[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مـدهون 
التاريخ:الأربعاء 16 مايو 2012  القراءات:(954) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : منى العبدلي  
ما كان لي فيما سُميت به من نصيب ذلك أن أيامي بمدهون مضت.

* * *

* * *

كانت تبكي فيتسرب بكاؤها كما العدوى إلى نفسي واحتدم وتشتعل رغبتي في البكاء دون أن أعرف معنى له، وكانت تتوجع وتتألم ويدي تجوس خلال جسدي الصغير بحثا عن مكامن الألم بينما هي ترسل صرخة ضاجة مشحونة بتفجع ما كنت لأستطيع فهمه آنذاك إذ بدا لي أن الأمر عسير وبداخلي انتشر فراغ مدو جعلني معدوم الوزن في ذلك الفضاء الشاحب .

ــ أوووف يا حسرتي ...

وكنت اصغي لهذه الحسرات بلا فهم رغم ما لصرخاتها المتتابعة من حرارة تطال جوفي فتضطرب نفسي لهذا البكاء المرير ويثير في قلبي الهلع ضاغطا بكل ما أوتيت على مقبض الباب الذي أرتعد هو الآخر أو هكذا تخيلت أن الأبواب ترتعد مثلنا نحن البشر وتهتز لكنها تعود صامتة كما كانت محتفظة بالأسرار وبكل ما شهدته آنفا فيما تنؤ بها صدورنا. كان صرير الباب يزيد خوفي فأتراجع للوراء، ثم حين يخفت صوتها أعود متلصصا من ورائه لألمحها وهي مسجاة تحيط بها نسوة متشحات بالسواد يتبادلن كلمات يقصر عقلي عن فهمها , ووددت لو كانت لي الجرأة لإطلاق مقبض الباب والتلصص قريبا حيث هي ملقاة فأستبين أكثر . راح يخيل إلي أنها ستلتفت في أية لحظة ناحية الباب حيث أقف وعيناها يتقد منهما الشرر ثم ستنهض فجأة بشعرها الثائر مسرعة نحوي لتمسك بيدي . اغمضت عيناي رعبا ويدي ومقبض الباب يسبحان في عرقي وشعرت بأن شعاعا ساقطا من كوة في غرفة مظلمة لا يقع إلا علي أنا لأبدو لها في بقعة الضوء تلك صغيرا هلعا عاجزا عن الإتيان بأي حركة وقد توزعت نفسي ما بين الصمود في وجهها أو الفرار بحياتي غير أني لا زلت مصرا على أن أتابع هذا المشهد، ويا له من خبر ذلك الذي سأزفه إلى الرفاق.

كان صوت بكائها يتجاوز صمت الأبواب المغلقة، نحيب تارة وتارة أخرى شهقات متواصلة ثم تستحيل إلى عويل وصراخ يصم الأذان وتعجز الروح عن احتماله كما لو أن السماء أطبقت على الأرض باعثة الرعب من أسفل طبقاتها حتى علياء السماء، وحين كان يخفت البكاء أعود لأختلس النظر متحديا كل ما زرعه في نفسي من اضطراب ورغبة في حمل الأخبار للرفاق .

كانت تتلوى وسط النسوة وكأنما لدغتها حية وكنت ألمح صدرها يعلو ويهبط حتى ظننت أني سأشهد انفجاره في أية لحظة وشئ ما يتمكن من نفسي لم أدركه إذ أن شعور الفزع قد صرفني عن التفكير به وحلت محله أفكارٌ غامضة لم يقو عقلي عن متابعتها ولم أكن لأحسب يوماَ أن الكبار يبكون، ظننت أن البكاء من مهام الصغار يستدرون به عطف البالغين للحصول على مبتغاهم، أو يتحسسون بالعبرات الساخنة مواضع الألم حين يقصر الكلام عن البوح والتعبير عما يدور في النفس

ــ مدهون وصمخ وش تسوي عندك!!

وقبل أن اتمكن من الالتفات لمعرفة صاحبة الصوت الأجش كانت يدها بثقلها وخشونتها قد اطبقت على عنقي ، أحسست بالهواء يتلاشى وأن رئتي ستنفجر هي الأخرى , حررتها بصعوبة من تلك اليد الخشنة ووليت هاربا من خلال الزقاق الضيق الذي تخنقه البيوت المتراصة على جانبيه غير آبه بالأولاد الأشقياء الذين عادة ما يتربصون بي في زواياه ، فيما كنت اهجس بما سأقوله للرفاق عن تلك المرأة وصدرها المنتفخ وأن البكاء ليس حكرا على الصغار فقط . لكن هلعي من صورتها التي أخذت تزايلني وعينيها اللتين رمقتني بهما وتلك اليد الخشنة التي اطبقت على عنقي تثيران في نفسي المزيد من الرعب فأطلق ساقاي للريح وكل ما هجست به النفس اختلط بطين الأرض ورطوبة ما تسرب بين قدماي.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007