[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نداءات أواخر الخريف 
التاريخ:الاثنين 23 مايو 2011  القراءات:(1610) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : مشبب ثابت  

 

 

نحن لانعيش فصول السنة مثل غيرنا، نعيش نصف العام نتدثر من البرد، ونعيش نصفه الآخر نتحلل من تدثرنا ونستسقي الهواء. متفردون في كل شيء، من لفتة الحب حتى لسعة الغضب.

لست متأكداً في أي فصل نعيش. أقترض أننا في الخريف، وسأستعيد مجدداً نداءي المشروخ، أرممه من جديد وأطلقه، عله يصل قبل نهاية الخريف، ولا أدري متى ينتهي…

.

.

(1-6)

لستُ حزيناً جداً. كل الأحداث التي تراكمت على صبري في الأيام الماضية لم تقصم ظهري بعد. صحيح أنه انحنى بشكل فاضح ومثير للسخرية ولكن دائما يبقى مكان لحزن جديد، وخيبة أخرى.

الأوجاع المتوالية يرقق بعضها بعضاً، بل يلغي بعضها بعضاً بجبروت وتكبر. المشكلة أنك لاتعيش حزنك بشكل كافٍ لإنهاءه. تنتقل منه مبكراً. كل وجع يبتر الوجع الذي قبله بشكل مشوه، تبقى الأوجاع مقصوصة كأعقاب سجائر. ويبقى القلب متسخاً كمنفضة سجائر مهملة في مقهى معزول لايزوره أحد، ولاينظفه أحد

قطرات المطر تتراكم أمامي كأنها قطع حديد، والعالم بلا أسقف، الصغار يبكون خشية الموت وأنا أضحك لأقنع المطر أن قطرة ماء لن تميتني، وأن الصاعقة لن تجد أمامها -إن واجهتني- أكثر من ابتسامة هازئة فيموت الأول منا. لستُ شجاعاً باختياري، ولن أكون جباناً لو كان لي الخيار. الأمر شديد السخرية، شديد الغرابة، وأختبره للمرة الأولى في حياتي

هل جربت أن تعيش حياتك شهرين شهرين بدلاً من أن تعيشها يوماً بيوم؟ تصحو في السابعة من صباح اليوم الأول، تغسل وجهك في السابعة والربع من اليوم الثاني. تذهب إلى مقر عملك في الثامنة من صباح اليوم الرابع، تعود من عملك في الثانية ظهراً في يوم تائهٍ أواخر الشهر، تنام ستة أيام أو أكثر قليلاً. تعود لمزاولة حياتك في بداية الشهر الثاني، تسهر حتى منتصف الشهر وتقضي بقيته نائماً.. ستكون حياتك قصيرة، ثقيلة، ومترددة.

أنا مختنق بالشهرين الماضيين في كل يوم، أعيش في فلك الذكريات الموجعة، وتكرار الأحداث والمشاهد قبل أن أبني تطلعاتي بناءً على تراكمها. وفي صباح اليوم التالي تختفي آثار اليوم الأول من الشهرين الماضيين ليحل مكانه يوم أمس. بذلك يكون الانتقال ثقيلاً. كأني أعيش حياتي شهرين شهرين. حياةً متدحرجة بتثاقل. لا أمس لها، والغد أقرب من التفاتة خائف

لسنين تطاولت فكأني لم أعش إلا بضعة أشهر. وأرى عمري القادم قصيراً كأني لن أعيش الا بقية اليوم، شابَ شعر رأسي أسرع ممايجب.. احدودب ظهري أكثر مماينبغي وانكسر قلبي فسمع صوت انكساره أوغاد كثر وطيبون لاتأثير لهم. حزنت حتى ابيضّ صدري من الداخل، صار تجويفه جافاً يؤلم الرئتين ويجرح أطرافها

لم يغضبني أن تآمر عليّ شرار الخلق. ولم يزعجني أبدأ أن نهش يدي كلب عابر، ولكن يحز في نفسي أن تبقى جروحي القطعية والثقوب النافذة واضحة على جسدي، فيظن من يراني أن المطر هزمني، وكذلك الكلاب العابرة، وأنكد الناس.. لا يمكنني إنكار ذلك على كل حال.. تمنيت لو أن بإمكاني إنكار بعض هزائمي أو توريتها حتى تلتئم.

