في ليلة من ليال الشتاء الباردة.. جلست على كرسيها الخشبي ، بالقرب من مدفئتها المتقدة بنار من حطام ذكرياتها. تلفحت بوشاحها الصوفي، ونظرت بإرجاء المكان الخالي إلا من صوت أنفاسها، وكأنها تبحث عن أنيس يؤنس وحدتها المخيفة. أرتجفت ، وسرت قشعريرة بجسدها النحيل. ضمت وشاحاها بقوة ثم دنت من مدفئتها تلتمس المزيد من الدفء .. همست لذاتها: " جليد ، كل ما حولي جليد!! يا ألهي..لا أرى حولي سوى اللون الأبيض ، ولا أشعر إلا ببرودته. كم أحببت هذا اللون سابقاً، لكني اليوم أمقته. كم أشتاق لرؤية الألوان الأخرى! فما أجمل لون النار لأنه لون الدفء، وما أعظم لون البحار والجبال والأشجار .. فهي ألوان الحياة، فآة كم أشتاق لهم!
سقطت من مُقلتيها دمعة، فأسرعت لتمسحها بكفها البارد .. أبتسمت بسخرية وقالت: " أخيرا لمست ماهو دافئ"نهضت بتعب ، وقررت الأستلقاء على سريرها الذي تدعوه ( التابوت ) ودفنت جسدها تحت الفراش ( التراب) علها تجد بعض الدفء ، وتلوذ بالفرار من همومها بالأحلام.تقلبت على فراشها كثيراً، وبكل مرة تهب النسائم الباردة، فتؤرق أنسجام الساكن الجديد بجسدها .. الدفء. تنهدت بقوة أنحدار جبل جليدي ، فقد زارها الآن الهاجس اللعين ، الخوف ! رفضته بشدة وأستعانت بذكر الله . أغمضت عيناها بُغية السلام.فدار شريط الذكريات بداخل عقلها الباطن ، ليعكس صورته أمام عيناها.تذكرت طفولتها المشردة ، مع والدة مطرودة من زوج مدمن، تهيم بالشوارع مع هذه الفناة التي لم تتجاوز الخمس سنوات.غفت وبداخلها ألم الذكريات.. ونهضت وهي تتألم من برودة الشتاء.
...............