صايم
- الفطار بسرعة يا ماما ،اتأخرت على الشغل.
- حاضر يا حبيبي، حالاً. افتكرتك صايم زى عادتك.
استيقظ هذا الصباح مشرقاً، على الرغم من أن النوم يجافيه ،فلا ينال منه إلا بضع ساعات قليلة، يقضى معظمها يفكر. شغله في الفترة الأخيرة حوار أمه الدائم له.
- نفسي أفرح بيك يا بني وأشيل عيالك.
- لسه شويه يا ماما.
- لسه ايه، اللى زيك ولادهم دخلوا المدرسة. بس قل لى ناقصك أيه، الشقة موجودة والحمد لله وشغلك يشرف.
- دخلي صغير مايفتحش بيت، ما أنتي عارفة، مقدم الشقة خلّص على اللي كنت محوشه ،والأقساط الباقية بتقضي على المرتب.
- أنت مش كلمتني قبل كدا عن زميلتك الجديدة ، قلت أدب وجمال وباين عليها بنت ناس طيبين. توكل على الله يا بنى ، اخطبها، واهو مرتبك على مرتبها والدنيا ها تمشي.
انتصف عقده الرابع ، تراوده فكرة الارتباط، فينحيها جانباً. يعرف جيدا معنى أن يكون مسئولاً عن بيت وزوجة. بتكرار كلام أمه وإلحاحها عليه، بدء يفكر جدياً في اتخاذ خطوات ايجابية.
تغمره السعادة ،وهو في طريقه لعمله ، قرر أن يخبر زميلته برغبته في الزواج منها، ويطلب منها تحديد موعد للقاء أسرتها. وجد كلام أمه معقولا؛ فقد تغير الزمن ، و أصبح التعاون أساس الحياة ، لا ضير من مساهمة الزوجة بمالها في تحمل أعبائها.
دخل المكتب وكله أمل ، لم تحضر بعد، طال انتظاره. سأل، اخبروه أنها أخذت إجازة مصيف لمدة أسبوع. شعر بالضيق والانقباض، بعد ذلك هدأ. طمأن نفسه: الأسبوع يمر بسرعة ، سرعان ما تعود ، ونبدأ معاً صفحة مشرقة من الحياة.
اليوم أخر الأسبوع، سيلقاها في اليوم التالي. كلما فكر فيما سيكون، ملأته الفرحة ،وانشرح صدره. استيقظ من قيلولته على صوت نحيب خارج غرفته. هم على الفور؛ ليستفسر عما يجري. سمع حديثا بين أمه وشقيقته الكبرى ،التي تبكي بصوت مسموع...
- ازاى يعمل كدا ،هي الدنيا اتقلب حالها ياناس، ياخد مرتبك كله. وانتى ليه مقلتليش من زمان.
- اعمل ايه ياماما عاوزا أعيش، البيت والولاد مصاريفهم مابتنتهيش.
- لا بس على كلامك دا زودها قوى، فيها ايه يعنى لما تجبيلك حتة فستان ،دا انا مشفتش عليكي حاجة جديدة من ييجي سنتين. مش كفاية انك اشترتيه من مرتبك والبيه شايل ايده خالص ،لا كسوة شتا ولا صيف. مشغلك برا وجوا زي الجارية، لما اتمقتي ومابقتيش الوردة المفتحة اللي جمالها كان بينور الدنيا.
خرج عليهما بعد ما اخترق سمعه كلامهما. بادرته أمه: أحضرنا يابني، شوف جوز أختك عامل فيها إيه. فتح لها محضر وعمل خناقه علشان اشترت شوية حاجات، والمرتب وصل لسيادته ناقص.
اخذ يهدئهما. جلس شارداً أحس بتعاطف شديد مع زوج أخته. خاف أن يصرح لهما؛ حتى لا يثير غضبهما. زاد شروده ،رأسه دارت في كل اتجاه. يتذكر زوج أخته، متزوج بها من أكثر من خمسة عشر سنة. لم تشفع له العشر سنين الأولى، خلالها لم تمتد يده إلى مرتبها قط ، إلى أن فقد عمله الإضافي ، فاضطر لذلك . يعذرها هي أيضاً، أنهكتها الحياة ،أضافت لسنها الكثير؛فبدت ضعف عمرها. شعر أن مستقبله القادم يتجسد أمامه . بنى مشروع ارتباطه على التعاون المشترك من أول يوم. فطن إلى ضرورة أعادة حساباته من جديد.
- الفطار جاهز يا بنى.
- شكراً يا ماما، صايم.