لستُ حزيناً جداً. ولا أدعي الفرح. بي رغبة حادة الصدق في التخلص من الشهرين القادمين، أهلكني التوجس والترقب. الخيبة القادمة لم أجرب مثيلاتها من قبل، أخشى أن انكسر

.

.

.

.

(2-6)

يابنت الحياة، يا أم الحنان وأخت الحب الأصيل. ياعائلة الدفء الدائم، وقبيلة التحمل الحاني، إليك أشكو حياة لم أعشها، ومرضاً لم أكسب أجره ولم أسلم من ضيمه. أنا الناقص ياكمال الناقصين، القصير ياتطاول المؤمّلين، أنا مبحوح الصوت ياصافية السمع، المتلعثم ياجابرة عثرات اللسان. إليك يصعد الحب متوارداً كطيور النوارس، وينزل الشوق طيباً كألذ الفواكه، وآتيك محملاً بكل الأشياء النبيلة، متجلداً بصبر المحاربين القدامى، محيطاً بك من كل صوب، وأمتلئ بك في كل جانب.

يافاتنة، يا ابنة أكرم الرجال، وابنة ألطف نساء الكون. يا أصيلة النسب. ياذات الدين. يامن جمعت كل الفضائل. يابارعة الحزن، ياصادقته، ياسيدة الخبث الأنثوي العفيف. يا أستاذة الغزل وأرق من تتحدث بلغة العاشقين، ياقصيدة الغاوين الأولى. وتمتمة المحوقلين الأصفى. ياطاهرة، يامبهرة. يا استعلاءً لاسقف له. وقرباً لايضره التباعد. ياطيبة قلب القساة، وحزن المتفائلين. وتبسّم المقهورين.. أكملي جمال اللحظة الهاربة وانسي أمر الرحيل

تربت يداي إن لم تسكنيني. خاب سعيي إن لم تكوني منتهاه. أنا بلادك البعيدة، وصحراءك الخاوية، أنا الأرض التي لامطر فيها ولا صوت ذئاب، أنا لك أقل من جنة وأكثر من دنيا، أقل من عذاب وأكثر من توارد أحداثٍ لاتسر. أنا النقص الذي تشتهينه، والبرد الذي تحنين إليه، أنا الخواء الذي يثير شفقتك، والبساطة التي تزيدك اندفاعاً وجسارة. أنا دفترك ياقصيدتي المحكية، أنا مرسمك يا أرق الريش، قفلك يا أكثر المفاتيح عناداً وصلابة. وفري على مقتنيك عناء البحث وأفتحي أبواباً لاتفتح إلا برضاك

ياملكة يكاد يفتك بها التواضع، وامبراطوارة لاتجرؤ على الظلم. إليك تحنو جيوشاً لاحدود لها. كلها بارعة الولاء، كلها صادقة الشجاعة، كلها أنا.

سيريني إلى الشرق حين تشتهين غزو الصين، وبإشارة صغيرة غيري اتجاهي لأجتاح شرق أوروبا وغربها، جيشك المطيع لايبغي إلا رضاك. والعالم بفضله مسرحك وملعبك.

تطاولي في أمنايتك قليلاً. أطلبي من الشمس أن تغيب، سأتآمر على كل الدنيا لتغطية السماء من فوقك. جربي أن تقولين لشخصٍ أن يموت، سأكون أكبر القاتلين مهارة وخفة. جربي أن يشتهي دلالك تفاحة بعيدة المنال فسأكون آدم من جديد. واقطف من مزارع الدنيا مايتنافس على قضمتك.. قبل أن أحسده بشهوة الأطفال اللاهثة

لستُ حزيناً جداً، ولا يبقى بحضورك من الحزن شيء. أنا معك أنسى أن هناك ليل تكسرني ظلمته، وأن هناك مطر يوجعني قطره، وأن هناك بشر قد أحادثهم كل صباح

.

