[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رائحة القطران رائحة القطران
التاريخ:الاثنين 14 يونيو 2010  القراءات:(6023) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد الراشدي  

رائحة القطران

( 1 )

حين سألت عنه والدي تراءت لي غيمة من الحزن تعبر بين عينيه , وحطت فوق أحداقه أسراب من الذكريات , وارتحلت نظراته نحو فضاء بعيد .. تغضّن وجهه .. تراخت أصابعه .. ووضع فنجان قهوته على الأرض دون اكتراث .. وقال وصوته كالنشيج : " مات هيازع " !!

- 2 -

كان سيداً للصيف و الشتاء..

للحر والقر معاً!!

يعصر الأخشاب في مواقد اللهب , و يرقب عبر سحائب الدخان قطرات " القطران " تنز عبر مسامات الخشب المحروق و تهبط قطرة قطرة في آنية ملؤها السواد والصدأ, وحين تطفح الآنية بقطرانها يطفح الفرح في صدره المكتنز بالربو و السعال و مكابدات السنين !..

كان يوزع رحيق الأخشاب ذاك في علب الزيت النباتي المستهلكة و يقتعد ركنا قصيا في سوق الأحد , و حين تعبق روائح القطران النافذة ؛ يغدو ركنه القصي مزار الذين يدركون أن ( طلاء هيازع ) رائحته لا يشبهها شيء آخر ... ووحدها تلك الرائحة كانت الحدث الفصل في جودة طلاء هيازع عن سواه ..

زبائنه يشرعون أغطية العلب .. يقربونها من أنوفهم.. و حين تضرب الرائحة أقاصي رؤوسهم يبتاعون حاجتهم من الطلاء حتى إذا ما نفدت العلب, أحرق  "هيازع " سيجارة احتفال .. ورفع عقيرته بطرق جنوبي فاتن: (( كثر الهبايب تنزف الما من القاع )), ولوى غترته المغسولة بعبق القطران فوق رأسه المحترق شيباً ,و توارت خطواته في زحام السوق . 

- 3 -

وخارج السوق كان "هيازع" سيرة دائمة فوق الألسنة ورسماً لا تخطئه العين فوق جلود الدواب , و لوناً قانياً على الأسرَّة و الآنية الخشبية التي تطلى بالقطران كي لا تنخرها الحشرات , ورائحة تنث من مفارق الصبايا حين يكرع القمل من دماء هاماتهن !!

كان ترياقاً و زينةً و دفئاً !!

في الصيف حين تتقيح الأرض دوداً و دواب صغيرة تعلق بجلود الأغنام و تنهش ظاهر أجسادها , تفرك جلودها بطلاء "هيازع" فيعافها الدود وتهنأ في مطارحها .

و حين يعوي الشتاء .. و تذرو نسمات الشمال شظايا البرد في أديم الأرض , و يمضغ الزمهرير عجاف القطعان, وتغدو الجيف مآدب الدود ونتن الدروب , تفوح في الزرائب رائحة القطران , ويسكب دفئه فوق ارتجافات الدواب فيشعل في أصوافها الدفء حتى يجف الشتاء !!

- 4 -

في  الضحى , كان السؤال يتفشى كالحمى .. و كان الغياب " هيازع " !!

الروائح التي تضوع بها المكان باكراً .. البرك .. الريحان .. البعيثران .. لم تكن لتمحو من الذاكرة رائحة القطران .. و اشتعل جوع الأنوف المشبعة بالشوق لعبق الأخشاب المحروقة , و حين تقاطروا صوب ركنه القصي , كان "هيازع" حزن المكان الخلي ورعشة الأسئلة الحيرى , و جفنا واكفا بماء الفجيعة و الفقد !! .. والذي أنبت في بياض الضحى شوك المواجع لم يزد أن قال : (( مات هيازع )) .. فانطفأ في وجوه القوم فرح النهار وغرقوا بأحزانهم .. وحين أفاقوا اشتعلت فوق شفاههم الأسئلة ... متى ؟ و كيف ؟ .. و تصحرت الشفاه بالعجز و الألسنة تمضغ الحيرة وقد تعذر اليقين .. و لم يظفروا من مطر السؤال بغير الجفاف ..  ومذ ذاك تداولت الألسن قصصا شتى .. و ابتكروا للحيرة سيراً تؤرخ للموت و ترصد تفاصيل الغياب .. و مات " هيازع " مرة بعد مرة , و بات الموت حقلاً خصباً لجوع الرواة .. و حكاية لزجة تنصب في لهفة الآذان ,ولا تؤول إلى نهاية أبداً !.

- 5 -

قالوا : توعده الجمر يوماً .. و احتطب أصابعه .. فلم يكترث ..

و اشتوى جدب شفتيه فلم ينطفيء ..

و أذاب سحنته فانتشى ..

و حين انتهز الجمر غفوته ذات صبح دثره اللهب , ..........

- 6 -

قيل : كان صلباً كالحجارة!

