يتكون نص " فراشة " للقاص والناقد الدكتور حسن حجاب الحازمي من أربعة مشاهد ..
يعنى المشهد الأول بالفراشة فقط :
" تحت " اللمبة " البيضاء الطويلة هبطت . اشرأبت بجسمها كله ناحية " اللمبة " كأنها تريد أن تشرب الضوء كاملا ، وبخشوع متناه تسمرت في مكانها كأنها تصلي . لم تشعر بحركة " الوزغ " الزاحفة الحذرة على الجدار الأملس "
والمشهد الثاني تتوجه عنايته إلى " الوزغ " :
" أخذ يقترب قليلا قليلا وفي كل مرة كان يمد لسانه اللزج كأنه يدربه على الغدر ، وحين أدرك أنها في امتداد لسانه توقف . طالت وقفته المتربصة ، وحين اطمأن إلى غفلتها حرك ذيله حركتين سريعتين قبل أن يمد لسانه اللزج ليلتقطها وهي غارقة في بهاء الضوء "
و يعود المشهد الثالث يسلط الضوء على الفراشة :
" ناوشت صمغ لسانه بحركتين عاجزتين قبل أن تستقر تماما في ظلمة فمه المطبق "
أما المشهد الرابع والأخير فيحصر اهتمامه بالوزغ :
" صعد بسرعة متناهية مخلفا الضوء يبكي خلفه ، توقف على سطح الجدار قليلا قبل أن ينزل بها إلى الجهة الأخرى مستقرا في قعر الظلمة "
يحتفي النص بخمسة أماكن هي : اللمبة ، الجدار ، الفضاء ، الفراشة ، الوزغ .. يعرضها كما هي على أرض الواقع ، اللمبة والجدار والفضاء مجسمة بأبعادها الثلاثة ، أما الفراشة والوزغ فمضافا إليها فوق ذلك البعد الروحي .. بعد الحياة ..
اللمبة بيضاء طويلة ومضيئة ، الجدار وجهه أملس وله سطح وجهة أخرى مظلمة ، الفضاء ذو عمق يسافر خلاله الضوء ، الفراشة ذات جسم يشرئب ، وروح تخشع ، وكذا الوزغ له فم مظلم ، ولسان لزج ، وذيل يتحرك ، وله روح تحذر وتدرك أيضا ..
جميع المشاهد معروضة بالأبيض والأسود فقط .. لم يذكر لون الفراشة ، والمشهدان الأول والثاني مغموران بضوء اللمبة الأبيض ، وكذا الجدار لم يذكر لونه ، والوزغ لم يهتم فيه النص سوى بظلمة فمه المطبق ، أما الفضاء فنصفه مضاء بالأبيض ، ونصفه الآخر مظلم خلف الجدار ..
وتلك الأماكن الخمسة تنقسم من حيث الحركة والسكون إلى ثلاثة أقسام ، أولها الكائنات المتحركة ، التي هي الفراشة والوزغ ، وثانيها اللمبة ذات الجسم الثابت والأثر المتحرك ( الضوء ) ، وثالثها الظروف المكانية الثابتة المتمثلة في الفضاء والجدار ..
حدثت الحركة المكانية عبر الفضاء المتجهة من أعلى إلى أسفل ، منذ العبارة الأولى " تحت " اللمبة " البيضاء الطويلة هبطت " وحدث معها التوقف أيضا .. لكن النص يعود فيتحفز لأداء تلك الحركة نفسها من جديد ، مرة إلى أعلى حين " اشرأبت بجسمها كله ناحية اللمبة " ومرة أخرى إلى أسفل ، في مسيرة الضوء الساقط من اللمبة والمنتهي في باطن الفراشة " كأنها تريد أن تشرب الضوء كاملا " حتى إذا ما تعمق في إدراكنا البصري الإحساس بالحركة المكانية عبر الفضاء ، باغتنا - النص - بالوقوف المعمق ، من خلال العبارة " وبخشوع متناه تسمرت في مكانها كأنها تصلي " ، لكنه - أعني النص - ما يلبث أن يصدم حاستنا الحركية بتغيير نوع الحركة في نهاية المشهد ، لتصبح محتكة بالسطح بعد أن كانت سابحة عبر الفضاء " لم تشعر بحركة " الوزغ " الزاحفة الحذرة على الجدار الأملس " .