.

.

.

( 3-6 )

أنا فلاح ابن فلاح. أجيد زرع الأمنيات كما أجيد زرع الخضار. أشق طريقي إليك كما أشق الأرض حرثاً. وأنزع الحشائش والحصاة تماماً كما أزيل العقبات التي بيننا. أخشى الصقيع وفراقك. وينهكني شح المطر وحزنك. أما المحاصيل إن جاءت شحيحة فتنحصر كل أمنياتي في جني ماوفره لي الطير، وجني أكثر الوقت معك.

تنعقد خيباتي على عتبة بابك. تلتفّ كأنها حبل محترق قبل أن تختفي وتصبح أثراً بعد عين. أنا أكثر الشجعان خوفاً، وأكثر الصادقين كذباً. أقسم لك كل يوم أني أحبك أكثر، وتنعقد حاجباك حيرة. لا أنا أكفّ عن الحلفان فترتاح شكوكك، ولا أنتي تصدقيني فيرتاح يقيني. لن تعرفي أبداً إن كنت أكثر العاشقين فشلاً أم أكثر المخادعين صدقاً، ولن تعرفي مقدار حبي لك على كل حال. وهنا بؤس العاشقين، يبقى ميزان الحب عند كل طرف متأرجحاً بين الزيادة والنقصان، بين التأكد والشك، حتى تنهار إحدى الكفتين بعناد ناقص أو ينكسر الميزان بفراق محتم. أما أنا فمصدقك، وكفتك في الميزان لاتنقص أبداً ولايمكنها الزيادة ارتفاعاً. بقربك أرضى دائماً بالقليل، في كل وقت، ياكل شيء

يامن يتوه الوقت في عينيها، وتضيع كل الأوزان بين راحتيها، يامن تتمزق الذكريات قرباناً للحظاتٍ معها، ويتعارك الناس إشفاقاً من وقع خطواتها. يامن لاينساها الساهر ليلاً، ولايذكرها من بقلبه المرض نهاراً، يامن اتشحت بالبياض فصارت كثوب نقيّ لادنس فيه. واكتست باللون الأحمر فضيّع الدم لونه، ونسي الناس لون الشفق، ولم يعد للون الورد أي معنى

أنا البدوي الذي تحبين شهامته، القرويّ الذي تعشقين بساطته، المدنيّ الذي لاتكرهين منه شيئاً. أنا الخليط الذي يسرك لقاءه. لم أضيّع أصلي ولم أتجاهل حاجاتك ونفسي. لي عشرات القلوب نصفها يحبك، ونصفها الآخر يتوق لحمل حزنك عنك. بادليني أوجاعاً لاتستحقك بهناءٍ لاحاجة لي به قربك. قربيني أكثر، لا أنا فراشة يقتلها النور ولا أنتِ بموجعتي ولو حصل الضيم بظاهر فعلك.

لستُ حزيناً جداً، أنا عاشقٌ جداً. لايكدرني إلا ذاك السؤال الساخر الذي يطلقه صارخٌ لا أراه ولا أتبين صوته بوضوح، يلمز للفراق كل حين قائلاً: أتظنني غافل عنك؟!

.

.

.

.

(4-6)

أنا خائف يامحمد. أحنّ إلى قريتنا وكأنها خارج الحدود، وأكره هذا الحي وكأنه كل البلد. لم أعد احتمل أصوات المنبهات، ولا منظر تراكم السيارات، أذناي أعياهما الصخب، أنفي امتلأ سموماً وروائح خبيثة ورأسي تضاربت فيه أفكار لاتخلو من السم. أما قلبي، الضعيف المسكين الرخو فقد تضاءل وتقوقع، صار ينبض ولاينبض، يحب ولايحب، وامتلأت دهاليزه الصغيرة كرهاً وحقداً. هذا الحي المليء بالبشر خاوٍ على مافيه، كلما زادت أنواره زادت وحشتي، وزاد خوفي يامحمد.

