حزيران البعيد
كان صوت الملك حسين ما يزال يتردد عبر المذياع الصغير في يد الراعي : " اقتلوهم ، مزقوهم بأسنانكم ، بأظافركم .. " حين نبت في وسط حقلنا نصف المحصود ثلاثة من جنوده يطلبون شربة ماء . قام أبي إلى غِمر القش الكبير ، وأخرج قربة الماء ، وانتصب كالمتردد :
- إلى أين تذهبون ؟
- إلى الأردن .
خرج صوت أحدهم مع لهاثه ، وعيناه تدوران في الجهات .
- فارّون ؟!
نظر الجنود إلى سيقانهم ، ودارت رؤوسهم في الجهات من جديد .
- والقدس ؟
- سقطت .
فتح أبي فم القربة ، وراح يسكب ماءها على التراب :
- لن تذوقوا قطرة .
تبادلوا النظرات دون أن يتغير شيء في وجوههم الذاهلة ، وانطلقوا يواصلون ركضهم شرقاً .
غضبت أمي من أجل الماء المسكوب ، فتركها أبي وغاب في أخدود السيل القريب ، وحين عاد بعد وقت يزيد عما يحتاجه قضاء الحاجة ، لاحظنا احمرار عينيه وأثر الدموع فيهما .
الحاج خليل ابن عم أبي الذي وصل مع جمع الحصادين من الحقول المجاورة أثناء غياب أبي ، هجم عليه سائلاً :
- ما الأخبار ؟
ارتعشت شفتا أبي ، وامتلأت عيناه بالدمع ، أدار وجهه إلى الناحية الأخرى ، وسمعناه يقول من هناك : انهزمنا .
فارق الدم وجه الحاج خليل ، بقي صامتاً للحظات ينظر في وجوه الأطفال ، ثم رفع رأسه إلى السماء : عاجبك ؟! يا ملعون أبوك ..
وارتقى مرتفعاً قريباً من الأرض ، جمع حجارة كثيرة بين يديه ، وأخذ يرسلها واحدة تلو الأخرى إلى السماء على نحو عمودي : ملعون أبوك ، ما ذنب هؤلاء الأطفال ؟ قل لي ما ذنبهم ؟!
كانت الحجارة تعود إلى رأسه ، فيزوغ عنها ، ويواصل إرسال غيرها ، إلا أن إحداها أصابته ، فسال دمه دون أن يشعر .
" يا حاج خليل ، الله لا يرمي حجارة ، هذا أنت فشخت نفسك "
ضحك الحصادون ، ضحكوا بألم ومرارة ، ضحكوا ما عدا أبي ، فقد أسرع ليبكي وحده في أخدود السيل .