في المشهد الثاني يشتغل النص على الحركة ذات الاحتكاك بالسطح ، فيعرض مجموعة من التحركات الطولية المتلاحقة والبطيئة التي تتخللها بعض الوقفات " أخذ يقترب قليلا قليلا " ولا ينسى - أقصد النص - أن يعمق إحساسنا بتلك التحركات " في كل مرة كان يمد لسانه اللزج كأنه يدربه على الغدر " فمع كل حركة يمد الوزع لسانه وفي كل وقفة يطبق عليه فمه ، و إذا ما تعمق في إدراكنا البصري الإحساس بالحركة المحتكة بالسطح ، باغتنا - النص - بالوقوف المعمق ، من خلال العبارتين المتتاليتين" وحين أدرك أنها في امتداد لسانه توقف " ، " طالت وقفته المتربصة " ، لكنه ما يلبث أن يصدم حاستنا الحركية بتغيير نوع الحركة في نهاية المشهد ، لتصبح سريعة وعمودية على خط تحرك الوزغ إلى الفراشة " وحين اطمأن إلى غفلتها حرك ذيله حركتين سريعتين " بعد ذلك تعود الحركة طولية كما كانت لكنها مشفوعة بعنصر السرعة " يمد لسانه اللزج ليلتقطها وهي غارقة في بهاء الضوء " .
أما المشهد الثالث فلا يأتي إلا لتعميق إحساسنا بالحركة العمودية التي على خط تحرك الوزغ إلى الفراشة " ناوشت صمغ لسانه بحركتين عاجزتين " وفي نهاية المشهد يتم إيقاف الحركة " تستقر تماما في ظلمة فمه المطبق " .
يبدأ المشهد الرابع بعرض حركة محتكة سريعة ومتواصلة ومتجهة من أسفل إلى أعلى " صعد بسرعة متناهية مخلفا الضوء يبكي خلفه " يعقب هذه الحركة توقف قصير " توقف على سطح الجدار قليلا " ثم بعد ذلك تعرض حركة محتكة أخرى لكنها متجهة من أعلى إلى أسفل " ينزل بها إلى الجهة الأخرى " وهكذا حتى تتوقف الحركة تماما " مستقرا في قعر الظلمة " .
بدأ النص بالحركة الفضائية المتوقفة ، ثم شرع في تعميقها من خلال حركات مماثلة يعقبها توقف واحد عميق ، وهكذا كانت الحال مع الحركة المحتكة ، و مع الحركة التي هي عمودية عليها ..
وإذن فقانون المماثلة في الإيقاع كان يتحقق عند إرادة تعميق الحركة الواحدة ، و قانون النظام كان يتحقق في الطريقة التي عليها تعمق الحركة مع الوقوف المنتهية إليه ، وقانون تكرار النظام كان يتحقق عند اتباع الطريقة نفسها في تعميق كل حركة وكل وقوف تابع لها ، وهناك أيضا قانون التغير الذي تكفل بتغيير نوع الحركة في نهاية المشاهد من فضائية إلى محتكة إلى عمودية ..
الحركة الفضائية تؤديها الفراشة .. يؤديها الضوء ، أما الحركة المحتكة فيؤديها الوزغ .. يؤديها لسانه اللزج ، من هنا اكتسبت الحركة الفضائية معنى الطهارة ، والفسحة ، والنقاء ، واكتسبت المحتكة معنى السوداوية ، والتحفز للشر ، فكان توقف الفضائية صلاة ، أما المحتكة فتوقفها كان تربصا ، وكانت الفضائية توقفها خشوعا ، أما المحتكة فتوقفها تفكير في الغدر ، والأولى كان توقفها غارق في بهاء الضوء ، أما الثانية فكان توقفها لزج أسود ..
وقد تمثل في الفراشة مؤدية الحركة الفضائية ( أو بؤرة الفضاء في النص ) الهم الروحي المضيء النقي ، وفي الوزغ مؤدي الحركة المحتكة ( أو بؤرة السطح في النص ) ذلك الهم المادي المعتم اللزج ، ومن هنا أيضا يبرز التناقض العجيب بين كل من الفراشة والوزغ .