أحن إلى قريتنا القديمة، ليس الحنين للقرية كونها منبع الطفولة ولكنه حنين غريب لأشياء لم أحبها يوماً. أصوات المعدات في المزارع، رائحة الأغنام والغبار الذي يتبعها، الوجوم والأحاديث المقصوصة حين يغادر القوم المقبرة، الاجتماعات الثنائية السرية التي يعرف الجميع كل مافيها، الأمهات اللائي ينادين أبنائهن بذات الترتيب، والأبناء يتشاغلون عن تلك النداءات بمزيد من الصخب، أبيات الشعر السخيفة التي كنت أؤلفها وأتخيل نفسي ألقيها وأمنّي النفس بأن أكون شاعر القرية الأول، أقصى طموحي أن أحل محل شاعرها الأعور، ذو الابتسامة البلهاء، الذي يحبه كل الناس بذات البلاهة.

من يخرجني من هذه المدينة حياً وله نصف سنيني؟ من يبادلني سماءً لامطر فيها على أن أعطيه شموساً لاتغيب. من يرشدني إلى الظل وينسى بعدها برد الشتاء، وطول ليل الشتاء، وحزن الشتاء.

لنا وطن يامحمد يكرهنا ونكذب عليه، يساوم بأرواحنا ونحن نغشه. لنا وطن لايحتمل بقاءنا ولانرغب العيش فيه. سئمنا تأمل السعداء خارجه وهو ملّ من تمني زيارات المواطنين الأمثل من خارجه. لنا وطن ياصاحبي يمن علينا نسمة الهواء، ونستكثر فيه قطرة العرق. لاهو يحمينا ممن يغزونا فرادا ولانحن ننصره حين تغزوه الجماعات. لانحن احتملناه فصدقنا ولاهو احتمل بؤسنا وأحبنا. لن يتوقف ظلمه يوماً لأنه ليس ظالماً في الحقيقة، ولن نحاربه أبداً لأننا لسنا ثواراً ولاخارجين.

المعادلة سهلة ومقروءة والتاريخ لا يواري الخدعة أكثر من عشر سنوات، عشر سنوات هو العمر الافتراضي لكل الكذبات والخيانات الكبيرة. الوطن غالبا يضع ثقته فيمن لايستحق ويخيب ظنه متأخراً بعض الشيء، ونحن دوماً نلوم من لايلام، ونعي الحقيقة متأخرين جداً.

أنا خائف يامحمد، أخاف المطر، حركات الطيور المفاجئة، الأطباء الشعبيين، بائع الأغنام الكذاب، موظف البنك المتكلف في أناقته وكلامه، المتصلون الغرباء من أرقام هواتف ثابتة، أخاف من الرسائل النصية التي تأتي بالخطأ، وأخاف أكثر حين أكون أنا البادئ في الخطأ. أخاف التجمعات الكبيرة، ونظرات النسوة في الأماكن العامة، وارتطام الأطفال بي. أخاف من جارنا الأعرج ومن إمام مسجدنا حين أتأخر عن صلاة العشاء. أخاف المصاعد الكهربائية، السيارات القديمة، الطائرات وكل المعابر. أخاف من الغد. أخاف من العشر دقائق القادمة، وأخاف في كل يوم جديد من كل فعل جديد ومن ردة الفعل المباشرة له، هذه المدينة سريعة جداً، وأنا كمن يحبو بموازاة آلاف الراكضين.

هذه المدينة المتأرجحة تعلم الناس فن التسلق. أنا لا أحسد الناجحين ولكني لا أحبهم، لا أكره الفاشلين ولست بالضرورة منهم. أنا دائم الوقوف في المنتصف ولست معتدلاً. ضائع بين رضاي القريب وغضبها الذي لانهاية له. المتسلقون يُسقِطون عليّ الأحجار بغزارة.. وأنا أتلقاها قناعة ولا أتفاداها بقصد التضحية. حائرٌ في المنتصف، لا الأحجار تتوقف عن الهطول، ولا الأوغاد يخففون تسلقهم، ولم احتسب من ذلك شيئاً فأكسب أجره.

