[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حياة صغيرة ممتلئة  
التاريخ:السبت 9 يونيو 2012  القراءات:(971) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : وفـاء العمير  

                              

إضاءة خافتة هو قلبي ، أنت لم تعد تصغي إليه . أضعتني مرة أخرى . الغياب ، يا له من وحش خطر ! لمَ كنت تُبكيني حين كنتُ لا أجد شيئاً أقوله لك ؟ فألتمس لديك الفهم ، لكني أشعر بأنك تعرفني حتى من غير أن أتكلم فيسوؤني هذا ، وأبكي ، لأني لا أرغب في أن تقرأ أفكاري . أريد شيئاً من الغموض في علاقتي معك . أنت عبقري في فهمي ، فكان الضوء دائما مُسلّطاً عليَّ ، ويكفي أن أقف في مواجهتك كي تعرف الباقي .

إنني مضطربة كثيراً ، كأنما أفقد بالتدريج صلتي بالحياة حينما لم تعد معي في البيت . لم أعد أراك داخلاً أو خارجاً كالمعتاد ، أو جالساً على مقعدك إلى جانب النافذة تقرأ في كتاب ، وعلى الطاولة فنجان قهوتك الصباحي أو المسائي .

هذا أنا من غيرك ، في كل مكان ، بعد خمسين سنة من الحياة مُقيّدة إليك ، إلى ذهنك ، إلى حبك الذي كان مثل أحجية أحببتُ محاولة حلّها طوال تلك السنين ، ربما كنتَ تفعل ذلك متعمّداً ، كي تبقيني متشوقة على الدوام .

هذا المدى ، بيني وبينك ، يصبح موجزاً . تفتح عينيك ، وتنظر إليّ جالسة أمامك بحيوية السنوات الخمسين التي ضمتنا معاً ، وتشعر بأنك لست وحدك . تقول شيئاً مثل : أين أنا ؟ أو تنظر فقط ثم تغمض عينيك ثانية .

وجهك هرم لكن بصبيانية . الابتسامة نفسها التي أحببتها فيك على وجهك الأبيض المتغضن كأنما تسخر ، كما هي عادتك من أشياء الحياة . كنت دائماً تقول : يا لها من حياة ! وأنت تدير ظهرك لها ، في كل وقت . هي لا تخيفك أيها الغالي . كل المشاكل كانت لا تتوقف عندك ، وإن توقفت فأنت لا تعيرها التفاتاً . بعكسي أنا ، أي كلمة تُقال لي ، في وجهي أو من خلف ظهري كنت أحللها ، وأعطي لها عدّة تفسيرات ، وكلها تكون ضدي . لا أحد يحبني كنت أقول لك ، فتضحك ثم تصمت . يريحني صمتك ، أشعر أنني في أمان .

لقد عشتُ عمراً كافياً كي أعرف كيف أحبك فيه ، حب لا يؤذي أحداً . والآن أنا وحدي ، وحدي تماماً ، بلا أحد أتحدث معه . بدأتُ أستمع إلى داخلي ، هل تتخيل ذلك ؟ كان صوت فراغ مظلم كئيب ، أسمعه للمرّة الأولى . لم أعرف من قبل أن هناك فاصلاً بين حياتي وحياتك ، وكأننا كنا مخلوقين في جسد واحد . لم أشعر أبداً بأن شيئاً ما ينقصني .

رأسك المتألم هو الآن على وسادة المرض في المستشفى الذي صرتَ تزوره كثيراً في السنة الأخيرة . أحبك ، أريد أن أقولها لك ، وأن تسمعني ، وأن تشرق عيناك الوادعتان . أحبك ، لكنك غائب عني ، وعن هذا العالم الذي كان مثل الهواء بالنسبة لك حاضراً وغير مرئي .

ـ مرحبا أمي . كيف أبي الآن ؟

ـ هند أهلا حبيبتي . أبوك فتح عينيه لثانية ، أبصرني ، ثم عاد إلى النوم .