وبطبيعة الحال فتعاطف المتلقي لن يكون إلا مع الفراشة ومع كل ما يتعلق بها من طهارة ، وفسحة ، ونقاء ، وروحانية ، و نفوره لن يكون إلا من الوزغ ومن كل ما يتعلق به من سوداوية ، وغدر ، ولزوجة .. هذه الأشياء المنقسمة إلى قسمين أحدهما محل التعاطف والآخر محل النفور تمثلت باختصار شديد في الحركة الفضائية السابحة ، والحركة البطيئة المحتكة .. وإذا علمنا أن الحبك قام على إيقاع الحركة والسكون ، اتضح لنا كيف جرت هندسة التأثير الخفي على شعور المتلقي . وهذا ما سأوضحه لاحقا .
يتمحض الزمن النحوي للنص في الماضي والحاضر فقط ، و المشاهد الأربعة كل واحد منها كان يستهل عرضه بالفعل الماضي ، ثم بعد ذلك يعاد كاملا ، أو تُعرض بعض أجزائه بالمضارع .. أي أن المضارع كان يؤتى به فقط لتقريب المشهد الماضي ، أو بعض لقطاته ..
وبطبيعة الحال فالحركة والسكون هي العنصر المبعد ، أو المقرب في تضاعيف المشهد المعروض ..
في بداية النص عرضت حركة فضائية سريعة يعقبها توقف سريع أيضا بواسطة الفعل الماضي في العبارة " تحت " اللمبة " البيضاء الطويلة هبطت " ، وبدت المعاني المرتبطة بهذه الحركة ( الطهارة ، الفسحة ، النقاء ) وبذلك التوقف ( الخشوع ، الروحانية ) بدت بسبب من الماضوية والسرعة ، باهتة ، لكن النص مالبث أن عمق إحساسنا بتلك الحركة وذلك التوقف ، فعرض حركة فضائية أخرى أبطأ من سابقتها ، ومقربة بواسطة الفعل المضارع الذي جاء مرتين في العبارة " تريد أن تشرب الضوء كاملا " وعرض توقفا آخر أطول من سابقه ، وأشد إيحاء بالخشوع والروحانية " تسمرت في مكانها كأنها تصلي " . ومن هنا تعمق إحساسنا بالخشوع والنقاء والروحانية ، وولد التعاطف مع الفراشة .
في المشهد الثاني عرضت حركة محتكة ، متقطعة وبطيئة ، تتخللها بعض الوقفات القصيرة ، بواسطة العبارة المصدورة بالفعل الماضي " أخذ يقترب قليلا قليلا " ونلاحظ أن الماضي بسبب من صدارته في العبارة خلع ماضويته حتى على الفعل المضارع " يقترب " لذا بدت المعاني المرتبطة بتلك الحركة ( السوداوية ، الغدر ) وبذلك التوقف ( التربص ، التفكير في الشر ) باهتة ، لكن النص مالبث أن عمق إحساسنا بتلك الحركة وذلك التوقف ، فعرض حركة محتكة أخرى ، بطيئة ، ومقربة بواسطة الفعل المضارع في العبارة " يمد لسانه اللزج " وعرض توقفا آخر أكثر طولا ، وأشد إيحاء بالسوداوية والتفكير في الشر من خلال " وحين أدرك أنها في امتداد لسانه توقف " ، " طالت وقفته المتربصة " . ومن هنا تعمق إحساسنا بالسوداوية والغدر ، والتربص ، والتفكير في الشر ، وولد النفور من الوزغ .
في المشهد الثالث عرضت حركة عمودية سريعة بواسطة الفعل الماضي في العبارة " حرك ذيله حركتين سريعتين " وهنا حدثت الصدمة لدى المتلقي بسبب تغير نوع الحركة ، إذ كانت مثل هذه الحركة جديدة عليه ، لكنه على أية حال تبين لها معنى أن الزمن الأسود ، اللزج ، المادي قد ابتدأ .. بعد ذلك عرضت حركة محتكة سريعة وقريبة جدا بواسطة الفعلين المضارعين في العبارة " يمد لسانه اللزج ليلتقطها وهي غارقة في بهاء الضوء " ..