لستُ حزيناً جداً، ولكنني خائف، تورم رأسي، وتجرح وجهي من أثر الأحجار المنهارة، ليس عسيراً أن أسمع نصيحتك وأنت تناديني: (اخفض رأسك، دعها تمر).. ولكن بربك يامحمد قل لي إن فعلت ذلك.. من للضعفاء المستظلين بصمودي؟!.

.

.

.

.

(5-6)

يمكننا أن نكون معاً كل الوقت. أعني أن وسائل الاتصال الحديثة والمتعددة تجعلنا نكون معاً كل الوقت، بكل الأشكال، وبكافة التغيرات اليومية والمزاجية. لم يعد عسيراً أن أعرف كل توجهاتك وأفهم رؤيتك من كل الزوايا لكل الأحداث. وتعرفين عني كل تلك الأشياء.. مالذي يمنعنا من التعاطي مع الأمر؟ مالذي يمنعنا من التغير سوياً، ويساعد أحدنا الآخر في فهم الحياة أكثر والاستمتاع بها أكثر؟ انتهى زمن الجمود. الزمن تجاوز الصامدين في وجهه، تجاوز كل متارس المتحسسين وقلاع المتأخرين. لنتكلم أكثر، صدقيني.. لم يعد للصامتين مكان.

كلميني كل دقيقة، وأنا سأهمس لك في كل ثانية. أتنفس قربك، وتشربين هناءً بارداً أعددته لك. حادثيني صوتاً صورة أغنية، وسأرد عليك قصة قصيدة مشهداً. دافعي عن حبنا بعناد النساء، وأنا سأقاتل لأجله بكل جلد الرجال. اجعلي حبنا قصة تتزود بها صديقاتك وسأجعل عالمنا رواية يترجمها المهتمون. لم نكن سراً يُخشى إفشاؤه ولن تكون حكايتنا مملة أو عابرة. هل تحسنين سرد الحكايات؟!

تعالي نعيش قصة لاتكتمل. بالطبع لايوجد قصة كاملة، في معظم القصص تتم مواراة النقص بتعمد. يمكننا أن نتجاوز النقص لو أردنا، أو أن نركز عليه أكثر لتزداد الهوة، يبقى الأمر مرهون بصمودنا. أما أنا فلا أحب أن أسرد قصتين، قصة ماقبل العناد وقصة مابعد الشقاء. لي معك قصة واحد سأسردها دائماً بتلذذ، أواري نقصها سرداً، وأقربها -بمعيتك- للكمال عيشاً

قصتنا هي كل ما أملك، هي كل ما أخاف عليه، لا أعلم مالذي يخبئه لنا الخريف في نهايته، ومايخبئه منتصف العام. لست يائساً جداً، ولكني قليل الحيلة، منكسر الخاطر، ظهري لايحتمل أي حمل. وحين أسندته على جدار وجدت الجدار مائلاً، أنادي ولكن ليس أمامي إلا جماعات من الصم. ألوح بكلتا يديّ ولكن أحداً لم يلتفت. وحين فكرتُ أن اكتب لهم تذكرت أنهم لايقرأون

في هذا الوقت من كل عام يضيق صدري، ليس الأمر أنه ارتبط بأحداث سيئة أو توافق معين، ولكن الأمر أشبه بمواسم الطيور. أنادي الراحلين بيأس، وأدعو للفسقة بالحاح، أكلم الأموات، وأتجاهل الذين أقابلهم، اشرب سموماً وأرفض أجمل العطور. أصاب بداءٍ غريب ينتهي بعد أسابيع. لا أنا تطببت ولا هذا المرض الموسمي تركني وعافيتي.

أخشى عليك من مواسمي يازهرة الربيع، أخشى الصقيع والبرد والمرض والذبول والجراد وقوافل المواشي. أخشى عليك الحزن والهمّ والكدر والانكسار وسوء الروائح وجهل العابرين. أخشى عليك من سوء النهاية ياقصتي البديعة

.

.

.

.