ـ كأنما شعر بالاطمئنان عندما رآك فلم يعد بحاجة إلى أكثر من ذلك . لطالما حسدتكما . أنتما تحبان بعضكما أفضل مما يفعل كثير من الشباب . ما السر يا ترى ؟

تتحدث مثل امرأة فقدت الأمل بالعثور على الحب الحقيقي . يا ابنتي ، يا صغيرتي المدللة ، لكم أرثى لك ، يسوؤني حالك ، لم تتعلمي شيئاً مني ومن أبيك . تبقين الحب خارج قلبك ، مهما مرّت عليك من فرص فالنتيجة واحدة .

ـ أظن بأن السرّ هو الاستمرارية والإصغاء . قلتُ ذلك دون أن أفكّر . لقد فهمتْ . كانت ترانا كل يوم ، لكنها كانت تسير على طريق جديد ، وتتعلم من حياتها . الكثير من الآلام والجراح . ولا أستطيع أن أفعل لها شيئا ، هذه حياتها ، عليها أن تتعلم ، الكلام وحده لن يفيد ، لابد أن تسقط وتنهض ، ثم تسقط وتنهض حتى تصل إلى ما تريد . إنها شجاعة جداً ، وهذا يجعلني أحترمها ، فأنا لم أواجه ما واجهته هي ، كانت الدرب مهيأة لي ، وقد وجدتُ الحب لدى رجُلي ، وكل طرقي كانت تنتهي إليه ، وكلما بعثرتني الأيام عدتُ إلى نظامي المعهود مجدداً ، كل هذا لأنه كان قريباً مني طوال الوقت ، لم يتركني للحظة واحدة ، حتى في أحلك ظروفه ، حين يكون سئماً ومتبرماً بالحياة كان يحضنني إليه فنشعر بالسكون يحيط بنا ، وتعود إلينا البسمة ثانية ، ونضحك ببهجة حقيقية .

تنظر إلى أبيها بتلك العينين اللتين لا تحملان أي شعور . قالت : أتعتقدين أنه سيعود معنا إلى البيت في يوم ما ؟

 كانت كأنها ليست على يقين من أنه سيبقى حياً . شعرتُ بالرعب ، انتفضت ملامحي ، وظلت عيناي مفتوحتين باتساع دون أن تطرف أجفاني .

لم أستطع قول شيء ، لكني لم أحتمل الفكرة ، بقائي وحيدة ، لكن ماذا لو حدث هذا ؟ ومات ؟ ماذا يحلّ بي ؟ إلى أين ستتجه حياتي ؟ لكني لست على استعداد لذلك . إنني الآن في أمان . كل شيء على ما يرام . لكن لماذا كل شيء يجب أن يدور حولي ؟ وحياته هو ، إن انتهاءها أمر يعنيه هو أكثر من أي أحد آخر ، سيفتقد مكتبته ، وأسفاره السنوية ، وأوقاته المفضلة في التنزه على قدميه قريباً من البيت ، والعناية اليومية بحديقته الصغيرة ، لقد بدأت بعض تلك النباتات التي زرعها مؤخراً تنمو وتظهر أوراقها . كان يحب رؤية القمر ، ويبقي نافذة غرفة النوم مفتوحة في آخر ساعات الليل كي يستطيع أن يرى القمر بوضوح . الاستيقاظ فجراً ، والقيلولة في الظهر ، والاجتماع مع أصدقائه في الكافيه الذي اعتادوا أن يجتمعوا فيه منذ عشر سنوات .

يا الهي إن هذا لرهيب ، لا تدعه يفقد كل هذا ، إنها حياة صغيرة لكن ممتلئة . حياة تكفي كي يناضل من أجلها . ونظرتُ إليه ، وضممته إلى صدري ، وأنا أقول أمام دهشة ابنتي ، لا تمت يا حبيبي ، ابق معي ، حارب المرض من أجلك ، من أجل حياتك ، كن معي ، كن معنا ، لا ، لن أفقدك ، أحبك أكثر من نفسي ، ابق معي ، ليس لي سواك ، وأخذتُ أجهش في البكاء ، ولم أنتبه إلى نفسي بعد ذلك إلا وأنا في غرفة أخرى في نفس المستشفى ، ممددة على ظهري ، وابنتي إلى جانبي تقول لي : لقد أُغمي عليك .  

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007