في المشهد الرابع عرضت حركة عمودية سريعة لكنها عاجزة عن تحقيق هدفها بعكس نظيرتها في المشهد السابق .. عرضت هذه الحركة بواسطة الفعل الماضي في العبارة " ناوشت صمغ لسانه بحركتين عاجزتين " فبدا للمتلقي أن الزمن الروحاني النقي قد انتهى .. بعد ذلك عرض توقف مقرب جدا لمن أراد التأمل بواسطة الفعل المضارع في العبارة " تستقر تماما في ظلمة فمه المطبق " ثم بعد هذا التوقف أعلن النص انتصار الحركة المحتكة ، بواسطة الفعل الماضي في العبارة " صعد بسرعة متناهية مخلفا الضوء يبكي خلفه " وهذه الحركة وإن كانت عرضت سريعة إلا أنها باهتة بسبب من الماضوية الملتصقة بها ، وبكاء الضوء في هذه اللحظة هو المقرب فقط بواسطة الفعل المضارع " يبكي " لأن التعاطف ليس إلا مع الضوء حتى في لحظة الهزيمة .. بعد هذه الحركة المحتكة السريعة يعرض النص توقفا قصيرا بواسطة الفعل الماضي في العبارة " توقف على سطح الجدار قليلا " لكن حتى وإن كنا أبعدنا مع النص صورة الانتصار إلى الزمن الماضي لحظة الانفعال والتعاطف مع الروحانية والضوء والنقاء ، إلا أننا في لحظة التعقل لابد من أن نتقبل تلك الصورة مقربة بواسطة الفعل المضارع في العبارة " ينزل بها إلى الجهة الأخرى " وحتى تتوقف الحركة تماما " مستقرا في قعر الظلمة " ..
هكذا تم التعامل مع الزمن على ثلاثة مستويات ، أولها مستوى الإيقاف المتمثل في الحقل الدلالي : ( تسمرت ، توقف ، طالت وقفته ، غارقة ، تستقر ، المطبق ، مستقرا ) وثانيها مستوى التبطئة والتسريع ، المتمثل بالنسبة للتبطئة في الحقل الدلالي : ( تصلي ، الزاحفة ، يقترب قليلا قليلا ، اللزج ، صمغ ) وبالنسبة للتسريع في الحقل : ( هبطت ، حركتين سريعتين ، يلتقطها ، ناوشت ، صعد بسرعة متناهية ) وهذان المستويان كانت الكائنات الحية في النص هي التي تتعامل من خلاله مع الزمن ، أما ثالثها فهو المستوى النحوي ، المتمثل في مجموع الأفعال الماضية : (هبطت ، اشرأبت ، تسمرت ، تصلي ، أخذ ، كان ، أدرك ، توقف ، طالت ، اطمأن ، حرك ، ناوشت ، صعد ، توقف ) وفي مجموع الأفعال المضارعة : ( تريد ، تشرب ، تشعر ، يقترب ، يمد ، يدربه ، يلتقطها ، تستقر ، يبكي ، ينزل ) وهذا المستوى كان النص وحده هو المشتغل عليه ، إذ مرة يقرب الصورة الحركية حتى ترى كأنها تشاهد في الآن ، ومرة أخرى يبعدها حتى تبدو باهتة في الماضي البعيد ..
ولكل توقف قصير أو طويل ، ولكل حركة سريعة أو بطيئة ، هدف وغاية ، وقد لاحظنا كيف قرنت الحركة بالمعنى ، ثم بعد ذلك بالشعور ، وكيف أن النص صار يتحكم بالشعور من خلال تحكمه بالحركة ، إبعادا أو تقريبا ، تبطئة أو تسريعا ، إيقافا ، أو تعميقا ، أو تغييرا .
وهناك مجموعة من التماثلات والمفارقات أحب أن أشير إليها قبل أن أنهي حديثي عن هذا النص المثير .. المشاهد بدأت بالإضاءة ، وانتهت بالعتمة .. بدأت ببطولة الفراشة وانتهت ببطولة الوزغ .. بدأت بالتحركات الفضائية المتعاكسة وانتهت بالتحركات المحتكة المتعاكسة أيضا . . بدأت بالحركة المتجهة إلى أسفل وانتهت بها أيضا ، وكان هبوط الفراشة منذ البدء إرهاصا بمصيرها المؤلم .