[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
لوحة لوحة
التاريخ:الأحد 14 يناير 2018  القراءات:(440) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جميله ذياب  
* * *

‏خرساءٌ عُلِّقتْ على حائطٍ صامت ، فارغة إلا من نيزكٍ في فضائها!

أمامها ، وقفتْ شاخصةً ، تطالعها باهتمام .

استوقَفَتْها !

‏تجاوزها الزائرون، غير آبهين، لم يُلقوا لها بالاً، وحدها وقفتْ تقرؤها.

هناك إلتقيتُها..

‏قسمات وجه باردة، عينان ذابلتان، جِيد يُغرِقُ أعتى الغواصين، زاده الشعر ذو القصة المرتفعة جمالاً و بروزاً.

كل ما فيها يدعو على التأمّل،

جمال و ذبول، كيف اجتمعا؟

اطالتْ النظر.. بقيتُ أرقبُها حتى تنمّلتْ قدَماي، حَرِيةٌ بالإنتظار هي.

‏تخطو ذات المعطف النيلي متراجعة للخلف، تطالع ساعتها، تعاود الوقوف أمام لوحتي مدققة النظر.

‏بدت و كأنها تنتظرني بل أجزم أنها ما جاءت إلا لأجلي! استحضرتُ غروري و رتبتُ هندامي، أقتربتُ منها و قد امتلأتُ زهوا:

‏-أطلتِ ؟!

‏رمقتني بنظرة خاطفة، اخترقتني، فأهتز قلبي.. عادت تنظر للوحة كمودعٍ يتلو وصيتَهُ الأخيرة.. بخفةٍ تليقُ بجسدها الرقيق اتجهَتْ صوبَ بابِ صالة العرض وانطلقتْ خارجةً ..

‏وجدْتني ألحقُ بها ككلب وفيِّ .. عبرتْ الشارع للضفةِ المقابلة، كأنما تسارع للحاق بأمر جَلَل.. تبعتها

‏استرقتْ النظر بالتفاتةٍ خاطفة للخلف.. رأتني !

‏عادتْ تحثُّ السّيرَ، تبعتها مُلازماً خُطاها..

بين أزقةٍ مُظْلِمة انخرطتْ فتوارت عن بصري .

خبطتُ الأرض من تحتي راكضاً كالتائه أشتمُّ أثرها، لحظاتٌ و إذا بها تبرزُ لي .. أسرعتْ، فأسرعتُ مزامنا خطاي مع خطواتها كيما أفقد أثرها ثانيةً .

‏ في زقاقٍ معتمٍ خلا من شيءٍ أتوارى خلفه أكملتْ ، وقفتْ أمام مبنى متهالك ، تستمع للهاثي المتعقّب لها .

ولِجَتْ ذلك البابَ و تركتْهُ موارباً..

تبعتُها.. كانتْ تريدُ ذلك.

‏دون أن تنطقُ عرفتُ برغبتِها

‏أصبحتُ قاب قوسٍ أو أدنى منها

‏صعدتُ سُلماً ينتهي بي إلى بابٍ مفتوحٍ على مصراعيه ، يودي لشقةٍ صغيرة ذات حجرةٍ واحدة ، متخمة بالرطوبة ،لا أثاث بها غير مقعد أسود وحيد .

لوحاتُ فارغة عُلّقتْ على حيطانها بنظامٍ , و أخرُ مُسجّاةٌ أُسنِدَتْ لإستانداتٍ مُذهّبةٍ أنيقة .

‏- أَغْلِقْ البَابَ .

‏جُملتها الأولى التي طرقتْ بها مسامعي ، صوتٌ كئيبٌ كعينيها، ثابت كارتكازةِ قوامها.

‏بهدوءٍ لا استحياءَ فيه , نزعتْ ملابسها قطعة تلو الأخرى..

‏ تبتلعُ ريقها ليسيل عبر تجويف عنقها فتمتلئ أوردتها بشبقٍ يزفرُ من عينيها مع كل قطعةٍ تخلعها..

‏اسدلتْ جسدها الرقيق العاري على ذلك المقعد اليتيم.

‏شبكتُ أصابعي بعضها في بعضٍ و قد امتلأتُ نشوةً كادتْ تخرجُ من فوهةِ جمجمتي .

‏أطالع شفتيها..

‏- انْزِعْ الأَغْشِيةَ عن اللّوحِ ، عدا الأخِيرَة .

‏بدأتُ بنزعها واحدة تلو الأخرى

‏كشَفتْ عن وجوه لرجالٍ بملامحٍ متباينة ، يعتصرون قلوب بين قبضتهم .

‏- اجْلِسْ.

‏افرغتْ مِقْعدِها ، لمحتُ ابتسامة باهتة كالطّيفِ فوق شفتيها الظامئتين ، طَفَتْ كالقشةِ على بحيرةٍ راكدة .

‏- تُرِيدُ اللّعِب ؟

‏هززت رأسي موافقاً.. و من ذا يقاوم اللعب معها !

‏دنت مني بعبق لا يشبه العطور..

بينما أقفُ بين يديها مستسلمٌ منقادٌ مأخوذٌ بتفاصيلِ شيطانةٍ شقيّة .. جردتني من كل ساتر.

‏رمتْ بحبلٍ عند قدمَيَّ ، و بإشارةٍ من يديها فهمتُ أنها تدعوني لتقييدهما لبعضهما , فعلتُ و أحكمتُ الوثاق.

إلى المقعدِ قيدتني، تاركةً لي يداً واحدة مُحرّرة ..!

‏- هَلْ نَبْدأُ ؟

‏- ابْدَئِي ، مَاعُدْتُ أُطِيقُ صَبْرا.

بخطوات متهادية نحو اللوحة الأخيرة المغشاة اتجهتْ ، مجددا لمحتُ الإبتسامة القشّة على محياها.

نزعتْ الستار بتباطؤ متعمّد ، كالذي يستلُّ نياطًا من قلب نابض.

‏ما كاد الستار يسقطُ حتى صحتُ فزعاً

‏- هَذا أَنَا ! إنّهُ أَنَا.. فٓمٓنْ هَؤُلَاء ؟

دنتْ و تقرفصتْ عند ركبتي قالت بتهكمٍ جعل الأمور تختلطُ بجنون في رأسي .

‏- تسألني الآن ؟

‏ظننتَ أنّي قرباناً جاء ليرضيك ؟!

‏لتعلم إذن أنّك القربان الذي أقدمه لنفسي حتى ترضى.

‏أمنية واحدة أتاحتها لي.. ناولتني قلماً وَ ورقة.

* * *

جميله ذياب


١٢/١٢/٢٠١٧

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007