(6-6)

زورت بطاقة اثبات الشخصية، وجواز سفري، أطلت لحيتي ثم قصرتها، ولبست نظارة غريبة الشكل، عرضت نفسي لصدمات نفسية حارقة وأقحمت نفسي في صراعات ومشاكل عنيفة، تعمدت كل ذلك لأغير شكل حزني علّه يكون أقسى قليلاً أو أرقّ، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، لم استطع تغييره أو إعادة تشكيله، مازال يتشكل بهيبة القادرين. يعيث في صدري فساداً لاتردعه الدموع، ولا ينقص من جبروته استجداء الكتابة

إنني قصيرٌ جداً، وضخم.

أنا أضخم الناس تورماً من الداخل، وأوهنهم جسداً. ماتت كل الخلايا المبتسمة في جسدي، وجفت عروقي إلى الخارج حتى بانت مساراتها. جفت الدنيا من حولي، العالم صار أشبه بنهاية المحرقة، ولم أعد أرى السماء.

نسيت كل الأغنيات. نسيت رائحة الصباح، نسيت أشكال الجدران.

نسيت ترتيبي بين إخوتي، وأسماء أبناء عمي، وتفاصيل الذكريات الجميلة. أتيت مخنوقاً أحمل طرف الحبل، أنادي من يفك وثاقي والمفاتيح بيدي. ألعن الظلام واصبعي على مفتاح المصباح. أتيت أتخبط في بحر هائج كله كلمات عتيقة، ذكريات بائسة ومستقبل يرهقني التفكير فيه.. يكمل سلسلة الظلمات.

ياتاركتي وكل عالمٍ لايغني عنك، أين المفر من عالمك؟ وأنا المرتبط بك حياة وموتاً، المنبسط إليك ضحكاً وبكاءً. الهارب منك خوفاً وسكناً. المطرود من رحمتك ظلماً وبهتاناً. العائد إليك حباً يرضي أنوثتك الطاغية. لاتركني إلي تركي بهذا الحال، لاتأمني ذنب المضيومين. خلاياي لاتحتمل أكثر من موت. وقلبي لايصبر على فقدين متتاليين.

يا أماني وسكينتي وبقايا رحمة الله عليّ ولطفه، ستبقى أمنياتي معلقة بطرف الكلمة الأخيرة، أزيد في كل يومٍ وثاقي بها ولن أنفكّ. وأملي بالله دوماً كبير. ستكبر الكلمة لتصبح جملة، وتتشكل الجملة لتصبح وعداً، وأتشبث بوعدك أكثر. وأعلم أنك ستفين بوعدك، ألستِ أوفى النساء وأصدقهن؟!

لست حزيناً جداً، كل الأحداث التي تراكمت على صبري في الأيام الماضية لم تقصم ظهري بعد، ونداءاتي لن تنتهي بنهاية خريفٍ لا وجود له. حتى لو لم يسمع نداءي إلا أنا بتردد صداه. اتحمل الشتائم عن غيري، أتقبل صادق الدعوات عن من لايستحق، أشفق على نفسي بنفسي، أو ألعنها نيابة عن بقية الشعب المغلوب على نفاقه.

نحن نعيش في أرضٍ لا خريف فيها وندعي أن أوراق الشجر تتساقط علينا، نحمل المظلات الخفيفة ولاتمنعنا من الصخور المنهارة. نلبس الكمامات الشفافة لتمنع عنا الهواء قليلاً ولكنها لاترد اللكمات، نحاول الانعتاق من آلاف القيود فننفك منها لقيود أشد قسوة. نحاول الهروب من آلاف المُطاردين لنرتمي في أحضان ملايين الحاقدين، نرهق أنفسنا بمحاولة العيش كما يعيش الآخرين قبل أن نصدم بموتٍ لايشبه موتهم. يموت الواحد منهم وقد أجيبت كل أسئلته، ويموت الواحد منا وفي فمه ألف سؤال، وفي قلبه عدة إجابات مكتومة، يعتد بكتمانها رغم أن نصفها -للأسف الشديد- خاطئة.


w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007