[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الناطور 
التاريخ:الاثنين 4 اغسطس 2003  القراءات:(3292) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سعد العتيق  
في الليالي القمريّــة , يخرج (أبو سالم) من زقــاقٍ مظلم تجهل تربتــه ضَوْءَ القَمَـر, تسبقه سُحُبُ الدخان من سيجارته إلى ساحة الحارة .. ننطلق إليه .. يخشى علينا من سيجارته فيطفئها بطرف لسانه , يسعل, يعود خطوة أو خطوتين إلى الزقاق فيبصق في الظلمة .. حين يعلق به ضوء القمر نتعلّق به , نتسلّقه شــامخاً كنخلةٍ ربما تموت وتظل واقفـة , نظل متعلقين بـه إلى أن يجلس فوق مصطبة دكانٍ صغيرٍ , مقفلٍ منذ بدأت أقدامنا تتجاوز عتباتِ الأبواب !!.. رفاقي يلتصقون بساقيه الهزيلتين جالسين , وأنا أقف بجواره أحاذي رأسي برأسه لأتسـاوى معه في الطول, فقد سَمِعْتُ أنه كان كثير الأسفار ؛ نَهَمَ بصوته المبحوح لأشرعة الغوص , وحَدَا بِهِ لقوافل الحجيج ..

كان يضحك من المعلمين حين نَقَصُّ عليه شقـاوتنا في المدارس معهم , ويسـخرُ من إمام الجامع , يقول : أنه يقرأ القرآن ولا يراعي أحكام التجويد !!

ويقول عن نفسه : أنـه الوحيد من كبار السِّـن في الحارة الذي لا يبصم على الأوراق الرسميّة !!

يكرهه أولئك الكبار ؛ رغم أن حارتنـا آمنــةً بوجوده مستيقظــاً طوال الليل , جالســاً فوق مصطبةِ الدكانٍ الصغير ..

ـ هه .. أبو سالم ..

يستحثه صوتٌ على الحكاية التي لم نمل من إعادتهــا , وتكرارهـا بنفس الصيغة كل ليلة قمريّة .. يتلفّت , فنتلفّت معــه نبحث عن آخر دائرةٍ لذلك الصوت لنمسك به فلا نجدها!!

نعلم من أمهاتنا أنَّهُ لم يتزوّج . لكنه يقول: أن سالماً (ولده) مات من الجدري صغيراً قبل أن يصل الدكتور(ستورم) بتطعيماته التي أنقذت أطفال بلدتنا من موتٍ مفترض, أو تشوّهــاتٍ جلديّة .. يقول : أنتم محظوظون , فقد حصّنكم ذلكم الإنجليزي بينما لم أستفد من دوائه للسعال! يتذكره فيسعل, يهتز فتصطك ركبتـاه, يقف بصعوبة ليرسل بعيداً عنّـا آثار نوبة السعال .. تتغيّر ملامحنا بقسمــاتِ كآبةٍ هي شفقة عليه من شيءٍ نجهله !!

حين أقترب من أمي ملقيــاً عليهــا عنائي , من نهــارٍ جميلٍ بدأ بحكايات المدرســة, وانتهى بحكاية (أبو سالم) , تشمّ أمّي ثيـابي , ثم تضحك في عيون أبي جاهدةً تؤجل غضبه ..

ـ لن تتركوا هذا المدخن العَفِن حتى يصيبكم ما أصابه ..

حين تنتهي حكاية (أبو سالم) المنتهيــة منذ زمن بعيد , وتبدأ أذرعتنــا في التمدد في الهواء , ونقف للمغادرة بصدورٍ منتفخة , أو ظهورٍ مقوّسـة , ويرتفع رأسٌ من فوق حائطٍ مطلٍ على السـاحة , قبــالـة الدكان الصغير .. يُخْرِجُُُُُُُُُُ (أبو سالم) صندوق التبغ من جيب ثوبه الجانبي, ترتعش يده , يفتحه بصعوبة , يأخذ منه ورقةً شفافةً رقيقة , يدسّ فيها بعض التبغ , يطويها , يبلل بلسانه المحترق طرفيها ليلتصقان , يُدَبِّبُ أحَدَ رأسيها , ويضعه بين شفتيه المسودتين , يشعل رأسها الآخر, يسحب شعلة الكبريت بنفسٍ يحتضر إلى داخل السيجارة , يسعل , يتفل ما علق بلسـانه من وريقات التبغ , يعتدل في جلسته, يعيد صندوق التبغ إلى جيبه .. تستقر السيجارة بين شفتيه دون أن يمسكها بأصبعيه.. أرقبه من ظلِ حائط بيتنا البعيد يلتفت وكأنه يتأكد من خلو الساحة .. يسحب ثوبه وإزاره حتى منتصف فخذيه .. ترقص السيجارة بين شفتيه وهو يعيد الحكاية من جديد , يضغط بثقله على يديه الممسكتين بطرفي المصطبة, وكأنما يريد الارتفاع !!

قبل أن أذهب إلى فراشي , أسأل والدتي التي تنام فور دخولي في المنزل : إلى متى يظل (أبو سالم) يعيد حكايته؟! فتجيبني وهي شبه نائمة: إلى أن يرى رأسَ (أمّ سالم) غائباً عن الحائط !!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007