إضاءة خافتة هو قلبي ، أنت لم تعد تصغي إليه . أضعتني مرة أخرى . الغياب ، يا له من وحش خطر ! لمَ كنت تُبكيني حين كنتُ لا أجد شيئاً أقوله لك ؟ فألتمس لديك الفهم ، لكني أشعر بأنك تعرفني حتى من غير أن أتكلم فيسوؤني هذا ، وأبكي ، لأني لا أرغب في أن تقرأ أفكاري . أريد شيئاً من الغموض في علاقتي معك . أنت عبقري في فهمي ، فكان الضوء دائما مُسلّطاً عليَّ ، ويكفي أن أقف في مواجهتك كي تعرف الباقي .
إنني مضطربة كثيراً ، كأنما أفقد بالتدريج صلتي بالحياة حينما لم تعد معي في البيت . لم أعد أراك داخلاً أو خارجاً كالمعتاد ، أو جالساً على مقعدك إلى جانب النافذة تقرأ في كتاب ، وعلى الطاولة فنجان قهوتك الصباحي أو المسائي .
هذا أنا من غيرك ، في كل مكان ، بعد خمسين سنة من الحياة مُقيّدة إليك ، إلى ذهنك ، إلى حبك الذي كان مثل أحجية أحببتُ محاولة حلّها طوال تلك السنين ، ربما كنتَ تفعل ذلك متعمّداً ، كي تبقيني متشوقة على الدوام .
هذا المدى ، بيني وبينك ، يصبح موجزاً . تفتح عينيك ، وتنظر إليّ جالسة أمامك بحيوية السنوات الخمسين التي ضمتنا معاً ، وتشعر بأنك لست وحدك . تقول شيئاً مثل : أين أنا ؟ أو تنظر فقط ثم تغمض عينيك ثانية .
وجهك هرم لكن بصبيانية . الابتسامة نفسها التي أحببتها فيك على وجهك الأبيض المتغضن كأنما تسخر ، كما هي عادتك من أشياء الحياة . كنت دائماً تقول : يا لها من حياة ! وأنت تدير ظهرك لها ، في كل وقت . هي لا تخيفك أيها الغالي . كل المشاكل كانت لا تتوقف عندك ، وإن توقفت فأنت لا تعيرها التفاتاً . بعكسي أنا ، أي كلمة تُقال لي ، في وجهي أو من خلف ظهري كنت أحللها ، وأعطي لها عدّة تفسيرات ، وكلها تكون ضدي . لا أحد يحبني كنت أقول لك ، فتضحك ثم تصمت . يريحني صمتك ، أشعر أنني في أمان .
لقد عشتُ عمراً كافياً كي أعرف كيف أحبك فيه ، حب لا يؤذي أحداً . والآن أنا وحدي ، وحدي تماماً ، بلا أحد أتحدث معه . بدأتُ أستمع إلى داخلي ، هل تتخيل ذلك ؟ كان صوت فراغ مظلم كئيب ، أسمعه للمرّة الأولى . لم أعرف من قبل أن هناك فاصلاً بين حياتي وحياتك ، وكأننا كنا مخلوقين في جسد واحد . لم أشعر أبداً بأن شيئاً ما ينقصني .
رأسك المتألم هو الآن على وسادة المرض في المستشفى الذي صرتَ تزوره كثيراً في السنة الأخيرة . أحبك ، أريد أن أقولها لك ، وأن تسمعني ، وأن تشرق عيناك الوادعتان . أحبك ، لكنك غائب عني ، وعن هذا العالم الذي كان مثل الهواء بالنسبة لك حاضراً وغير مرئي .
ـ مرحبا أمي . كيف أبي الآن ؟
ـ هند أهلا حبيبتي . أبوك فتح عينيه لثانية ، أبصرني ، ثم عاد إلى النوم .