قالوا له : لا تقرب هذه الشجرة .. هنا افترع سيد الجان أنثاه و اتخذا من أغصانها مرتعاً و مقيلاً , فأوسعهم صمتاً , و تدفق به فجر نقي إلى جذعها , و حين غمس فأسه في أقرب أغصانها لم يبقَ إلا الفأس .. و نواح الريح , و أصداء صرخة قيل ضل يسمعها كل من تفيأ تلك الشجرة حيناً من الدهر قبل أن يكف الناس عن البحث عن رجل ذاب كالسراب و بقيت صرخته , و فأس مغروسة بغصنٍ ينز منه سائل بلون الدم , و رائحة القطران .

- 7 -

قالوا : كان عاشقاً!

تهادت فتنتها بين يديه ذات سوق , وهبها قطراناً بلا مقابل , و حين انكفأت تحمل بضاعتها , فرت حمائم الصدر من خدرها و حطت في جوع عينيه فاقتفى خطاها , و رهن كل أخشابه مهراً لفتنتها وحين استبد به الحلم , قالوا له : لكفيك رائحة الدواب و أنت عود محترق!!

فاضطرم قهراً , و ليلتها ألقى في أحشاء اللهب بكل عود لديه , حتى إذا نفد الحطب واللهب يتراخى بحنق , تجرد من أسماله ونعليه وطوح بها في النار , ثم تقدم ناحية النار وأحداقه تستف الجمر , وتموج في مقلتيه الحرائق .. حتى إذا اكتهل الليل كانت ألسنة النار تلعق أضلاعا من الفحم!! .

- 8 -

نهشوا سيرته ذات يوم فقالوا:

أبت أن تواري سوأته الأرض .. كلما شقوا صدرها فاض في الأجداث قطران نتن الرائحة ؛ ولما استيأسوا أجمعوا أن يغيبوه في إحدى الحفر الطافحة بالنتن والسواد , وحين هوى الجثمان في الحفرة تطايرت قطرات السواد فمن مست جسده اكتسى سوادا يلازمه حتى الممات .. ولما بدأوا يهيلون التراب , كان التراب يذوب في القطران ويختفي , والجثمان طافيا على فوهة القبر , والقبر يستعصي على الردم أو الانغلاق , فتركوا الجثمان سابحا ومضوا ؛ ويومها ألهب الظمأ قلوبهم وضجت منه قطعانهم , وكلما وردوا الماء فاح برائحة أشبه بروائح الجيف , فقالت "أم هيازع": ذاك شؤم هيازع إذ تركتموه في العراء جيفة بلا قبر يلم عظامه .. فاجتمعوا, واتفقوا أن يطمروه مهما كلف الأمر, وحين وقفوا بقبره ألفوه مدفونا برماد كثيف ما يزال ساخنا!!. 

 

- 9 -

 

ذوى كغصن شرده الهجير من أذرع الدوح حتى هوى منكسراً و بالياً فاسـتـفَّـه التراب !!

يومها تيقظ قبل يقظة النور , أعمل فأسه في أعناق الحطب حتى استوى قطعاً متقاربة الطول .. مد حبلاً قصيراً تقشرت أطرافه , رص أخشابه بعناية فوق الحبل ثم طوَّقها به و حزمه بقوة و أصابعه المحروقة تنز دماً أسودا يتخثر ببطء حول أظافره المتكسرة  , تمازجه ملوحة عرق جبهته الذي يمسحه بأنامله , ثم ينكفئ  ويطوق حزمة أخشابه بكلتا يديه.. وبحركةٍ سريعةٍ يرفعها فوق رأسه .. يختل توازنه .. يعود خطوة إلى الوراء .. يتماسك واقفاً ثم يتقدم بخطى ثقيلة نحو موقده .. يلقي بحزمة أخشابه .. يشبك كفيه وراء ظهره.. و ينثني للخلف متحاملاً على آلام ظهره , وتعباً طاحناً يستعمر كل جسده .. يفك وثاق أخشابه و يتناولها عوداً عوداً و يرصها داخل الصفيحة الملأى بالثقوب .. ثم يضعها على فوهة الوعاء الذي يقطر بداخله القطران .. يوقد الحطب .. و تسعل النار في وجهه دخاناً كثيفاً , يملأ أنفه و صدره .. ينصرف بوجهه إلى الخلف .. يكح دماً و بصاقا كثيفاً وبلغما , يبصق ما تجمع في فمه, ويجثو على ركبتيه , و يستند على يديه , و يستفرغ سواداً .. ويثور به سعال حاد يشق حلقه كالنصال .. يصرخ و يقطع السعال صراخه .. يهوي على وجهه .. يغمر التراب أنفه و عينيه و يملأ فمه .. أنفاسه العجلى تشد التراب إلى أنفه و صدره يختنق .. يرتعد جسده لبرهة ثم يسكن بلا حراك ..!!

و حين دنا المساء كانت شمس الأصيل تعكس ظلاً قصيراً لعودٍ نحيل من الخشب يعلو نتوءا  من الرمل يغطي حفرة شقها على عجل عابرون مروا هنا , وأسرعوا بدفن جثة توشك أن تتعفن لميتٍ مسجى فوق التراب , طمروا رفاته بالرمل والرماد دون أن يدروا من هو !.

- 10 -

قالوا : بعد أن  مات " هيازع " لم يعد يأتي الشتاء !!.

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007