[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أنثى ورقية أنثى ورقية
التاريخ:الأربعاء 28 يوليو 2010  القراءات:(134) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : مُنى خِليفة الحمودي  
نسمة من البرد تسللت من مكان ما..،الوقت يزحف بثقلٍ..،مازالت تمتلك الوقت للحديث معه،لغتها الوحيدة الصمت..،وكل ما ورثته صراحتها القاسية، وقلبها السقيم الذي رفض الاستسلام لغي الأوهام والسراب,,!!

أنين مقلق يجتاح البيت،ينبعث من أرواح متوارية نحو البيات الجليدي المتصحر..،كل الذكريات تحولت إلى نثار من ضوء يصعب اصطياده،تتدافع النداءات العميقة من غياهب السكون ..،حوارات عنيفة.. صاخبة.. عنيدة ..و مستسلمة تزلزل أركان الصمت في ذاتها..،تسترجع ذكرياتها معه..،وتجمع اللحظات المسروقة لتطوحها في فضائه وتبعثرها كالفقاعات في صخب سكونه..

كان يعتزل مع تلك التي اجتاحت خيالاته..،ضالته التي وجدها بعد سنوات عمره الطويلة..بعد أن تخطى لوثة الخمسين، كان يراقب حركاتها كالقطة الشقية تلعب في شرفة تفكيره..،تعيس هو اليوم الذي لا تحضن عينه عيناها ..،كانا يتبادلان الحديث في صمت رهيب..،وكانت الأفكار تتلاقح في موسم خصب تكتظ فيه نظرات الإعجاب والعشق المباح..!!

وجد فيها كل ما فقده ..الحنان..والحذق..والفكر الناضج..،كان يعشق كل حيثياتها الصغيرة والكبيرة..،جنون تفكيرها..،براءة نظراتها..،وتسللها من أسوار العشرينيات خلسة..،لتكون المرأة الكبيرة الناضجة في عينيه..!!

حالة سكينة مريبة اجتاحت منزله..،زوجته المعتكفة في ركنها المقرور والتي اعتادت على تذوق ألوان الحداد..،حتى في ضحكتها السرابية.،و هستيرية السواد التي تشغلها منذ صغرها والشعور الغريب الذي كانت تشعر به من "مراهقة الكبر" التي انتابت زوجها فأصبحت نوبة عشق طارئة،والإحساس المربك من تصرفاته ..، أصبح يعشق خيال تلك الأنثى التي قرأ حرفها ذات مرة..،وأصبح مجنونها..!!..

"تلك المرأة الورقية التي عبرت أسوار قلبه؟؟،اجتاحت جهنم برمتها..،لتصل إليه…،وهي لا تحمل خِلا تلك الأوراق وبعض الأحرف والمداد الأسود.."هكذا أسرت زوجته وبدا خوفها كصفارات الإنذار المدوية في ذلك البيت الصغير..!

كانت تراقب كل تحركاته المشبوهة..،و تمتماته الغريبة في الليل..،كانت أطياف أنسام تلك الأنثى السرابية تتبعثر من شفتيه كالنسيم..،كانت تتشظى كلما سمعته يتحدث عنها..،عن انجاز تلك الفتاة التي لم تتجاوز العشرين..،تلك المعجزة..،أناقتها ..عنفوان تميزها..صيتها اللامع في كل طرقات الجامعة.."إنها طالبة معجزة"..!!

تنهدت بعمق:"أَخلقت من تراب مغاير للتراب الذي خلقنا منه؟"

أشبك أصابعه واتكأ على الكرسي:"أجل..إنها مختلفة..إنها..

قاطعته بصخب:"ما الذي يميزها..؟"

انحنى..وأعطاها ورقةً وأتبع قائلاً:"هذا ما يميزها..فكرها..قلمها..رغم صغر سنها ..تجدين الحديث معها ذا قيمة لا تقدر بثمن..

قاطعته .. انسلخت من عالمه..،هرولت لغرفتها..،ولم تعطه فرصة لمزيد من  الحديث..،فلقد أدركت أنه لا جدوى من الحوار معه.. كانت عباراته سُماً يتلوى في أحشائها..،سيفاً بتاراً يتنفس في شرايينها ،حاولت جاهدةً أن تنسيه طيفها..، لكيلا تعشعش كسرطان يهرول في مجال وريده ليستوطن خلاياه ،ويتناسل فوق خطواتها على صروح قلبه الممردة بالقوارير!!!

أدركت أن الوقت بدأ يشد أطراف الغلالة..،وأن تلك المرأة سوف ترسو بسفينها وتستقر حيث لا قرار لها..، خططت لكل شيء لتقتل ذكراها من قلبه ..،،دست المنوم في فنجان قهوته الذي اعتاد أن يحتسيه وهو يقرأ كتابات "محبوبته الورقية"،وكأنما يريد أن يتنفس أنفاسها..حروفها..أوراقها..كل شيء فيها..وحتى ذراتها!!!

بدأ النوم يتسلل بخبث إلى أجفانه..،بدأت نظراته ترحل عن غوغاء صخب السكون الذي اجتاح زوجته..،جنونها وخروجها عن طابع المألوف..،تسربلت بردائها الأحمر..،انتزعت السكين بكل قوة..،قبلت مكان انفجار المشاعر..،طعنته بكل قسوة ..،انتزعت قلبه..عصرته من كل الدماء التي تلوثت بحب تلك المرأة الورقية..،فغدا كسيرته الأولى..،أرجعته إلى مكانه..،حاكت جرحه بذكرياتهم ..حبهم الأول..بأشرطة وردية .. قبلت مكان الجرح..ليكون بلسماً ..،هكذا بدا الانتقام كشريط بانورامي يمرق أمام ناظرها..،وهي تحرق كل أوراقه القديمة لتحول ذكرى تلك المرأة الورقية إلى رماد اشتدت به ريح عاصف..

تسللت الشمس بسفور..،سكنت ذلك الخدر..،استيقظ ..نظر حوله..فوجد نفسه حبيس رماد أوراق الذكريات..،مكبلاً بقيود الألم ..مرغماً على نزع أنسام تلك الأنثى الورقية من مجال وريده تحت وطأة الرداء الأحمر..!!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007