثر جنازته في محاولة للتهرب من مواجهة الخالق عز و جل , فان صح كلام أبيه , فهو يمشي في جنازة أفسق الرجال , إذ أن الطريق يطول و يطول , لكأن الجنازة تمشي منذ أسبوع و لا تبلغ المقبرة .
سمع أحد المشاة يقول بصوت لا يخلو من الشماتة :(بني آدم ما يملى عينه غير التراب ), بينما تعابير وجهه كانت باردة كتمثال شمع , فكر السيد عوني في داخله (لا تعليق ), إذ أنه ما زال مشغولاً في هذا اليوم العجيب الذي وجد فيه نفسه يمشي وراء هذه الجنازة المشؤومة .
وصلت الجنازة أخيراً إلى المقبرة, كم هي موحشة المقابر قال السيد عوني في نفسه , و هو يراقب الأحداث منتظراً أن يجد سبباً لوجوده هنا .
فتح حافر القبور قبراً , فإذا هو غور كبير مظلم , أرعب السيد عوني , فأشاح بوجهه, ثم قام الرجل بوضع بعض التراب في عيني الميت , ثم أنزله القبر ليبتلعه ذلك الفوه المظلم , و بدأ الناس يذهبون , إلا واحداً وقف حتى مضى الجميع , و لم ينتبه أن السيد عوني ما زال واقفاً , نظر إلى القبر و الحقد يكاد يخرج منه سكاكين مدببة تنغرس في صدر ذلك القبر , ثم بصق عليه قائلاً( الله لا يرحمك يا ابن ال.......) .
أدهش تصرف الرجل السيد عوني , لكن ما أن انصرف ذلك الرجل حتى قرر هو العودة أيضاً إلى منزله , فلا هو وجد له صالحا له المسير في الجنازة و لا فهم سبب خروجه فيها .
تسمر السيد عوني عندما هم بالحركة , فإذا هو مكبل مقيد , محبوس في سجن انفرادي مظلم صغير بالكاد وسعه ,و أدرك فجأة أن الميت الذي ابتلعه القبر, لم يكن إلا هو , وأن الجنازة كانت جنازته , و أن الناس قد انصرفوا دون حتى أن يطلبوا له الرحمة , و تركوه وحيداً مذعوراً , مر في باله جاره , الذي اعتدى على حرمة منزله قسراً , و زوجته التي اتهمها ظلماً , وبالغ في إهانتها , و ذلك الكرسي ذو الأرجل الأخطبوطية , و كيف كان يستغله أبشع استغلال , فما من صاحب حاجة ملحة إلا و أجبره على دفع ما يستطيع من ماله , أما النساء فكن يدفعن بعملتهن الصعبة , إن لم يجد لديهن المال, المهم أنه التهم ما استطاع التهامه من أصحاب الحاجة .
و ها هو الآن وحيد, لا سيارته بجانبه , و لا أخته , و لا حتى منصبه , مجرداً من كل شئ بين يدي من يملك كل شئ , فماذا يفعل ؟؟
قالت له أمه يوماً عندما أحست بالجبروت الذي يجري داخل أوردته و شرايينه (يا بني إن دعتك قدرتك على ظلم الناس , فتذكر قدرة الله عليك ) , لكنه لم يتذكرها , أعمته قدرته عن تذكر القدرة المطلقة التي ستحاسبه يوماً ما عن كل ما فعله خيراً كان أم شراً , و لكن أين الخير؟؟؟
لا يستطيع أن يذكر لنفسه خيراً فعله في حياته , لكأنه هو الشر بعينه.
لكنه ما زال لا يستطيع التصديق انه مات, ربما هو حلم يستيقظ منه , و سيفعل كل ما يستطيع ليصلح أخطاؤه, فليكن حلماً أرجوك يا ربي فليكن حلماً .
هل يعقل انه مشى كل هذه المسافة وراء جنازته هو ؟؟ هذه الجنازة المتواضعة الفقيرة !!جنازته هو!! و الناس الذين مشوا وراء جنازته مكرهين بحكم الواجب !! و كلمة رحمة واحدة لم ينطقها إنسان ..كل هذا كان في جنازته هو!!!!
مشى كل ذلك متسائلاً عن سبب يدفعه للسير في هذا الطريق , خلف هذه الجنازة , فإذا به يأتي إلى هذا المكان من أجل حفنة من التراب ذرّت في عينيه, بعد أن ابتلع كل ما استطاع ابتلاعه من ذهب و نقود و هدايا ثمينة, كانت تصل إليه حتى مكتبه , دون أي جهد منه , فإذا به الآن يجهد في مشوار طويل رهيب , لا تحمله فيه سيارته الفارهة , من أجل حفنة من التراب, لو علم أنه لن يملأ عينيه سوى التراب لصام عمره كله , لكنه لم يفعل شيئاً تحسباً لحفنة التراب هذه , و ليوم يُجرد من كل شئ , و يقف أمام مالك كل شئ , لا يتذكر خيراً فعله, في مكان لا عودة منه و أمام من يحكم كل شئ و يحاكم كل شئ.
و لا ت سـاعـة مـنـــد م .