ـ كأنما شعر بالاطمئنان عندما رآك فلم يعد بحاجة إلى أكثر من ذلك . لطالما حسدتكما . أنتما تحبان بعضكما أفضل مما يفعل كثير من الشباب . ما السر يا ترى ؟
تتحدث مثل امرأة فقدت الأمل بالعثور على الحب الحقيقي . يا ابنتي ، يا صغيرتي المدللة ، لكم أرثى لك ، يسوؤني حالك ، لم تتعلمي شيئاً مني ومن أبيك . تبقين الحب خارج قلبك ، مهما مرّت عليك من فرص فالنتيجة واحدة .
ـ أظن بأن السرّ هو الاستمرارية والإصغاء . قلتُ ذلك دون أن أفكّر . لقد فهمتْ . كانت ترانا كل يوم ، لكنها كانت تسير على طريق جديد ، وتتعلم من حياتها . الكثير من الآلام والجراح . ولا أستطيع أن أفعل لها شيئا ، هذه حياتها ، عليها أن تتعلم ، الكلام وحده لن يفيد ، لابد أن تسقط وتنهض ، ثم تسقط وتنهض حتى تصل إلى ما تريد . إنها شجاعة جداً ، وهذا يجعلني أحترمها ، فأنا لم أواجه ما واجهته هي ، كانت الدرب مهيأة لي ، وقد وجدتُ الحب لدى رجُلي ، وكل طرقي كانت تنتهي إليه ، وكلما بعثرتني الأيام عدتُ إلى نظامي المعهود مجدداً ، كل هذا لأنه كان قريباً مني طوال الوقت ، لم يتركني للحظة واحدة ، حتى في أحلك ظروفه ، حين يكون سئماً ومتبرماً بالحياة كان يحضنني إليه فنشعر بالسكون يحيط بنا ، وتعود إلينا البسمة ثانية ، ونضحك ببهجة حقيقية .
تنظر إلى أبيها بتلك العينين اللتين لا تحملان أي شعور . قالت : أتعتقدين أنه سيعود معنا إلى البيت في يوم ما ؟
كانت كأنها ليست على يقين من أنه سيبقى حياً . شعرتُ بالرعب ، انتفضت ملامحي ، وظلت عيناي مفتوحتين باتساع دون أن تطرف أجفاني .
لم أستطع قول شيء ، لكني لم أحتمل الفكرة ، بقائي وحيدة ، لكن ماذا لو حدث هذا ؟ ومات ؟ ماذا يحلّ بي ؟ إلى أين ستتجه حياتي ؟ لكني لست على استعداد لذلك . إنني الآن في أمان . كل شيء على ما يرام . لكن لماذا كل شيء يجب أن يدور حولي ؟ وحياته هو ، إن انتهاءها أمر يعنيه هو أكثر من أي أحد آخر ، سيفتقد مكتبته ، وأسفاره السنوية ، وأوقاته المفضلة في التنزه على قدميه قريباً من البيت ، والعناية اليومية بحديقته الصغيرة ، لقد بدأت بعض تلك النباتات التي زرعها مؤخراً تنمو وتظهر أوراقها . كان يحب رؤية القمر ، ويبقي نافذة غرفة النوم مفتوحة في آخر ساعات الليل كي يستطيع أن يرى القمر بوضوح . الاستيقاظ فجراً ، والقيلولة في الظهر ، والاجتماع مع أصدقائه في الكافيه الذي اعتادوا أن يجتمعوا فيه منذ عشر سنوات .
يا الهي إن هذا لرهيب ، لا تدعه يفقد كل هذا ، إنها حياة صغيرة لكن ممتلئة . حياة تكفي كي يناضل من أجلها . ونظرتُ إليه ، وضممته إلى صدري ، وأنا أقول أمام دهشة ابنتي ، لا تمت يا حبيبي ، ابق معي ، حارب المرض من أجلك ، من أجل حياتك ، كن معي ، كن معنا ، لا ، لن أفقدك ، أحبك أكثر من نفسي ، ابق معي ، ليس لي سواك ، وأخذتُ أجهش في البكاء ، ولم أنتبه إلى نفسي بعد ذلك إلا وأنا في غرفة أخرى في نفس المستشفى ، ممددة على ظهري ، وابنتي إلى جانبي تقول لي : لقد أُغمي عليك .